logo
أخرى

حیاة أمین


حیاة أمين

(سيرة المولانا أمين أحسن الإصلاحي)

]وفقًا لوصية صاحب "تدبر قرآن"

من كاتب سيرته نعيم أحمد بلوش[

الحلقة الأولى

[تنشر هذه المقالات تحت عنوان "السير والسوانح للشخصيات"، وهي تعكس آراء وتحقيقات مؤلفيها الكرام، المستندة إلى أبحاثهم الخاصة، لذا، لا يلزم أن تتوافق المؤسسة مع جميع ما يرد فيها.  ]

كان لي، برفقة الأخ محمد أحسن التهامي، شرف اللقاء بالانتظام في زيارة منزل المولانا أمين أحسن الإصلاحي في الفترة الممتدة من عام ١٩٨٢م إلى ١٩٨٤م، ثم في عام ١٩٨٥م، حيث كنا ننهل من علمه ونستضيء بفكره النير. لم تكن لقاءاتنا مجرد أحاديث عابرة، بل كانت جلسات علمية وفكرية تنبض بالحكمة، تتخللها أسئلة أكاديمية وتحليلات دقيقة للأوضاع الراهنة. ولأنه كان يعاني من ضعف في السمع، اعتدنا أن نخط أسئلتنا على الورق، فيقرؤها ثم يفيض علينا بإجاباته العميقة، التي تحمل خلاصة فكره وتأملاته.

في تلك الأيام، كان المولانا يقيم في منزل ابنته مريم أنور في منطقة كينت (معسكر) كنا نقصد بيته صباح الإثنين، وأحيانًا الثلاثاء، بعد الساعة العاشرة، بقلوب تملؤها الترقب وأرواح يحدوها الشغف للقاء هذا العالم الجليل. وكان سماحه لنا بحضور هذه الجلسات شرفًا لا يدانيه شرف، ومنحة كنا نعدها من أعظم ما وهبنا الله. ومع مرور الأيام، أدركنا أن هذه اللقاءات لا تحمل في طياتها دروسًا فكرية وحسب، بل تخبئ بين سطورها صفحات من سيرته العطرة، نوافذ تطل بنا على حياته، وعوالمه، ورؤيته للأحداث.

وذات يوم، تعذّر عليّ الحضور، فانفرد الأخ أحسن تهامي بالمجلس. وخلال حديثه مع المولانا، قال الشيخ عنه : يمكن للأخ بلوش أن يتولى هذا العمل – أي كتابة سيرته– إذا أراد. وحين حمل إليّ أحسن هذه البشرى، غمرتني سعادة لا حد لها، إذ لم يكن ليخطر ببالي أن يُلقي عليّ المولانا بهذا التكليف الكريم، وأن يُعهد إليّ بتوثيق سيرته بيدي المتواضعتين.

واليوم، وقد أتاح لي الزمن فسحة من الوقت، أجدني ممتنًا لهذه الفرصة، ساعيًّا إلى الوفاء بهذا العهد القديم. ولا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى مركز غامدي للتعلم الإسلامي، الذي أمدني بما يلزمني من موارد وإمكانات لإنجاز هذا العمل.

مصادر السيرة

لم تكن لقاءاتي مع المولانا الإصلاحي هي المصدر الوحيد لهذه السيرة، فقد استعنت أيضًا بمراجع أخرى أضفت بها لمسات من التوثيق والدقة، ومنها :

١. تسجيلات صوتية تم إعدادها خلال حياة المولانا الإصلاحي، وثّقت إجاباته عن أسئلة عديدة، ثم قام السيد عبيد الله عابد، مساعد رئيس تحرير صحيفة يومية ((ديلي إكسبريس)) آنذاك، والمسؤول الحالي عن نوبة عمل في قناة التلفزيونية  ((V. News))بتحويلها إلى نصوص مكتوبة.

٢. حفيده، أبو صهيب الإصلاحي

٣. أستاذنا الغالي، جاويد أحمد غامدي

٤. حسان عارف، نجل تلميذه الرشيد الأستاذ خالد مسعود

٥.  أحد طلابه المخلصين، السيد محمد أحسن التهامي

٦.  مصادر أخرى سأوردها في مواضعها المناسبة لاحقًا.

