استقبال شهر رمضان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد،
رزقنا الله في حياتنا القصيرة فرصًا عظيمة لمضاعفة الأجر وزيادة الحسنات، وجعل له أوقاتًا مباركة يستطيع فيها التقرب إليه وتعويض ما فاته من تقصير. ومن أعظم هذه المواسم وأكثرها فضلًا شهر رمضان، حيث تتاح فيه فرص كثيرة للطاعات والعبادات وعمل الخير.
مرحبًا بالمطهِّر
بعد أيام قليلة، سيأتي شهر رمضان ليمنح القلوب الصفاء، والنفوس النور، والضمائر النقاء، بعدما أرهقتها مشاغل الحياة ومتاعب الدنيا. فيأتي رمضان ليعيد لها الحياة، ويوقظها من الغفلة. كان السلف الصالح يتمنون بلوغ رمضان، ويستقبلونه بفرح وشوق، ويعتبرونه فرصة عظيمة للتوبة والطاعة. وكانوا يهنؤن بعضهم البعض عند قدوم رمضان قائلين : "مرحبًا بالمطهِّر"، لأن رمضان يطهر القلوب، وينقي النفوس، ويمحو الذنوب.
رمضان في حياة رسول الله ﷺ
رمضان شهر مليء بالخيرات والبركات، اختصه الله بفضائل عظيمة، منها أنه الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم، كما قال الله تعالى : {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} [2]
وكان النبي ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان، فقد قال : "أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم." [3]
وقد صام النبي ﷺ رمضان تسع سنوات، حيث فُرض الصيام في شعبان من السنة الثانية للهجرة، وظل يصومه حتى وفاته في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة. وكان رمضان عند النبي ﷺ مختلفًا عن باقي الشهور، فقد كان يجتهد فيه بالعبادة والطاعة أكثر من أي وقت آخر، رغم أنه ﷺ غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكنه كان أعظم الناس عبادة واجتهادًا، لما في رمضان من فضل كبير وكرم إلهي عظيم.
كان رسول الله ﷺ شديد الكرم في رمضان، فكان يضاعف صدقاته على الفقراء والمساكين أكثر من أي وقت آخر. وقد وصفه الصحابة رضي الله عنهم في عطائه خلال رمضان بأنه كالريح المرسلة، دلالة على كثرة إنفاقه وسرعته في مواساة المحتاجين في هذا الشهر المبارك. كان النبي ﷺ يكرّس وقته في رمضان لتلاوة القرآن، والصلاة، والذكر، والصدقة، والصيام، وكان يقلل من طعامه، منشغلًا بالعبادة والتقرب إلى الله.
كان النبي ﷺ أحسن الناس معاملة، ويتضاعف ذلك في رمضان. كان أجود بالخير من الريح المرسلة، يعفو عن المسيئين، ويتعامل بلين ورفق. حث على إطعام الطعام وفطر الصائمين، وكان متواضعًا، صبورًا، وحسن الخلق، يوصي بعدم الرد على الإساءة أثناء الصيام.
خصوصية شهر رمضان مع القرآن
عند الحديث عن رمضان، يركز الكثيرون على كونه شهر الصيام والامتناع عن الطعام والشراب، لكن الله عرّفه بشيء أعظم، وهو أنه شهر نزول القرآن. فقد جعله الله ظرفًا زمانيًا لاستقبال أعظم هدية للبشرية، وهي القرآن الكريم، الذي لا يضاهي أي عطاء آخر. لذلك، يتميز رمضان بعلاقة خاصة مع القرآن، حيث ينبغي أن يكون حاضرًا بقوة في هذا الشهر المبارك. فكما أن المسلم مدعو للارتباط بالقرآن طوال حياته، فإن رمضان فرصة عظيمة لتعزيز هذه المصاحبة. وقد كان النبي ﷺ يراجع القرآن مع جبريل عليه السلام في كل ليلة من رمضان، كما ورد في حديث سيدنا عبد الله ابن عباس رضي الله عنه. وفي السنة الأخيرة من عمره، عارضه جبريل القرآن مرتين، فأخبر النبي ﷺ ابنته السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها بذلك، مشيرًا إلى قرب أجله، فبكت. ثم أخبرها بأنها ستكون أول أهله لحوقًا به، ففرحت، وتوفيت بعده بستة أشهر. يظهر هذا الحديث مدى أهمية القرآن في رمضان، حيث كان النبي ﷺ يحرص على مراجعته وتلاوته، مما يجعل هذا الشهر فرصة عظيمة لمضاعفة الاهتمام بالقرآن.كان الإمام مالك عليه الرحمة إذا دخل رمضان يترك تدريس الحديث ومجالسة العلماء، ويتفرغ لقراءة القرآن. وكان الإمام سفيان الثوري عليه الرحمة يقول : "رمضان هو شهر قراءة القرآن وإطعام الطعام." لذلك، ينبغي للمسلم أن يقتدي بالنبي ﷺ، فيحرص على تلاوة القرآن ومدارسته مع من هو أكثر حفظًا منه في هذا الشهر المبارك.
قيام الليل والاعتكاف
قيام الليل في رمضان من العبادات العظيمة التي أكد عليها النبي ﷺ، حيث قال : "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه." [4] كان النبي ﷺ يصلي إحدى عشرة ركعة في قيام الليل، ويطيل فيها القراءة.
يستحب الاعتكاف في رمضان وفي غيره من أيام السنة، لكنه يكون أكثر فضلًا في رمضان، فقد كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من هذا الشهر المبارك حتى وفاته. وكان أحد أسباب اعتكافه ﷺ تحري ليلة القدر، حيث قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله ﷺ يقول : تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان." [5] وهذه الليلة عظيمة، فقد جعل الله العمل فيها خيرًا من عمل ألف شهر، كما قال تعالى : {ليلة القدر خير من ألف شهر} [6]
ختامًا، ينبغي لنا أن ندرك مكانة شهر رمضان ونعطيه حقه، فنغتنم أيامه ولياليه بالعبادة والطاعة، لعلنا ننال رضا الله وسعادتي الدنيا والآخرة. وما أحوجنا إلى الاقتداء بنبينا ﷺ في عبادته وسيرته، فإن لم نبلغ منزلته، فعلينا أن نجتهد ونسير على هديه، لأن النجاة في اتباعه، والفلاح في الاقتداء به. وقد قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} [7] ، مما يؤكد أن اتباعه هو الطريق إلى الخير والنجاح.
اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان، ووفقنا فيه للصيام والقيام وتلاوة القرآن، واجعلنا من الذين ينجحون في هذه الحياة وينالون رحمتك في الآخرة.
