logo
أخرى

لمسات بيانية في الإسراء والمعراج

لمسات بيانية في الإسراء والمعراج

الحلقة الأولى

]كان الدكتورصالح السامرائي رحمه الله من علماء العراق وكان مضطلعًا بتفسير القرآن بالقرآن وكان له اطلاع واسع بنظائر القرآن، وكان رحمه الله نسيج وحده في بيان روائع القرآن في هذا الزمان. نقدم هنا قبسات من محاضرته القيمة حول لمسات بيانية في الأسراء والمعراج. مدير التحرير.[

جاء ذكر حادثة الإسراء صريحًا في الآية الأولى من سورة الإسراء أما المعراج فجاء ذكر أحداثه في سورة النجم في آيات متتالية من الآية 1 إلى الآية 18فقال:

سُبْحٰنَ الَّذِيْ٘ اَسْرٰي بِعَبْدِهٖ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ اِلَي الْمَسْجِدِ الْاَقْصَا الَّذِيْ بٰرَكْنَا حَوْلَهٗ لِنُرِيَهٗ مِنْ اٰيٰتِنَاﵧ اِنَّهٗ هُوَ السَّمِيْعُ الْبَصِيْرُ.

 حُفّت السورة كلها بالتسبيح والتحميد قبلها وبعدها ولعلّ في هذا إشارة إلى أنه سينُقل إلى مكان وعالَم كله تسبيح: إن سورتي النحل ﴿أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وسورة الكهف ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾، وآياتها حُفّت بالتسبيح والتحميد في بدايتها بالآية 1 وفي آخرها ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ آية 111. وقد سُبقت السورة بالمعيّة في أواخر سورة النحل ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ آية 128 ومن أعلى أنواع المعيّة أن يُعرج به  إلى حيث من يُحبه بعدما لاقى من الأذى ما لاقاه من قومه وهذه أعلى معيّة للرسول  وكأنه هو أعلى من الذين اتقوا والذين هم محسنون.

 بداية السورة: سبحان: كما هو معروف لغويًا سبحان هي إما إسم مصدر أو عَلَمٌ على التسبيح. ولقد ورد التسبيح في القرآن الكريم في سور شتّى فورد بصيغة الفعل الماضي ﴿سبّح لله ﴾ وفعل مضارع ﴿يُسبح لله﴾ أو فعل أمر ﴿فسبّح باسم ربك﴾ وورد بتعدية الفعل نفسه ﴿سبّح اسم ربك الأعلى﴾ ﴿وتسبّحوه بكرة وأصيلا﴾ وبالباء ﴿فسبّح باسم ربك﴾ وورد بلفظ تسبيح وتسبيح اسمه ﴿سبّح اسم ربك﴾ فنحن نسبّحه ونسبّح له ونسبّح باسمه ونسبّح بحمده (فسبّح بحمد ربك واستغفره)

وباللام. سبحان الذي أسرى: المجيء بالمصدر يفيد الإطلاق بدون تقيّد بزمن أو بفعل أو بفاعل تسبيح مطلق قبل تسبيح أحد لا بفاعل معين ولا بزمن معين قبل خَلق المسبّحين أصلاّ. والإفتتاح بسبحان طبع السورة بجو التسبيح وشاع فيه ذكر التسبيح ﴿سبحانه وتعالى عمّا يقولون علواً كبيرا﴾ (تسبح له السموات السبع والأرض) ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ وهي أوسع وأشمل توسيع على الإطلاق. الفعل عادة مقيّد بزمن ومقيّد بفاعل فعندما قال تعالى ﴿سبحان الذي أسرى﴾ كان مطلقًا قبل وبعد تسبيح المسبّحين لا بفاعل معين وزمن معيّن إنما له التسبيح المطلق قبل أن يخلق المسبحين أصلًا. فالإطلاق في التسبيح في السورة متناسب جدًا مع ما جاء في أول السورة ﴿سبحان الذي﴾ وهو التسبيح المطلق.

 وليس هناك في القرآن كله سورة شاع فيها التسبيح كما شاع في سورة الإسراء ولا توجد سورة تضاهيها في التسبيح ولعلها إشارة إلى أن الرسول  سينتقل إلى عالم وجو مليء بالتسبيح (الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون) فالسورة إذن مشحونة بالتسبيح. وأسرى تفيد المشي ليلاً وقد يكون من معانيها التسرية عن الرسول  بعدما لاقاه في عام الحزن وما حصل له في الطائف فأراد الله تعالى أن يُسرّي عن رسوله ويريه كيف تكون حفاوته في السماء بعد أن هان على الكفّار في قريش والطائف فآذوه ولم ينصروه .هذا ماعندي والله أعلم.

أسرى بعبده: لم يقل برسوله ولا بمحمد وإنما قال بعبده.