الحياة الابتدائية

المولد

وُلد صاحب ((تدبر القرآن))، والتلميذ الرشيد للإمام حميد الدين الفراهي، المولانا أمين أحسن الإصلاحي، عام ١٩٠٤م، في قرية بمهور، الواقعة بالقرب من مديرية أعظم كره في ولاية أوتار براديش الهندية. آنذاك، كانت هذه القرية تبعد نحو أربعة أميال عن مدينة أعظم كره.

كانت أعظم كره منبتًا للعلماء والمفكرين البارزين، فقد أنجبت أسماءً عظيمة مثل الإمام حميد الدين الفراهي (١٨٦٣-١٩٣٠)، والعلامة شبلي النعماني (١٨٥٧-١٩١٤)، والمفكر سبط حسن (١٩١٦-١٩٨٦)، ونجم السينما كيفي أعظمي (١٩٢٥-٢٠٠٢)، والمؤرخ إشتياق أحمد الظلي (وهو -ماشاء الله- على قيد الحياة)، وغيرهم ممن تركوا بصماتهم في مجالات الفكر والأدب.

تاريخ ((أعظم كره((

تأسست مدينة ((أعظم كره)) عام ١٦٦٥م على ضفاف نهر تونس، حينما أنشأها أعظم خان، وهو إقطاعي مسلم حديث العهد بالإسلام. وتذكر الروايات أن أعظم خان كان في الأصل راجبوتيًا هندوسيًا، ذهب في عهد الإمبراطور المغولي جهانكير (١٦٠٥-١٦٢٧) إلى أغرا، التي كانت عاصمة الإمبراطورية آنذاك، وهناك اعتنق الإسلام وحظي برعاية البلاط المغولي، حيث منحه جهانجير لقب "دولت خان"، إلى جانب منحه ولاية ٢٤ بارغانا (وهي وحدة إقطاعية تضم نحو عشر قرى).والراجة دولت خان توفي ولم يكن له ولد يرثه وقد قرر أحدًا يُدعى هربنس ولي عهد لأقطاعه والذي بقي علي ديانته الهندوسية القديمة ولكن قد نبغ في الأسرة نفسها شخص يدعى بكرماجيت واعتنق الإسلام وكان له ولدان احدهما أعظم خان وثانيهما عظمت خان. فولده الأكبر أعظم خان قد أسس بلدة أعظم جراه والثاني قد بنى عظمت كره.1

أما بالنسبة لكلمة "كره"، فمن المعروف أنها كلمة هندية تعني "القلعة". وتُستخدم عادة للإشارة إلى السكان الذين نشأوا من حامية عسكرية. وهكذا، تحولت القلعة التي بناها أعظم خان تدريجيًا إلى شكل مدينة، وأصبحت تُعرف باسم ((أعظم كره)).

التركيبة السكانية لـــ ((أعظم كره))

عند ولادة أمين أحسن، كانت أعظم كره مقسمة إلى قسمين رئيسيين  :قسم تسكنه غالبية مسلمة، يتألف من المدينة وضواحيها. و قسم آخر تقطنه غالبية هندوسية، معظمهم من طائفة الراجبوت، الذين كانوا يمثلون الشريحة الكبرى من السكان. ورغم اختلاف الأديان، ساد بين المجتمعين تعايش ووحدة متينة، فكانوا يتبادلون الزيارات ويشاركون في المناسبات الاجتماعية، مع احتفاظهم بانتمائهم الراجبوتي. كما ضم المجتمع المسلم مهاجرين من خلفيات متعددة، حملوا ألقاب أنصاري، وشيخ، وخان، وميرزا، ومغول. 2

أما قرية ((بمهور))، مسقط رأس أمين أحسن، فقد كانت ذات أغلبية مسلمة، ويبدو أنها ضمت أفرادًا مثقفين على دراية جيدة بمتغيرات عصرهم. ومن بين هؤلاء، برز سرفراز خان، أحد رجال القرية، الذي لعب دورًا نشطًا في ثورة ١٨٥٧م ضد الاستعمار البريطاني. وبعد فشل الثورة، شنّ البريطانيون حملات انتقامية ضد المشاركين فيها، وكان منزل سرفراز خان من بين البيوت التي أُحرقت. وقد ظلت ذكرى هذا الحدث محفورة في ذاكرة المولانا أمين أحسن طوال حياته.

