logo
أخرى

العلم والاستدلال

العلم والاستدلال

منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض، لم يكن أمامه سوى مجالين للمعرفة: نفسه وذاته، وعالم المادة من حوله. وعند تأمل هذين المجالين، نجدهما يتجليان في بُعدين أساسيين: الكينونة، وتجلي القوة فيها. إن اللغة ذاتها، بمفرداتها وقواعدها، تعكس هذه الحقيقة في جميع أنحاء العالم، إذ تقوم على ثنائية الأسماء والأفعال التي تصف الموجودات وأثرها في الوجود. أما العقل، فهو المنحة الإلهية التي خُصّ بها الإنسان، وهو وسيلته لفهم ذاته ومحيطه، وبه يتبوأ مكانته المتميزة بين المخلوقات.

وكما أن العقل هو نافذته إلى المعرفة، فإن الحواس هي أبوابه التي تُدخله إلى رحاب الفهم والإدراك. فالحواس الظاهرة تربط الإنسان بعالم المادة، بينما الحواس الباطنة توصله إلى عمق ذاته. وما يصل إلى العقل عبر هذه الحواس، من حقائق وجودية، لا يحتاج إلى برهان أو تحليل، فهي تُدرك بالفطرة، كما يُشرق النور فيملأ الآفاق، ولهذا سُمّيت "الحقائق الوجودية"، وهي حجر الأساس لكل معرفة بشرية.

وقد بسطنا الحديث عن ماهية هذه المعرفة وتكوينها في كتابنا (مقامات) ، تحت عنوان "أساس المعرفة". فعندما يدرك العقل هذه الحقائق، يبدأ رحلته نحو كشف المجهول، مستعينًا بأداة أخرى عظيمة، هي الاستدلال، الذي يُعدّ الرافد الثاني للمعرفة بعد الإدراك المباشر.

حين يُمارس العقل الاستدلال بناءً على الحقائق الراسخة في وعيه، فإنه يصل إلى استنتاجات تفرض نفسها بقوة المنطق: فلكل فعل فاعل، ولكل أثر مؤثر، والصفات الظاهرة في الأفعال لا بد أن تكون متأصلة في الفاعل ذاته. أما حين ينطلق العقل في استدلاله مستعينًا بالخيال، فإنه يفتح أبوابًا لعوالم لم تكن مرئية من قبل، فيرسم الفرضيات، ويستكشف أعماق النفس والمجتمع، ويغوص في أسرار العلوم، خاضعًا لاختبار الزمن بين القبول والرفض، حتى تتبلور الحقائق الناصعة.

غير أن أعظم إنجازات العقل الإنساني تتجلى في قدرته على اختراق أستار الغيب في ذاته، والنفاذ إلى أسرار المادة، حتى غدا قادرًا على نقل عرش بلقيس من اليمن إلى القدس في طرفة عين، كما استطاع أن يفتت نواة الذرة، ويُسخّر قواها، وأن ينقل صور الحياة إلى كل بيت ومجلس، حتى باتت الأدوات التي صنعها معلّمة له، تمنحه الرؤية وتهديه إلى مدارج الرقي.

لقد شهدنا هذه الإنجازات بأعيننا، ولكن من يدري أي عجائب أخرى سيكشف عنها العقل الإنساني؟ وأي خوارق ستُعرض على مسرح الوجود في المستقبل؟

ومع ذلك، فإن للعقل حدوده، فهو محكوم بحدود النفس والمادة، ولا يستطيع تجاوزهما إلا بإذن من الله، كما قرر القرآن في قوله تعالى :

يٰمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْاِنْسِ اِنِ اسْتَطَعْتُمْ اَنْ تَنْفُذُوْا مِنْ اَقْطَارِ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ فَانْفُذُوْاﵧ لَا تَنْفُذُوْنَ اِلَّا بِسُلْطٰنٍ. فَبِاَيِّ اٰلَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبٰنِ.

(الرحمن ٥٥: ٣٣-٣٤)

فالطموح العقلي، وإن كان بلا حدود، إلا أن الواقع يرسم له مداه، وأي سعي يتجاوز عالم النفس والمادة لا يكون ممكنًا إلا إذا منح الخالق للإنسان "سلطانًا"، وهو مفتاح لا يُعطى إلا لمن شاء الله أن يمنحه هذا الامتياز.

صاغه بالعربية : أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي / عثمان فاروق