إشراقة
ما بين غزة وغرناطة ... وعظة التاريخ
﴿أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾ (النمل: ٦٢)
إلى قرّاء "الإشراق العربي" الكرام،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
في فجر الثامن عشر من مارس/آذار ٢٠٢٥م، ليلة من ليالي رمضان المبارك لعام ١٤٤٦هـ، استأنفت إسرائيل عدوانها الغاشم على غزة الصامدة، بهجوم وحشي جديد بدأ وقت السحور، بعد حصولها على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة الأمريكية. فانهمرت صواريخ الحقد والظلم والعدوان فوق رؤوس المدنيين العزّل، في قصف جوي شيطاني متتال، أودى بحياة أكثر من ألف شهيد، بينهم الأطفال والرضّع، والنساء والشيوخ، إثر فشل مفاوضات التهدئة بين المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني المحتل.
وما تزال آلة القتل الإسرائيلية مستمرة في حربها البرية والجوية والبحرية، حيث زحفت قوات الاحتلال في مختلف بلدات القطاع الصامد، منتهكة اتفاق وقف إطلاق النار، رغم التزام المقاومة بالهدنة المؤقتة التي تمت برعاية قطر ومصر وبدعم أمريكي. ومنذئذ، شددت إسرائيل حصارها الخانق، ومنعت دخول المساعدات الإنسانية، وقطعت الكهرباء والماء، وعادت إلى سياسة التجويع، والتعطيش، والتطهير العرقي، التي دأبت على ممارستها منذ ستة عشر عامًا، إضافةً إلى تحجيم الضفة الغربية، وسياسة الاستيطان المشؤومة هناك.
وقد أدانت بدورها دول عديدة ومنظمات دولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، هذه الجرائم البشعة الوحشية البربرية، كما أصدرت الدول الإسلامية بيانات شجب واستنكار. ولكن، كالعادة، لا شيء من ذلك يؤثر في كيان غاصب محتل، يحظى بحماية مطلقة، وإفلات تام من العقاب من قبل أمريكا وحلفائها.
أما رئيس وزراء الاحتلال الطاغية، فلا يزال يعرقل جهود الوسطاء، ويرفض كل مقترحات التهدئة وتبادل الأسرى، ويستمر في قصف خيام النازحين، بلا وازع ديني، ولا رادع أخلاقي. وصارت المفاوضات عبثًا في ظل استمرار القصف والمراوغة الإسرائيلية المقيتة.
صرخات الاستغاثة تتعالى في ظل التدمير الواسع للبنية التحتية، حتى المستشفيات لم تسلم، وأشلاء الأطفال الممزقة تتناثر في الفضاء، ومليونا إنسان محاصرون في جحيم غزة، بلا ماء ولا دواء ولا غذاء. والنساء الفلسطينيات المكلومات يصحن بأعلى أصواتهن: واإسلاماه! واحجاجاه! وامعتصماه! ولكن... للأسف، لا إسلام لهن، ولا حجاج، ولا معتصم!
وغزة الجريحة، المحاطة بالعديد من الدول الإسلامية والعربية — مصر، والشام، والمملكة الهاشمية الأردنية، ودول الخليج الغنية — تجوع، وتتعرى، وتذبح أمام أعينهم، ولا يتحرك من أحد ساكن!
وأخيرًا، تفيد الأنباء بأنه قد تمت الموافقة بين الكيان وبين واشنطن — عاصمة القوى الدجالية في العالم — على التهجير القسري للفلسطينيين إلى بعض أراضي "صومالي لاند" — لا قدّر الله — والتي تعقد الصفقة بشأنها بين الاحتلال وسلطات ذلك الإقليم المنفصل عن الصومال. وتُقدم المغريات لهذه السلطات من قبل الاحتلال وواشنطن.
وفي العالم الإسلامي اليوم سبعٌ وخمسون دولة، تمتلك أكثر من خمسة ملايين جندي، وتزخر بثرواتٍ طبيعية، وتتمتع بموارد بشرية وطاقات هائلة. ومع ذلك، تقف عاجزة عن إيصال قنينة ماء إلى غزة! اللهم، إلّا ما تقوم به دولة قطر ومصر من محاولات جادّة للوساطة بين قوى المقاومة والكيان المحتلّ الغاصب، لوقف العدوان المستمر على غزة، وإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى المقاومة، وهي ورقة الضغط الوحيدة المتاحة لديها الآن.