الأسرة والنشأة

كان جدّ المولانا الإصلاحي، وزير علي، من عائلة راجبوتية حديثة العهد بالإسلام، وكان رئيس القرية ومالكًا للأرض، يجيد قراءة وكتابة اللغة الهندية، ويُعدّ من وجهاء مجتمعه. أما والده، السيد حافظ محمد مرتضى، فقد كان حافظًا للقرآن الكريم، ونال شرف أداء فريضة الحج. ورغم عدم تلقيه تعليمًا دينيًا رسميًا، إلا أنه كان يجيد اللغتين الفارسية والأردية، ويرتل القرآن بصوت يأسر القلوب، حتى أن أهل القرية لم يكونوا يفضلون سماع القرآن من غيره. 3 وكان يؤم صلاة التراويح بانتظام، رغم أن المسجد لم يكن له إمام معين.

لقد حرص السيد محمد مرتضى على توجيه أبنائه نحو طلب العلم، مخالفًا بذلك التقاليد العائلية التي كانت تقتصر على ملكية الأراضي. ومن شدة حبه للعلم، أرسل ابنه أمين أحسن بعد وفاة أستاذه الإمام حميد الدين الفراهي ١٩٣٠م إلى مولانا عبد الرحمن المحدث مبارك بوري لتلقي علم الحديث.

وقد روى المولانا الإصلاحي موقفًا له مع والده، عندما جاء الأخير لزيارة الإمام الفراهي أثناء دراسته في مدرسة الإصلاح، دون علمه. وحين بلغه ذلك، استبد به القلق، إذ لم يكن يعرف الانطباع الذي تركه والده عند الشيخ الفراهي. لكنه ما إن التقى بأستاذه، حتى فاجأه بقوله : يا أمين، والدك كان مولويًا كاملاً! [19]

كانت هذه الكلمات من أعظم ما سمعه في حياته، ففي ذلك الوقت، كان لقب مولوي يُطلق على الشخص المتعلم والمثقف، وقد اعتبر المولانا هذا الإطراء من أستاذه إحدى أفراح حياته التي لا تُنسى.

تحول العائلة إلى الإسلام

نظرًا لأن عائلة المولانا الإصلاحي كانت في الأصل راجبوتية، فقد تناقلوا قصة تحولهم إلى الإسلام جيلًا بعد جيل. وكان الشيخ أمين أحسن يروي أن جده الأكبر، سوراج سينغ،4 عاد ذات مساء من الحقول، وكان يشعر بجوع شديد. فتوجه مباشرة إلى المطبخ، وهو مكان مرتفع يتم تطهيره بالطين يوميًا حسب التقاليد الراجبوتية الهندوسية، حيث لا يُسمح بالدخول إليه بالأحذية. لكنه، دون اكتراث، دخل إلى المطبخ بحذائه، فصاحت زوجته ساخرة: يبدو أنك أصبحت باهرًا (أي غير متدين) تمامًا!، في إشارة إلى أنه بدأ يتصرف كالمسلمين. أثار هذا التعليق غضب سوراج سينغ، فقال لها : هل تعتقدين أنني تخليت عن دينك؟ حسنًا، سأثبت لك ذلك!. ومن فوره، توجه إلى زاوية أحد الأولياء الصوفيين في القرية وأعلن إسلامه. وقد أضاف المولانا الإصلاحي أن سوراج سينغ كان الجدّ المشترك له وللعالم الشهير المولوي شبلي المتكلم، الذي كان المولانا يناديه بعمه من باب القربى.

الإخوة والأخوات

كان المولانا أمين أحسن الابن الأكبر في أسرته، وله شقيقان هما، سلطان أحسن ومشير أحسن، بالإضافة إلى ثلاث أخوات.

