الإيمان بالغيب
الإيمان بالغيب هو أن تفتح بصيرتك لما لا تدركه عينك، وأن تصدّق الحقائق التي لا تطالها الحواس، مستندًا في ذلك إلى نور العقل وسلامة الفطرة. فالله جلّ وعلا لا تراه الأبصار، والساعة ما زالت مستورةً عنّا، ولم نشهد جبريل وهو ينزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك، قلوبنا تؤمن بكل ذلك إيمانًا لا يعتريه شك، وعقولنا تسلّم له تسليم الواثق الموقن. والسرّ في ذلك ليس استسلامًا للمجهول، بل لأن في الآفاق والأنفس، وفي كلام الله الذي بلّغه رسوله الكريم، من الدلائل ما يجعل الشك مستحيلًا واليقين فطرةً لا محيد عنها.
نحن لا نؤمن بالغيب عن جهل، ولا نتبع سرابًا بلا بينة، بل نصدّقه بعقولٍ متأملة، وقلوبٍ واعية. أما أن يُشترط للرؤية أن تكون بالعين وحدها، فهذا قيدٌ لا يقبله العقل السليم، وإلا فكيف نؤمن بنظريات كشفها العلم ولم تدركها أعيننا؟ كيف نسلّم بوجود الذرات التي لا تُرى، والموجات التي لا تُسمع، وننكر ما أثبته الله في كتابه وما استقامت عليه العقول؟ إننا نقف تحت سماء النهار ونقرّ أن الشمس مشرقة، ليس لأننا لمسناها بأيدينا، بل لأن نورها يغمر الأرض، وشعاعها يخترق الظلمة، وهكذا شأن الحقائق التي جاءت في القرآن، فهي وإن كانت خفية عن الحواس، إلا أنها تتجلّى للعقل والوجدان بوضوح الشمس في رابعة النهار.
لقد وزنّا هذه الحقائق في ميزان الفكر، فما وجدنا فيها نقصًا ولا عوجًا، بل رأيناها تتناغم مع منطق العقل ونداء الفطرة. لهذا نؤمن بها، ونوقن أنها حق، دون أن ننتظر أعيننا لترى ما قد شهدت به البصيرة قبل البصر.
نقله إلى العربية : أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي
[١٩٨٧م ]