أيعقل أن ملايين المسلمين يعتمرون ويحجّون، ويحتفلون بعيد الفطر، يلبسون الجديد، ويتلذذون بأطيب الأطعمة، وأهل غزة يموتون جوعًا وعطشًا؟! أيعقل أن أمة المليار تبقى صامتة وساكنة، وغزة تباد وتحرق على مرأى ومسمع منها؟
إنها فاجعة تذكّرني بفاجعة مشابهة وقعت قبل خمسة قرون، وهي سقوط غرناطة (١٤٩٢م/٨٩٧هـ)، آخر معاقل المسلمين في الأندلس – الفردوس المفقود. وما أشبه الليلة بالبارحة!
كانت مملكة بني الأحمر (ويقال لهم بنو نصر) تحتضر، محاطة بجيوش قشتالة وأرغون، مدعومة من البابا ودول أوروبا، بينما كان المسلمون ممزقين بين الفتن والمؤامرات والصراعات العرقية بين العرب والبربر.
وحين اشتدّ الحصار واقترب سقوط غرناطة، استغاث أهلها بالدولة العثمانية، وبالسلطان قلاوون في مصر، وببقية الدول الإسلامية. وقد أنقذهم من قبلُ إخوانهم المرابطون من إفريقية، ثم الموحّدون، من براثن الصليبية الحاقدة. ولكن في هذه المرّة الحاسمة، لم تصلهم نجدات المسلمين، ولم يأت الغوث، فسقطت غرناطة عام ١٤٩٢م، وانطفأ آخر مصباح من مصابيح الأندلس.
واكتفى سلطان مصر آنذاك برد بلاغي مسجّع، كتبه منشئه الصلاح الصفدي، جاء فيه:
"ولو أمكنت المساعدة لطارت بنا إليكم عقبان الجياد المسوّمة، وسالت على عدوكم بقسينا المعوجّة وسهامنا المقوّمة، ولكن أين الغاية من هذا المدى المتطاول، وأين الثريا من يد المتناول."
(د. محمد سامي الدهان، الأمير شكيب أرسلان، ص ٢٥٩)
أما الخلافة العثمانية، فلم تفعل سوى تنظيم عمليات إجلاء الناجين من المسلمين إلى شمال إفريقيا، وإنقاذ من هجّر من مسلمي الأندلس، ممن استطاعوا الفرار من أيدي الجيوش النصرانية والوحوش البربرية. وقد نُقلوا بأمان إلى طنجة والمغرب وغيرها من البلدان، دون أن تتمكّن الخلافة من تقديم دعم عسكري أو مالي حقيقي.
وهكذا يعيد التاريخ نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة! فالصمت العربي، والتخاذل الإسلامي، أمام مجازر غزة، ليسا إلا انعكاسًا لفكرة "الدولة القُطْرية" والوطنيات الحديثة، التي قضت على مفهوم "الأمة" في وجدان المسلمين، واستبدلته بولاءات قومية ضيّقة، ومصالح وطنية أنانية.
أما منظمة الأمم المتحدة (UNO)، فقد أثبتت مرة أخرى أنها مجرد وهم يُستخدم لتبرير الصمت المدوّي أمام الإبادة الجماعية (Genocide) للفلسطينيين، كما أقرّت بها محكمة العدل الدولية.
لكن، أين الجيوش الإسلامية المشتركة التي بشّرت بها المبادرات السعودية، بقيادة الجنرال الباكستاني راحيل شريف؟ وأين منظمة التعاون الإسلامي (OIC)، التي أُنشئت في الستينات لنصرة المسجد الأقصى؟ فلماذا لا تتخذ أي خطوات فاعلة لمنع مجازر أبناء المسجد الأقصى؟ وأين جامعة الدول العربية؟ وأين المواقف المشرفة لدول بحجم السعودية والإمارات؟ ولماذا لا تقوم رابطة العالم الإسلامي بدور فاعل لإنقاذ مجازر النساء والشيوخ والأطفال في قطاع غزة، وهم من أبناء جلدتهم؟ فهل ماتت النخوة العربية، والحمية الإسلامية؟
لقد رأينا برودًا رسميًا وشعبيًا في تركيا وماليزيا وإندونيسيا وباكستان – رغم امتلاك بعضها للسلاح النووي – لدرجة أنّ بضع مئات لم يتمكنوا من الخروج في مظاهرات لأجل غزة، بينما خرجت الملايين في شوارع برلين، ولندن، وباريس، ونيويورك؛ دولٌ غير إسلامية، تقليديًا أسيرة للرواية الصهيونية، بل من صانعي إسرائيل وحماتها.
كل ذلك يبيّن بجلاء أننا أمام مشهد مؤلم: لا وجود فعليًا لـ"الأمة الإسلامية العالمية"، كما يروّج في الأدبيات الإسلامية. كما يدلّ على أن ما يُسمى بـ"المجتمع الدولي" ما هو إلا واجهة، وأن ما يحكم العالم اليوم هو الدول القومية، ذات الحدود الجغرافية والقيود القانونية، التي لا تسمح بتجاوزها.