البيئة المنزلية

في ظل عادات ذلك العصر، نشأ أمين أحسن في كنف نظام الأسرة المشتركة، ذلك التقليد المتوارث الذي ظل راسخًا في المجتمعات، رغم ما يحمله من تناقضات. وقد تحدث المولانا الإصلاحي عن هذا النظام قائلاً:

"إن تقليد الأسرة المشتركة الذي ورثناه، هو في حقيقته إرث هندوسي. لا شك أن الإسلام لم يُقرّه، فهو تقليد إقليمي بحت. وككل أمر في الحياة، يحمل في طياته مزايا ومثالب؛ فمن بركاته أن الفرد لا يُعرف بصفته المستقلة، بل يُنظر إليه كجزء لا يتجزأ من كيان العائلة، فتحميه من الزلل وتستر عيوبه. غير أن عيبه يكمن في طغيان سلطة رب الأسرة، حيث يغدو سيدًا مطلقًا، فيما يتحول البقية إلى أتباع صامتين. الرجال يعيشون كما يشاؤون، أما النساء فإما أن يغرقن في دوامة المشاحنات اليومية، أو يسلمن أنفسهن إلى صمت عميق يشبه الأسر. في بيتنا، اجتمع الكل تحت سقف واحد : أبي وأمي، أعمامي وأبناء عمومتي، يشكلون نسيجًا واحدًا من حياة مترابطة."

ورغم أن والدته كانت القلب النابض بالعاطفة، إلا أن أمين أحسن وجد في جدته ميّاجي كل ما يمكن أن ينشده طفل في حضن دافئ. كانت بالنسبة له الملاذ والأنس، أما والدته فكان يحفظ لها المهابة ويخشاها، بينما ظل والده في عينيه رمزًا للهيبة، يحتفظ منه بمسافة يحفها الاحترام الممزوج بالرهبة.

لطالما ضاقت والدته بتدليل جدته له، وتذمرت قائلة إن هذا الطفل سيُفسد من فرط المحبة التي يغدقها عليه الجميع. لكن ميّاجي لم تكن تأبه لهذه التحذيرات، بل كانت تزيده قربًا كلما زاد انتقاد والدته. وعندما كان والده يفرض عليه الانضباط في الدراسة، كان عمه يتدخل مدافعًا عنه قائلاً : الأطفال يظلون أطفالًا، وليسوا كبارًا جادين طوال الوقت!

ومن بين الذكريات التي بقيت محفورة في قلبه، ذكرى ذلك اليوم الذي ذهب فيه مع نساء العائلة لزيارة أقاربهم على بعد ميلين. وحين عاد جده إلى المنزل ولم يجده، هبّ يبحث عنه بعربة يجرها ثور، غير آبه ببعد المسافة. وعندما وصل، قيل له إن أمين أحسن قد نام، لكنه لم يتردد، بل حمل حفيده النائم بين ذراعيه وعاد به إلى المنزل، وكأنما يحمله على جناحي الحنان. أما في الصباح، فقد كان يصرّ على تقديم الشاي له بكل حب، رغم مرارة طعمه التي كان أمين أحسن يبتلعها فقط إكرامًا لجده.

دراسته الابتدائية

في سن العاشرة، وطأت قدما أمين أحسن عتبة المدرسة القروية، حيث لم يكن فيها سوى معلم واحد، هو المولوي بشير أحمد، الذي لقّنه مبادئ الحساب، إلى جانب اللغة الفارسية والأردية. وعلى يديه، تعرّف على كتاب ((كريما)) للسعدي، ووقع في حب أبياته التي كان يحفظها بسرعة وينشدها بصوت يملؤه الحماس. لكنه في المقابل، وجد في مسائل الرياضيات عقبة صعبة، فكان يشعر برهبة من الأرقام ومعادلات الضرب والقسمة.

لم يكن يجد في معلمه بشير أحمد صلة روحية، لكنه وجد في المولوي فصيح الدين، الذي درّسه العلوم الدينية، معلمًا يستحق الاحترام العميق، فكانت مدرسته الدينية عالمًا آخر مختلفًا عن المدرسة الحكومية.

استمر دراسته في المدرسة الحكومية ثلاث سنوات، إلى أن جاء اليوم الذي قلب الموازين. ففي إحدى زيارات التفتيش المفاجئة، وقف مسؤول حكومي في فناء المدرسة يتفحصها بعين ناقدة، وحين رأى قلة الطلاب، أعلن بكل بساطة أن المدرسة ستُغلق منذ اليوم.