الإختيار لكلمة ﴿بعبده﴾ له جملة معاني أولها: أن الإنسان مهما عظُم لا يعدو أن يكون عبداً لله تعالى، لا ينبغي لأحد أن يدّعي مقاماً ليس للآخرين وحتى لا يًعظّم أكثر مما ينبغي (كما فعل النصارى بعيسى) فاختيار كلمة عبد حتى لا يُدعى له مقام غير مقام العبودية. فمقام العبودية لله هو أعلى مقام للخلق وأعلى وسام يُنعم الله تعالى به على عباده الصالحين تمامًا كما وصفت الآيات نوح  ﴿إنه كان عبدًا شكورًا﴾ وأيوب ﴿نعم العبد إنه أوّاب﴾ والرسول  ﴿وإنه لمّا قام عبد الله يدعوه﴾.

والعبودية نوعان: قسرية واختيارية، فالعبودية القسرية تتحقق شاء أم أبى (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا) سورة مريم أما العبودية الإختيارية فهي أعلى مقام العبودية ولمّا ذُكر موسى  ذكره الله تعالى باسمه وأعلى مقام لموسى كان في المناجاة ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ إلى قوله (خرّموسى صعقا) لم يكن ليقل خرّ عبدنا موسى أو جاء عبدنا موسى فلا يجوز أن ينسب العبودية له ثم يخرّ صعقًا هذا لا يحدث ولا يجوز أصلًا.

أما الرسول  عندما ذكر بصورة العبودية أعقبها أنه عُرِج به إلى السماء وإلى سدرة المنتهى وخاطبه ربه بمقام لم يصل إليه أحد إلاّ هو  فلذا كان استعمال كلمة ﴿بعبده﴾ دلالة على زيادة التشريف له  والباء أيضاً إضافة تشريف وهي تدلّ على الرعاية والحفظ مثل قوله تعالى ﴿فأوحى إلى عبده﴾. ليلًا: كلمة أسرى معناها ليلًا لأن الإسراء لا يكون إلا ليلًا (ظرف مركّب) حتى نفهم أن الرحلة الطويلة من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى والعروج إلى السماء كانت كلها في جزء من الليل وقد جاءت كلمة ﴿ليلًا﴾ بدل الليل لأن الليل تدل على الليل كله أما الإسراء فقد تم في جزء من الليل فقط وليس الليل كله. من المسجد الحرام: أي من عين المكان ويكفي تسمية المسجد الحرام يعني أن لا يحدث فيه سوء.

وأكثر العلماء يقولون أن الإسراء لم يتم من المسجد الحرام وإنما من بيت أم هانئ وفي هذا التفاتة إلى أن مكة كلها حرم. المسجد الأقصى: لم يكن آنذاك مسجدًا لكن هذا إشارة إلى أنه سيكون مسجدًا. باركنا حوله: أسند تعالى المباركة لنفسه للدلالة على التعظيم ولم يقل بورك حوله والنون للعظمة لم يقل باركناه بل قال باركنا حوله لآنه لو قال باركناه لانحصرت المباركة بالمسجد فقط أما باركنا حوله فهو يشمل كل ما حوله وهو تعظيم للمسجد نفسه ولكنه إشارة أن المباركة حول المسجد أيضًا. ولم يقل باركنا ما حوله لأنها عندئذ تعني الأشياء فإذا زادت الأشياء زادت المباركة وإذا ذهبت ذهبت المباركة لكن المباركة كانت مطلقة تشمل أشياء معنوية وماديّة وروحانية بما أودع الله تعالى من رزق وخير وإرسال الرسل ولا تختص المباركة بشيء معين واحد وإنما تشمل كل هذه الأشياء.

 لنريه: إلتفات لأسلوب المتكلم بعد أن ابتدأ بالغائب ﴿سبحان الذي أسرى﴾ إلتفت سبحانه للمتكلم ليدلّ على أن المتكلّم هو الله تعالى وليس شخصًا يُخبر عنه إنما كان من الله تعالى مباشرة. وكلمة ﴿لنُريه﴾ تدلّ على أن أفعاله سبحانه معلّلة ولغرض معيّن ولحكمة قد يذكرها وقد يخفيها عنّا سبحانه وكأن هذه الرحلة معدّ لها. من آياتنا: أي مقرر ومُعدّ أن يرى بعض الآيات وليس كلها ولنريه: إسناد الفعل لله تعالى وشدة احتفائه برسوله  ولم يقل ليرى أو ليُرى إنما جاءت ﴿لنُريه﴾ وهذا إكرام وتشريف آخر من الله تعالى لرسوله  في هذا الرحلة.

وإضافة الآيات إلى نفسه تعالى تأتي من باب الإحتفاء بالرسول. إنه هو السميع البصير: عودة إلى الإفراد والوحدانية. ضمير التعظيم يأتي بعد أو قبل ضمير الوحدة في القرآن الكريم وهذا حتى لا يلتبس على السامع ويُشرك مع الله أحدًا والأمثلة على ذاك كثيرة في القرآن الكريم تمامًا كما في سورة الكوثر:

(1) ﴿إنا أعطيناك الكوثر

(2) فصلّ لربك وانحر.