بالتالي، فإن القضية الفلسطينية أصبحت اليوم معركة الفلسطينيين وحدهم، وعليهم أن يصوغوا استراتيجية جديدة، مناسبة وفعالة، تراعي الأوضاع الدولية، وتبتعد عن السرديات الدينية العاطفية التي لم تعد تجدي، بل يجب تقديم القضية على أساس إنساني وقانوني.
لقد آن الأوان للمسلمين، وخاصة للقيادات الدينية وقوى المقاومة، أن يعيدوا النظر في سياساتهم واستراتيجياتهم، ويحاسبوا أنفسهم. ولسنا ممّن يرددون كلام شيخ الدعوة السلفية بمصر، المفتي ياسر البرهامي، حين قال: "ليس من المناسب الآن تقديم شكاوى للأمة من قِبل المقاومة، لأنه عندما هاجمت المقاومة إسرائيل في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣م، لم تسأل الأمة الإسلامية، وكان يجب أن تسأل. وكان من نتيجة عملها المتهور، أن دمّرت غزة بالكامل، وقتل الأبرياء."
فالحقيقة أن إسرائيل دولة احتلال غاصبة غير شرعية، والفلسطينيون هم المواطنون الأصليون، ولهم كامل الحق في مقاومة الاحتلال، وهذا الحق تكفله الشرائع السماوية، والعقل، والقانون الدولي. غير أن المهم، بل الأهم، أن تأخذ قوى المقاومة في الاعتبار أنّ ميزان القوة اليوم ليس في صالحها، ولا في صالح الأمة الإسلامية بأسرها، وأنها أصبحت معزولة سياسيًا في كل أنحاء العالم.
أما الفتاوى بالجهاد، التي صدرت مؤخّرًا عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومعظم المفتين في باكستان مثل المفتي محمد تقي العثماني، والمفتي منيب الرّحمن، ويؤيدها الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي (رئيس مركز تكوين العلماء في موريتانيا)، فإنّها تقرّ بأن الجهاد واجب على كل مسلم قادر، على قاعدة الأقدميّة. لكن السؤال: ما آلية تطبيق هذه الفتوى الجريئة؟ ولهذا السبب، طعن مفتي الديار المصرية في جدواها.
فتاوى كهذه ليست عملية، ولن تسفر عن نتيجة مثمرة. بل يجب بدلًا من ذلك، العمل على إقناع فصائل المقاومة بالتخلّي مؤقتًا عن حكم غزة، والعمل على إنقاذ ما تبقّى منها، ووقف العدوان الإسرائيلي فورًا، وتنفيذ خطة مصر لإعادة إعمار القطاع.
ومن المؤسف أن بعض الصحفيين والمفكرين الإسلاميين قدّموا رواية خاطئة منذ البداية، بأن إسرائيل فشلت فشلًا ذريعًا، وأن المقاومة انتصرت! ويا له من انتصار! فكل شيء تم تدميره، من البشر إلى البنية التحتية، ومع ذلك يقال إنها انتصرت. لقد كسر ظهر حماس وحزب الله والحوثيين، واحتُلت مناطق من لبنان وسوريا، وتحاول إسرائيل الآن الاستيلاء على غزة كذلك، في إطار مشروعها لبناء "إسرائيل الكبرى".
لذلك، نوجّه نداء إلى المقاومة الفلسطينية الشريفة لإعادة النظر في استراتيجياتها، وصياغة مشروعها التحرّري وفقًا لتعقيدات الواقع، بعيدًا عن الأوهام.
نأمل أن تكون قد تعلّمت من تدمير غزة، ومن طوفان الأقصى، هذا الدرس القاسي، فتنهض بسرعة لإنقاذ ما تبقّى من البشر والحجر في غزة العزة.
وفي هذا العدد الرابع من مجلة "الإشراق"، نواصل تقديم مختارات من النسخة الأردية لعدد أبريل ٢٠٢٥م، إلى جانب بعض البحوث المستقلة. وسنستمر، بعون الله، في هذا العمل، بكل جدّ وإخلاص، لنصنع مجلة أكثر حرية في الطرح، ودقة في الانتقاء، وجودة في المحتوى.
وندعو قراءنا الكرام إلى تزويدنا بآرائهم وملاحظاتهم، فهي زادنا في مسيرتنا نحو التميّز والتطوّر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم في الدين
أ. د محمد غطريف شهباز الندوي
(١٢أبريل /آذار ٢٠٢٥ م)