ما كاد الأطفال يسمعون هذا الإعلان حتى انطلقت هتافاتهم بالفرح، وكأنهم تحرروا من سجن غير مرئي. كان أمين أحسن من بينهم، يركض بحماسة ليحمل إلى جدته مياجي ما اعتبره بشرى سارّة. نظرت إليه الجدة بدهشة ممزوجة بالابتسام، وكأنها لم تكن تتوقع إلى أي درجة كان هذا الصغير يضيق ذرعًا بالمدرسة.

وهكذا، طُويت صفحة التعليم الرسمي في حياته، لكنه واصل دروسه الدينية على يد المولوي فصيح الدين، حيث وجد في العلم نورًا يتجاوز حدود المدارس والصفوف.

ألعاب الطفولة

في رحاب القرية، كانت العصي الخشبية ولعبة الكابادي من أكثر الرياضات شيوعًا، غير أن طبيعة أمين أحسن لم تألفهما، فلم يكن يجد فيهما متعته الحقيقية. على العكس من ذلك، وجد شغفه في عالمين مختلفين تمامًا: ركوب الخيل والسباحة. وببلوغه العاشرة، كان قد برع فيهما معًا، فكان يمتطي صهوة جواده بمهارة، يعدو به بسرعة متزنة، بينما يغوص في مياه البركة القروية والنهر المجاور دون إذن أهله، مستسلمًا لهوسه بالسباحة.

لكن شغفه الذي تخطى الحدود أيقظ قلق كبار العائلة، فأخذوا يراقبونه خشية أن يسلبه الماء حياته. ولم تكن مخاوفهم في غير محلها، فقد كاد يغرق ذات يوم بسبب تهوره، مما جعل أهله يشددون عليه الرقابة، ولم يلبث أن خفتت جذوة شغفه شيئًا فشيئًا، حتى لم يعد يجد في الماء ذلك النداء الطاغي كما كان من قبل.

مخاوف الطفولة

على الرغم من أن كثيرًا من الأطفال في قريته كانوا يخشون الأشباح ويروون عنها الحكايات المخيفة، إلا أن أمين أحسن لم يكن يبالي بها، لكنه في المقابل كان يرتعب من المجانين. كان يظن أنه نجا ذات يوم من رجل مجنون بفضل تدخل أسرته، وهو اعتقاد لازمه طويلًا.

وما زاد خوفه من هذه الفئة حادثة شهدها في بيت جدته لأمه. كان هناك طفل من القرية دخل في شجار مع أهله، فما كان منه إلا أن غادر المنزل غاضبًا، واتجه إلى منطقة مهجورة، حيث جلس تحت شجرة وحيدًا. وعندما رآه أمين أحسن، سرت في جسده قشعريرة من الرعب، إذ تخيّله مجنونًا قد ينقض عليه في أي لحظة. ظل هذا المشهد يطارده، وظل خوفه من المجانين يرافقه لوقت طويل.

نكات الطفولة المؤذية

في سن العاشرة أو الثانية عشرة، ارتكب أمين أحسن مقلبًا كاد أن يكلفه الكثير، ولم ينس تداعياته حتى في شيخوخته. كان هناك عش دبابير على إطار الباب الداخلي لغرفة الضيوف في منزله، وبينما كان واقفًا هناك مع عمه، اشتعلت في داخله رغبة الطفولة في المغامرة، فقال لعمه متحمسًا: دعني أريك عرضًا ممتعًا!

لم يمنحه عمه وقتًا لفهم ما يجري، فقد رفع عصاه وقذفها نحو العش بكل قوته. وفي لحظة، انقلب المشهد إلى فوضى عارمة، إذ انطلقت الدبابير غاضبة، تهاجم الاثنين بلا رحمة. ولكن لأن أمين كان الأقرب، ناله النصيب الأكبر من اللسعات، حتى انتفخ وجهه وشحب لونه، وأصيب بحمى جعلته طريح الفراش لقرابة عشرين يومًا، بينما لم يسلم عمه من الأذى، وإن كان أقل ضررًا.

أما ثاني مقالب الطفولة، فكان أقل خطورة لكنه لا يقل طرافة. فقد كوّن أمين أحسن ثنائيًا مشاغبًا مع صديقه إلياس، وقررا ذات يوم إعداد حلوى البودنج بأنفسهما، متسلحين بمكر الطفولة. بدأ الأمر بسرقة كميات صغيرة من الأرز والسكر من بيوت أهلهما، ثم توجها إلى خزّاف القرية طالبين منه إناءً للطهي.

