ميزان
الحلقة الأولى
فاتحة الکتاب
إن الدین عند الله الإسلام فقط، وقد بیّنته في ھذا الکتاب کما فھمته خلال دراسة وتحقیق ممتدین إلی ربع قرن من الزمن علی أقل حد، وعلیک أن تعتقد کل بیانه المحکم نعمةً من ربي الجلیل أولاً وثانیاً مما أخذته واستفدته من رشحات فکر أستاذنا الجلیل الإمام أمین أحسن الإصلاحي. وإذا بدا لک فیه بیان سقیم فلک أن تحمّله إلى قصور علمي کما قال الشاعر الفارسي ما مفهومه:
کل ما أملک من دولة العشق وخزانة الطرب ھو من يُمن عزیمته.
المورد لاھور __جاوید
١٠ من أبریل ١٩٩٠م
المقدمة (١)
الأصول والمبادي
الدین هوھدی الله الذي ألھمه أولًا في فطرة الإنسان وبعد ذلک أعطاه إیاه بکافة تفاصیله الضروریة بواسطة أنبیاءه ورُسله ثانیًا ، ومحمد صلی الله علیه وسلم خاتم رُسله، ولذا فالآن إن شخصية محمد صلی الله علیه وسلم الفذة ھي المأخذ والمصدر الوحید للدین علی ھٰذه الأرض، فإنه ھو الوحید الذي من طریقه یتوفر ویتیسر لبني آدم الھدی من عند ربھم تعالیٰ إلی یوم القیامة. وإن ھٰذا شأنه فقط أن الشیئ الذي یقرره دیناً بقوله وفعله وتقریره وتصویبه ھو الذي یکون دینًا حقًا إلی یوم القیامة. کما قال تعالیٰ جل وعلا:
هُوَ الَّذِيْ بَعَثَ فِي الْاُمِّيّٖنَ رَسُوْلًا مِّنْهُمْ يَتْلُوْا عَلَيْهِمْ اٰيٰتِهٖ وَيُزَكِّيْهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَةَ. (الجمعة٦٢: 2)
فھٰذا القانون والحکمة ھو الدین الحق الذي یُعبر به ’الإسلام‘ ونبیّن مصادره ونفصلھا أن ھٰذا الدین قد بلغنا بإجماع صحابته وتواترھم القولي والعملي وانتقل إلینا عبر طریقین:
١. القرآن
٢. السنة
أما القرآن الکریم فکل مسلم مطلع علی ھٰذه الحقیقة أن ھٰذا الکتاب قد أنزله تعالیٰ علی رسوله الخاتم محمد صلی الله علیه وسلم، وھو متواجد عند المسلمین منذ نزوله بکل صراحة إجماعیة منھم أن ھٰذا الکتاب ھو الذي نزل علی محمد صلی الله علیه وسلم ونقله إلی العالم صحابته الأبرار بطریق إجماعھم وتواترھم القولي بکل احتفاظ ومن غیر أدنی تغیر.
وأما السنة فنعني بھا روایة الدین الإبراھیمي التي أجراھا النبي صلی الله علیه وسلم بعد تجدیدھا وإصلاحھا وبعد الإضافات العدیدة إلیھا في متبعیه والمؤمنین به. وبما أن القرآن قد ألزمه باتباع ملة إبراھیم وکانت ھٰذه الروایة أیضًا من ضمن اتباع الملة الإبراھیمیة. فقد قال تعالیٰ:
ثُمَّ اَوْحَيْنَا٘ اِلَيْكَ اَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ اِبْرٰهِيْمَ حَنِيْفًاﵧ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ.
(النحل: ١٢٣)
فالدين الذي وصل إلينا خلال هذا الطريق هو مشتمل على مايلي:
العبادات: ١. الصلاة ٢. الزکوة وصدقة الفطر ٣. والصوم والاعتکاف ٤. الحج والعمرة ٥. الأضحیة وتکبیرات أیام التشریق.
التعاشر: ١. النکاح والطلاق ومایتصل بھما من أمور ٢.الحیض والنفاس واجتناب إقامة العلاقات الزوجیة فیھما.
الأکل والشرب: ١. حرمة الخنزیر والدم والمیتة وما ذبح لغیر الله، ٢. تذکیة الحیوان بإسم الله.
التقالید والآداب
١. الأکل بالید الیُمنیٰ وبإسم الله، ٢. السلام عند اللقاء ورد السلام، ٣. قول الحمد لله عند العطس وتشمیت العاطس بیرحمک الله، ٤. قص الشوارب، ٥. قص شعر العانة، ٦. قص شعر الإبط، ٧. تقلیم الأظفار المزادة، ٨. ختنة الأطفال، ٩. تطھیر الأنف والفم والأسنان، ١٠. الاستنجاء، ١١. الاغتسال بعد الحیض والنفاس، ١٢. غسل الجنابة، ١٣. غسل المیت، ١٤. التجھیز والتکفین، ١٥. التدفین، ١٦. عید الفطر، ١٧. عید الأضحی.
فھٰذه ھي السنة. وقطعي تمامًا أنه لا فرق بینھا وبین القرآن الکریم اعتبارًا بالثبوت. فکما أن القرآن وصلنا بإجماع الصحابة وتواترھم القولي فالسنة أیضًا بلغتنا بإجماعھم وتواترھم العملي ولاتزال تثبت بإجماع المسلمین مثل القرآن، فلا مجال فیھا لأي بحث ونزاع الآن.
ولا ریب أن الدین منحصر في ھاتین الصورتین فقط، فلاشیئ دین علاوة علیھما ولایُقرر كدین. أما أخبار الأحادیث المشتملة علی قول النبي وفعله وتقریره وتصویبه صلی الله علیه وسلم، والتي یطلق علیھا عموماً مصطلح ’الحدیث‘، فالحقیقة التي لاتجحد فیھا أن النبي صلی الله علیه وسلم لم یھتم أبدا بتبلیغھا وحفظھا، بل ترکھا للسامعین والناظرین أن یبلغوھا إلی من بعدھم إذا شاؤا اولم یبلغوھا إن لم یشأووا، فإنھا لاتضیف إلی الدین عقیدة وعملاً، فالأشیاء التي تتضمنھا والمتصلة بالدین إنھا في الواقع تفھیم وتبیین للدین المحصور في الکتاب والسنة وبیان للأسوة الحسنة للنبي صلی الله علیه وسلم. فدائرة الحدیث في ھذا الأمر ھي ھذا. فکل شیئ خارج ھذه الدائرة لایسمیٰ حدیثاً ولایُقبل من حیث کونه حدیثًا فقط. نعم داخل ھٰذه الدائرة تقوم حجته علی کل شخص یقبله من حیث کونه قولًا وفعلًا وتقریرًا وتصویبًا للنبي صلی الله علیه وسلم بعد الإطمئنان إلی صحته. ولایجوز له الانحراف منه إذًا، بل یجب علیه أن یستسلم له إذا کان فیه أمرًا وقضاءً للنبي صلی الله علیه وسلم.
والقرآن الکریم والسنة والحدیث – کل واحد منھا محل للتدبر فالأشیاء اللازمة التي یحب أن تکون أمام أھل العلم والنظر عندنا حتی یکونوا علی نظرة صحیحة إزاء کل منھا سوف نبینھا فیما یأتي بترتیب.
(مترجمة من الأردية) (يُتبع)
