حیاة أمين
(سيرة الشيخ المولانا أمين أحسن الإصلاحي)
]وفقًا لوصية صاحب "تدبر قرآن"
من كاتب سيرته نعيم أحمد بلوش[
(الحلقة الثالثة)
[تنشر هذه المقالات تحت عنوان "السيرة للشخصيات"، وهي تعبّر عن آراء وتحقيقات مؤلفيها الكرام، المستندة إلى أبحاثهم الخاصة، ولذلك لا يلزم أن تتطابق بالضرورة مع وجهة نظر المؤسسة. ]
حينما انقطع أمين أحسن عن دراسته في المدرسة الحكومية، التحق بمدرسة دينية أخرى، إلا أن اسمها وتاريخ انضمامه إليها اندثرا مع تقادم الزمان. كل ما بقي في ذاكرة الشيخ هو أن أستاذه فيها كان المولوي فصيح أحمد، الذي كان يعلّمه مبادئ المعارف الإسلامية. ويرجّح أن هذه المدرسة كانت تقع في مسجد قريتهم.
وقبل عام من التحاق أمين أحسن بهذه المدرسة، كان المولانا شبلي النعماني قد تولّى مهمة إصلاحها، وبتعاون مع الشيخ مسعود علي الندوي، قرّرا تجسيد رؤى شبلي الإصلاحية من خلال اختيار مجموعة جديدة من المعلمين.
بدأت رحلة أمين أحسن التعليمية الرسمية حقا عند التحاقه بـ"مدرسة الإصلاح"، وكان ذلك بتاريخ ٩ يناير ١٩١٥م. وتشير السجلات إلى أن رقم تسجيله فيها كان ٣٢٨. وقد أدرج إسمه في الصف الثالث ذي اللغة الأردية، مما يدلّ على أن ما تلقّاه سابقًا في المدرسة الحكومية ومدرسة المسجد عدّ بمثابة الصفين الأول والثاني. ويقدّر الشيخ أن عمره آنذاك كان يتجاوز العاشرة بقليل.
يروي أمين أحسن عن لحظة التحول تلك فيقول:
"في أحد الأيام، جاء شبلي المتكلم إلى بيتنا. لم يكن عمي الحقيقي، بل كان من أقارب قريتنا، ورغم اختلاف العائلتين، فإن أواصر القرية كانت وثيقة. جاء وقال لوالدي: (سآخذ هذا الطفل إلى المدرسة الدينية). ففرح والدي وردّ عليه قائلًا: نِعْم هذا الخبر!".
يتضح من هذه القصة أن "شبلي المتكلم" كان دائم السعي لاكتشاف الطلاب النابغين، وأن تلك المدرسة كانت ذائعة الصيت في القرية، لأسباب متعددة، من أبرزها أنها لم تكن منتمية إلى أي طائفة أو جماعة دينية بعينها. والمثير للانتباه أن المؤسسين الذين قدّموا الأرض والدعم المالي الأولي لإنشاء هذه المدرسة، كانوا من السنة والشيعة معًا، في دلالة واضحة على روح التعاون والاحترام المتبادل بين مكوّنات المجتمع آنذاك. (انظر: حياة شبلي، ص ٦٨٢)
صعوبات التعليم المبكر
كان أمين أحسن أصغر طلاب فصله سنًّا، وقد وصف بنفسه هذا التفاوت العمري قائلًا:
"كان في صفي رجال لهم لحى سوداء!"
وهو تعبير يشي بمدى الفارق في العمر بينه وبين زملائه، فقد كانوا أكبر منه بكثير. ومن بينهم كان المولوي فصيح أحمد، الذي لم يزل في السنة الأولى آنذاك، وهو الذي كان معلمه في المدرسة السابقة. وقد أدهشته رؤيته إلى حدٍّ كبير، إذ لم يكن يتصور أن من كان أستاذًا له سيكون زميلًا له في قاعة الدرس!
وكان من بين زملائه أيضًا المولوي أختر، الذي يكبره بأربع سنوات، لكنه مع ذلك لم يشعر نحوه بأي فجوة جيلية، فقد كان يرى بينه وبين زملائه تقاربًا في الطباع والوجدان، لا يوحي بذاك الفارق الزمني.
أما عن هيئة التدريس، فقد كانت تضم نخبة من العلماء المحترمين، مثل المولوي عبد الله، والمولوي بركات، والمولوي شبلي المتكلم. وكانوا جميعًا من المشهود لهم بالعلم والمهابة، ومع ذلك، لم يكن الصبي الصغير يشعر نحوهم إلا بالأسى والحزن، إذ كان يراهم في موقع السلطة، ويشعر هو بأنه الضحية.
وقد عدّد أمين أحسن أسباب شعوره هذا، وأهمها ذلك الفارق الكبير بينه وبين زملائه في الفهم والعلم والتجربة. فقد كان المعلمون يظنون أنه يمتلك الخلفية العلمية ذاتها التي يمتلكها زملاؤه الأكبر سنًّا، وكانوا يتعاملون معه على هذا الأساس، بينما هو لم يكن قد تلقى التعليم الأساسي بعد.
ولم يزل هذا النقص يرافقه حتى جاء الفرج، حين بدأت إصلاحات المولانا حميد الدين الفراهي في المدرسة، فقيّض الله له أحد الأساتذة الطيبين ليساعده في تدارك ما فاته من الأساسيات، وهي قصة سيفرد لها الحديث لاحقًا.
أما ثاني المشكلات التي واجهها أمين أحسن، فكانت متعلقة بالمقررات الدراسية. فقد وجد نفسه - وهو لا يزال في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمره - مضطرًا إلى دراسة علم اللاهوت، وهو علم لم يستهويه في يوم من الأيام.
وكان يدرّس هذا العلم على يد أبرز أساتذة المدرسة: المولوي شبلي المتكلم، الذي لقّب بهذا اللقب تمييزًا له في علم الكلام والمنطق، وكان أحد تلاميذ شبلي النعماني، بل من مفاخره، وقد استقدمه خصيصًا إلى مدرسة الإصلاح.
غير أن الصبي الصغير لم يرَ في دروسه سوى جمود واستغلاق، فلم يكن يفهم منها شيئًا، بل شعر بنفور شديد منها. وكان يعبّر عن موقفه تجاه هذا العلم بطرافته المعتادة، فيقول:
"كنت أخاف من اللاهوت والمنطق وما إليهما. لقد درّست هذه المواد، لكنني لم أتعلم منها شيئًا. وكان لديّ نفور فطري من الفلسفة اليونانية، فما شأني إن كان للجاموس ذيل وليس للإنسان؟! وماذا سيفكّر الجاموس في هذه المسألة؟"
وكان من يدرّسه هذه الفلسفة هو عمه شبلي، الرجل الخبير بالمنطق والكلام. وقد اعتاد أثناء الدرس أن يحدّ النظر في وجهه، وأمين أحسن يرد إليه النظر ساخرًا متسائلًا:
"ما هذا الكلام الفارغ الذي يعلّمه؟!"
أما الأستاذ، فكان ينظر إليه مستنكرا ما يراه من بلادة في تلميذه، ويقول في نفسه:
"ما أغبى هذا الصبي، وما أضعف ذوقه!"
وأما ثالث المشكلات، فكانت أن أمين أحسن كان عقلانيًّا بطبعه، يميل إلى الفهم والتحليل، لا إلى الحفظ والتلقين. وقد كانت المدارس آنذاك تركّز على الحفظ، دون أدنى اهتمام بالفهم والاستيعاب. وكان يطلب منه أن يحفظ تصاريف الأفعال، وهو أمر كان يصيبه بالفزع والضيق.
وقد عبّر عن موقفه من الحفظ قائلًا:
"إذا سئلت، قلت: أستطيع أن أتذكر، ولكن لماذا أتذكر شيئًا لا أفهمه؟! ما جدوى أن أوهم الناس بأنني أفهم ما أحفظه؟ هذا كذب على النفس وعلى الآخرين. لقد كنت دائمًا عقلانيًّا، وكانت هذه الروح ترافقني منذ الصغر. كان من حولي رجال ملتحون، يبدو أنهم قبعوا في المدرسة لسنوات، وقد تعلّموا أن التعليم هو الحفظ فقط، لا الفهم. وأنا كنت مطالبًا بأن أحفظ تصاريف الأفعال. والحقيقة أن حفظ الشعر شيء، وهذه التصاريف شيء آخر! كان مجرد التفكير فيها يصيبني بالقلق، وقد أثّرت عليّ نفسيًّا بشكل سيئ للغاية."