كان الرجل يعرف عائلتيهما جيدًا، ويعلم مكانتهما الرفيعة، فلم يستطع رفض طلبهما رغم احتجاج زوجته، التي هددتهما بأنها ستخبر أهلهما. لكنهما لم يباليا، ومضيا في مغامرتهما إلى الكثبان الرملية خارج القرية، حيث انتظرا مرور الراعي مع قطيعه ليطلبا منه الحليب. وكما فعل الخزّاف، لم يستطع الراعي الرفض، فقد كان هو وغيره من أبناء الطبقات الدنيا أشبه بالخدم لدى الملاك الإقطاعيين، ينفذون أوامرهم دون اعتراض.

وهكذا، بعد أن تجمعت المكونات، أعدّا الحلوى بطريقتهما البدائية، مستخدمين أوراق البيبال بدلًا من الصحون، وتلذذا بمذاقها الفريد. كانا يناديان أي عابر سبيل ليشاركهـما المتعة، وكان أمين أحسن يؤكد دائمًا أنه لم يذق طيلة حياته طعمًا يشبه ذلك الطعم، وكأن مذاق الطفولة كان يمتزج مع الحلاوة، فيترك في القلب أثرًا لا يُمحى.

في سرده لهذه الحادثة، لم يكتفِ المولانا أمين أحسن الإصلاحي بوصفها، بل قدّم رؤية نقدية عميقة للمجتمع في ذلك الزمن. يقول : "ينبغي أن ندرك أن طبقة الخدم في منطقتنا لم تكن سوى امتدادٍ لبقايا العبودية القديمة. فقد كان الغسّالون، والخياطون، والحلاقون، وعمال النظافة، والنجارون، والحدادون، والأجراء، والخزافون جميعهم أسرى نظامٍ جائر، يعملون كخدمٍ أقرب إلى العبيد في خدمة الأسياد الإقطاعيين وملاك الأرض. كانت هذه المهن متوارثة، لا يملك أصحابها حقّ الفكاك منها. أدركت ذلك حين وعيت أن العبودية، التي نظن أننا ودّعناها، لا تزال قائمة بيننا بوجهٍ آخر. كانت أجور هؤلاء المساكين زهيدة، بالكاد تكفيهم قوت يومهم، إذ كان الأسياد يمنحونهم حفنة من البيسات أو شيئًا من الجاكيري (السكر) كتعويضٍ لا يسدّ الرمق. لقد عاشوا كعبيدٍ، لا صوت لهم ولا حق، في حياةٍ تشبه الأسر الأبدي."

الضرب في الطفولة

يفتخر أمين أحسن بأنه لم يتعرض للضرب قط، على عكس إخوته وأخواته الذين كانوا ينالون نصيبهم من غضب والدتهم. كانت أمهم صارمة، وعندما تثور، يرتجف الجميع، لكنه وحده نجا من عقابها، باستثناء مرة وحيدة.

كان ذلك يومًا رفض فيه بشدة الذهاب إلى المدرسة، وأصر على موقفه بعناد أغضب عمه شفيق، الذي لم يتمالك نفسه وصفعه على وجهه قائلاً : أيها الأحمق، ألا تدرك ما تفعل؟!. لكن حتى بعد الصفعة، ظل أمين أحسن على موقفه، ورفض الذهاب. وللمفارقة، لم يكن العم نفسه راضيًا عن ما فعل، بل ندم عليه أشد الندم، وتمنى لو أنه لم يمدّ يده عليه. وكان هذا الندم يزداد كلما رأى أمين أحسن وقد أصبح عالمًا جليلًا، حتى بات يقول في شيخوخته: ليتني لم أصفعه أبدًا!

أما في كُتّاب القرية، أو في مدرسة الإصلاح لاحقًا، فقد كانت القاعدة أن المعلمين يعاقبون الطلاب بالضرب، لكن أمين أحسن ظل استثناءً، حتى من أشد أساتذته صرامة. ربما كان هناك شيء في شخصيته يجعله يحظى بمهابة تمنع الآخرين من توبيخه، أو ربما كان في نظراته ما يكفي ليقول إنه لا يحتاج للعقاب كي يتعلم.

(يتبع)

صاغها بالعربية : أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي