logo
أخرى

بحث في سبب نزول قوله تعالی "اِنْ جَآءَكُمْ فَاسِقٌۣ بِنَبَاٍ"

بحث في سبب نزول قوله تعالى:"اِنْ جَآءَكُمْ فَاسِقٌۣ بِنَبَاٍ"

هل كان وليد بن عقبة فاسقًا؟

الحلقة الثالثة والأخيرة

رواية ابن عباس في ذلك:

قال ابن جرير:حدثني محمد بن سعد ثني أبي ثني عمي عن أبیه عن ابن عباس قال کان رسول الله صلی الله علیه وسلم بعث الولید بن عقبة بن ابی معیط إلی بني المصطلق لیاخذ منهم الصدقات وإنه لما اتاهم الخبر فرحوا وخرجوا لیتلقوارسولَ رسول الله صلی الله علیه وسلم وأنه لما حُدِّث الولید أنهم خرجوا یتلقونه، رجع إلی رسول الله صلی الله علیه وسلم فقال یارسول الله، إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة فغضب رسول الله صلی الله علیه وسلم غضبًا شدیدًا فبینما هو یحدث نفسه أن یغزوهم إذا أتاه الوفد فقالوا یارسول الله إنا حُدثنا أن رسولک رجع عن نصف الطریق وإنا خشینا أن یکون إنما رده کتاب جاءه منک فغضبت غضبة علینا۔ فانا نعوذ بالله من غضب الله و غضب رسوله فأنزل الله عذر في الکتاب فقال: ”یایها الذین اٰمنوا إن جاء کم فاسق“.[11]

إن إسناد هذا الحديث مظلم جدًا. أولاً: إن ابن جرير الطبري لم يلتق محمد بن سعد قط، لأنه عندما توفي محمد بن سعد ببغداد سنة 230 هـ كان ابن جرير في السادسة من عمره، ويقيم في بلدته آمل وهي بلدة في طبرستان. فكيف يصح قول ابن جرير عن محمد بن سعد؟ ولكن ابن جرير ثقة موثوق به، فلا يبقى إلا أمران: فإما أن هذا الحديث ملحق ، أدخله أحد في تفسير ابن جرير، أو أن كلمة "حدثني" زيادة خاطئة من بعض النساخ، ثم إن علماء الرجال لا يعرفون أسماء أغلب آباء وأجداد محمد بن سعد المذكورين في هذا الإسناد، فضلًا عن أحوالهم وهل هم موثوقون أم لا! لذلك فإن هذا

الحديث غير موثوق، وربما يكون موضوعًا.

أيها الدارسون، لقد اقتبست هذه الروايات كاملة لأنها توضح تحريف المولانا المودودي. وقد قال المودودي: قد ورد في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث قوة لقمع بني المصطلق، وفي بعضها الآخر أنه كان على وشك أن يرسل قوة. ولكن الجميع يتفقون على أن الحارث بن ضرار زعيم بني المصطلق والد أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها وصل بنفسه مع وفد لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأثناء. ولكن القارئون يلاحظون أن جميع هذه الأحاديث، بما في ذلك أحاديث قتادة، ومجاهد، ويزيد بن رومان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأم سلمة، وابن عباس، لا تذكر الحارث بن ضرار. ومن المدهش جدًا كيف اجترأ المودودي على هذا البيان الكاذب الصارخ الذي لم يكتبه أحد قبله. وربما خُّيل له أنه مَن من القراء سوف يدرس هذه الروايات وينقدها. لذلك سوف تكون كتاباتي موثوقة.

ولم يذكر الحارث إلا في حديث واحد، وهو المروي عن الحارث نفسه. وقد رواه الإمام أحمد. يقول:

حدثنا محمد بن سابق ثنا عیسی بن دینار ثنا أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي قال قدمت علی رسول اللّٰه صلی اللّٰه علیه وسلم فدعاني إلی الاسلام فد خلت فیه وأقررت به فدعاني إلی الزکاة فاقررت بها، وقلت یارسول الله أرجع إلی قومي فادعوهم إلی الاسلام وأداء الزکاة فمن استجاب لي جمعت زکاته فیُرسلُ إليّ رسول صلی الله علیه وسلم رسولا بأن کذا وکذا، لآتیک ما جمعت من الزکاة. فلما جمع الحارث الزکاة ممن استجاب له وبلغ الابّان الذي أراد رسول الله صلی الله علیه وسلم أن یبعث الیه احتبس علیه الرسول فلم یأته، فظن الحارث أنه قد حدث فیه سخطة من الله عزوجل ورسوله فدعا سروات قومه فقال لهم إن رسول صلی الله علیه وسلم کان وقّت لي وقتا یرسل إليّ رسوله لیقبض ماکان عندي من الزکاۃ ولیس من رسول الله الخلف ولا أری حبس رسوله إلا من سخطة کانت، فانطلِقوا فنأتي رسول صلی الله علیه وسلم، وبعث رسول صلی الله علیه وسلم الولید بن عقبة إلی الحارث لیقبض ماکان عنده من الزکاة. فلما أن سار الولید حتی بلغ ببعض الطریق فرق فرجع فاتی رسول صلی الله علیه وسلم وقال یارسول الله إن الحارث منعني الزکاة وأراد قتلي فضرب رسول صلی الله علیه وسلم البعث إلی الحارث، فاقبل الحارث بأصحابه، اذا استقبل البعث وفصل من المدینة، لقیهم الحارث قالوا هذا الحارث، فلما لقیهم قال لهم إلی مَن بُعِثتم؟ قالوا  إلیک۔ قال ولم؟ قالوا: إن رسول اللّٰه صلی اللّٰه علیه وسلم کان بعث إلیک الولید بن عقبة فزعم أنک منعت الزکاة وأردت قتله. قال لا والذي بعث محمدًا بالحق ما رأیته بتة  ولا أتاني. فلما دخل الحارث علی رسول الله صلی الله  علیه وسلم قال منعت الزکاة وأردت قتل رسولي. قال والذي بعثک بالحق مارأیته ولا أتاني. وما اقبلتُ حین احتبس علی رسول رسول الله صلی الله علیه وسلم خشیت أن تکون کانت سخطة من الله عزوجل ورسوله، قال: فنزلت الحجرات :یاأيها الذین اٰمنوأ إن جاءكم فاسق . (رواه أحمد في مسنده 4  /289)

وفي إسناد هذا الحديث أن والد عيسى بن دينار هو دينار، وهو رجل مجهول مستور. قال ابن المديني: عيسى مشهور، ولا نعرف أباه دينارًا. وقد ثبت عن البخاري أنه وثق عيسى بن دينار. [12]

والحديث الوحيد الذي روي عنه هو هذا الذي رواه ابنه عيسى. وهذا يثبت أنه لم يكن رجلًا عالماً بل كان رجلًا الكل ماعنده أن  يتذكر هذا الحديث الواحد، وهو عديم الفائدة ويمكن اعتباره شخصًا غير عارف بالعلم. وأما الحارث بن ضرار الخزاعي فهو أيضًا مجهول لا يعرف. وفي مسند أحمد هو الحارث بن ضرار، ورواه ابن الأثير الجزري في "أسد الغابة" بطريق الإمام أحمد. وفيه الحارث بن أبي ضرار. ويرى الحافظ ابن كثير أن هذا هو الحارث بن ضرار والد أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها وصهره صلى الله عليه وسلم. ۔[13]

وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر في "الاستيعاب في تذكرة الأصحاب" أن راوي هذا الحديث الحارث بن ضرارهو رجل آخر. والد أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها هو الحارث بن أبي ضرار ، وهذا يعني أن ابن الأثير قد أخطأ في ذكر الحارث بن أبي ضرار في إسناد هذا الحديث. "وينبغي أن يكون الحارث بن ضرار، كما في مسند أحمد."

وأقول: هذا الحارث بن ضرار الخزاعي مجهول. وإذا كان هناك شخص اسمه الحارث بن ضرار من قبيلة بني خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يُعرف إلى أي فرع من تلك القبيلة كان ينتمي. وعلى كل حال فهو ليس من بني المصطلق، وبنو المصطلق فرع من قبيلة خزاعة أيضًا، وقصة إسلام هذه القبيلة معروفة. أي أن هذه القبيلة كانت قد ناصرت مشركي مكة في غزوة الأحزاب، ولذلك قاد النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا ضد هذه القبيلة في شعبان سنة ست من الهجرة. وكان هناك قتال قصير، لكن رجال هذه القبيلة فروا سريعًا. فأسرت نسائهم وأطفالهم. ومنهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار رئيس بني المصطلق. ولما وصل رسول الله  المدينة اتخذها زوجة له. فأعتق عامة المسلمين جميع أطفال ونساء هذه القبيلة الذين قد تم تقسيمهم بينهم في الغنيمة، وقالوا إنهم أصبحوا الآن أصهاراً للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فلن نبقيهم في عبوديتنا. وعندما وصل هذا الخبر إلى قوم بني المصطلق الذين فروا من المعركة، فجاؤا جميعًا وأصبحوا مسلمين طواعية، ومنهم الحارث بن أبي ضرار. والآن يتبين أن القصة التي رواها الحارث بن ضرار الخزاعي عن إسلامه وإسلام قومه، الموجودة في هذا الحديث، تختلف تماما عن قصة إسلام بني المصطلق. وأظن أن دينار الكوفي سمع روايات قتادة ويزيد بن رومان وغيرهما. وتصرف فيها ثم وصفه بطريقة معاكسة كما بداله. ولذلك فمن الخطأ أن يصرح المودودي بشكل قاطع بأن الحارث هو والد جويرية رضي الله عنها. وهذا التفصيل يوضح لنا جليا أن الذين اعتمدوا على هذه الروايات الضعيفة، ونسبوا الآية (إذا جاءكم فاسق بنبأ) إلى نزول هذه القصة، وأن الفاسق هو الوليد بن عقبة، قد وقعوا في خطأ فادح.

و في نهاية هذا البحث أود أن أقول للدارسين والقارئين شيئًا آخر، وهو أنه مستحيل قطعًا حتى لو كان مقبولًا أن الوليد بن عقبة كان يستحق من حيث عمره في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى منصب المسؤولية ويبعث أمينًا للتحصيل. فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف فسقه؟ وأنه عاري من الصلاح والتقوى؟ لا يستطيع أحد أن يجيب على هذا السؤال بالإيجاب، لأنه من المستحيل تمامًا أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من كان ظاهر الفساد والمعروف بالفسق أمينًا للتحصيل. فإذا كان الوليد بن عقبة هو الذي أرسلته إلى بني المصطلق مستشارًا أمينًا فإنه لم يكن رجلًا فاجرًا ظاهرالفسق. ويبدو أنه كان صالحًا وتقيًا، بل لابد أن يكون على درجة عالية ولوقليلة من مستوى عامة المسلمين في البر والتقوى، وعندئذ فقط أعطي هذا الأمر. وهذه الآية من سورة الحجرات تأمر المسلمين  في رجل ظاهرالفسق، لا يبالي بأحكام الحق فيما يأتيهم من أخبار ألا يصدقوها حين يسمعوها، بل أن يتحققوا منها. لأن إذا كان المخبر شخصًا فاسدًا، فمن الممكن أن يكون هو من فبرك الخبر بنفسه. فالآية هنا تتحدث عن المُخبِر الذي هو آثم مبين وفاسق ظاهر. من كان معلومًا عنه البغي والفسق، ولم يكن الوليد فاسقًا ظاهرًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

ولذلك فإن هذه الآية لا تتناول الوليد مطلقًا، وليس هناك تناسق بين النازل وشأن النزول. فإذا ورد شأن نزول لِآية، ولم يكن بين الآية وبين شأن نزولها أي توافق، وجب رفض ذلك الشأن. أي لا يفهم من الآية أنها نزلت في هذاالشأن، فلو قال قائل مثلاً: إن الآية :إياك نعبد وإياك نستعين، نزلت في أجل العدة، وهو أربعة أشهر وعشرة أيام، فهو هراء. كلامه خاطئ تمامًا، وبناءً على هذا الدليل يجب التسليم بأن شأن نزول الآية (إذا جاءكم فاسق بنبأ) هذا خاطئ محضًا.

قد انتشرت هذه القصة المكذوبة تمامًا عن الوليد بن عقبة رضي الله عنه، لأنه في عهد عثمان اتهم بشرب الخمر، وفرض عليه حد شرب الخمر. وقد وجه إليه أعداؤه هذا الاتهام كجزء من مؤامرة كبيرة، وكان الشاهدان اللذان شهدا عليه قد أدليا بشهادة زور واضحة. وقد كتبنا عن هذه الحادثة الأليمة مع شرحها وتفصيلها في كتابنا: إرشاد الطالب، شرح مسند علي بن أبي طالب (بالأردية).[14]