إنا تفيد التعظيم والكاف تفيد الوحدانية لأن الربّ واحد لا شريك له. وهي تدل على أنه سبحانه في الحقيقة هو المتفرّد بهذه الصفات ولقصر الصفات له سبحانه جاء بالضمير ﴿هو﴾

 لماذا خُتمت الآية بـ ﴿السميع البصير﴾؟ ما دلالة السمع والبصر هنا؟ سياق الآيات تقتضي ذكر قدرة الله تعالى الحقيقة أنه لو قال إنه هو القدير أو إنه على كل شيء قدير لا يزيد شيئًا على معنى الآية لأن ما في الآيات اثبات لقدرة الله تعالى والرسول  أُسري به ليسمع ويرى أشياء لم يسمعها ولم يرها من قبل لذلك ناسب سياق الآيات أنه ما يراه الرسول  يراه ربّه وما يسمعه يسمعه ربّه لذلك إنه هو السميع البصير. فلماذا لم تأتي الآيات ﴿السميع العليم﴾ مثلاً كما وردت في آيات أخرى في القرآن؟ الذي يسمع ويرى هو عليم ولكن إذا قيل عليم قد يكون غائب عنك فالعليم ليس فيه حضور أما السميع البصير ففيه حضور. ولقد وردت ﴿السميع العليم﴾ في آيات أخرى لأن المقام في تلك الآيات اقتضى ذلك ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة الأعراف آية 200 عندما ذكر نزغات الشيطان، والشيطان لا يُرى ووساوسه لا تُرى كذلك لذلك جاءت الآية ﴿سميع عليم﴾.

أما عند ذكر البشر في آية أخرى تأتي ختام الآية بـ ﴿السميع البصير﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ سورة الغافر ورقم الآية 56.

لماذا قدم السمع على البصر؟

أولًا. لأن من يسمعك أقرب ممن يراك فالشخص الذي تسمعه أنت أقرب إليك من الذي تراه وهذا يُشعر بالطمأنينة والأمن والقرب.

ثانيًا: السمع هو أهمّ من البصر في مجال الدعوة فاقد البصر يمكن أن يبلّغ في مجال الدعوة أما فاقد السمع فيصعب تبليغه.

 ثالثًا: الإسراء في الليل والليل آيته السمع. وفي القرآن عندما يأتي ذكر الليل تأتي الآيات بـ ﴿أفلا يسمعون﴾ وعند ذكر النهار تأتي ﴿أفلا تبصرون﴾ فكلّ آية تناسب وقتها فالليل للسمع والنهار للإبصار.

رابعًا: قُدّم السمع على البصر في القرآن إلا في مواطن قليلة منها في سورة الكهف ﴿أبصر به وأسمع﴾ لأن السياق يقتضي ذلك، فقد خرج أهل الكهف فارّين حتى لا يراهم أحد لكن الله تعالى يراهم في ظلمة الكهف وفي تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. وفي سورة السجدة ﴿ربنا أبصرنا وسمعنا﴾ قدّم البصر هنا لأنهم كانوا يسمعون في الدنيا ويكذبون في الآخرة وأبصروا العذاب والحقيقة وقولهم يعني انهم موقنون واليقين لا يتأتى إلا بالإبصار وليس بالسمع ﴿عين اليقين﴾ لأنهم رأوا العذاب عين اليقين. لفتة: وردت كلمة سميع والسميع في القرآن الكريم 46 مرة ووردت كذلك كلمة بصير والبصير 46 مرة.

الخلاصة

(أ) أن الحياة والقدرة والسمع والبصر والحكمة وصفة الخلق كلها صفات وردت في هذه الآية ثم ذكر الكمال في هذه الصفات بكلمة واحدة هي ﴿سبحانك﴾ فالفرد قد يكون سميعًا وبصيرًا وذا قدرة ولكن قد يكون أحمقًا أما كلمة سبحانك فجاءت نفيًا وتنزيهًا لله تعالى عمّا يصفه أهل الجاهلية.

(ب). ارتباط أوّل السورة بآخرها فقد بدأت بالتسبيح وختمت بالتحميد. نعمة الإسراء نعمة عظيمة جليلة فجاء في ختام السورة قوله تعالى ﴿وقل الحمد لله﴾ حمدًا لله على نعمة الإسراء.

(ج). ختمت السورة بالباقيات الصالحات (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ وبعد هذه الآية تبدأ سورة الكهف استجابة لهذا القول (قل الحمد لله فافتتحت سورة الكهف بالآية (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) وفي قوله في سورة الكهف في آية 4 ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ رد على آخر سورة الإسراء أنه سبحانه ليس له شريك في الملك. المتوقع أن تختم الآية لأن فيها قوة وقدرة وإظهار لعظمة وغلبة الله سبحانه وتعالى لكن ربنا ختم الآية بشيء يحتاج منا إلى وقفة فقال ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ولم يقل على كل شيء قدير مثلاً؟                            

(يُتبع)