المنهج والنظام التعليمي في مدرسة الإصلاح
عندما التحق أمين أحسن الصف الثالث، كان المنهج الدراسي لا يزال على الطراز التقليدي القديم. ولهذا يقول:
"في البداية، كانت المدرسة مدرسة دينية تقليدية."
فقد كانت تدرّس وتحفّظ فيها كتب مثل القدوري وغيرها من الكتب الكلاسيكية. في تلك الفترة، لم يكن المولانا حميد الدين الفراهي قد انضم رسميًا إلى المدرسة بعد، لكنه كان قد وصل إلى بلدة سرائمير، واستقر في قريته فريهة، الواقعة على بُعد أربعة أميال من المدرسة. وكان يحضر يوميًا إلى المدرسة، ثم بدأ يقود حركة إصلاحية، أخرج بها المدرسة من قبضة النمط الديني التقليدي، ووضعها على مسار جديد تمامًا.
ويظهر معنى هذا "المسار الجديد" عند النظر في الإصلاحات الجوهرية التي أدخلها المولانا الفراهي. فقد كتب شرف الدين الإصلاحي في كتابه ذكرى فراهي أن رئاسة المدرسة كانت أولًا للمولانا مسعود أحمد الندوي، ثم تولى المولانا الفراهي منصب الأمين العام عام ١٩١٦، وظل يخدم المدرسة دون انقطاع حتى وفاته عام ١٩٣٠.
ولفهم هذا التحوّل، لا بد من التعرف على المنهج الذي أقرّه الفراهي، والأهداف التي وضعها، ونظام التعليم والتدريس، إلى جانب إدارة الشؤون المالية للمدرسة. وسنكتفي هنا بعرض النقاط الرئيسة التي توضح ملامح هذا المشروع الإصلاحي، كما ورد في المصادر الرسمية للمدرسة، خاصة ما دوّن بناء على طلب المولانا الفراهي، وتحت إشرافه، وبقلم المولانا أمين أحسن الإصلاحي نفسه.
المنهج التعليمي لمدرسة الإصلاح
إن التدهور العام الذي أصاب الأمة الإسلامية، والذي تجلّى في شتى جوانب الحياة، يعزى – في رأي الفراهي – إلى فساد تسلّل عبر قرون إلى نظام التعليم الديني. فحينما كان هذا التعليم قائمًا على أصوله الصحيحة، ظل المسلمون في موقع التقدم والريادة، دينًا ودنيا. أما بعد انحراف هذا المسار، فقد فشلت المدارس، رغم كثرتها، في وقف حالة التراجع العام.
وفي ظل هذا الواقع، وفّق الله جماعة من المصلحين إلى تشخيص هذا الداء، فخلصوا إلى أن طريق التعليم الديني المتبع آنذاك كان عاجزًا وغير منتج. وإذا كان الإسلام يُعنى بأمور الدين والدنيا معًا، فلابد أن يكون التعليم الإسلامي وسيلة شاملة للهداية، لا مجرد أداة للعبادة الشكلية. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء مدرسة الإصلاح، التي انطلقت من هذا التصور الشامل للتعليم.
أهداف المدرسة
تزعم مدرسة الإصلاح أنها قد اكتشفت الطريق المستقيم في التعليم الديني، وجعلت منه غايتها الأساسية؛ ذلك الطريق الذي ترك عليه النبي ﷺ أمته. وقد جاء في خطبته الأخيرة:
"تركت فيكم كتاب الله، ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا."
وترى المدرسة أن سبب التدهور الحقيقي في أحوال المسلمين هو تهميشهم لتعليم القرآن، وانشغالهم بالعلوم التي كان ينبغي أن تكون خادمة له، فإذا بها تصبح غاية مستقلة. ومع مرور الوقت، أهمل تعليم القرآن تمامًا، حتى أصبح محصورًا في التلاوة والحفظ، وصدق فيهم قوله تعالى:
{يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}
ولكن مدرسة الإصلاح – بفضل الله – أدركت هذه العلة، وجعلت القرآن الكريم محورًا لكل العلوم. فالعربية، والفقه، والحديث، والتاريخ، والمنطق، تدرّس في المدرسة، ولكن في ضوء هداية القرآن، بحيث يفتح لكل علم بابه من داخل النص القرآني.
(مجلة "الإصلاح"، العدد الصادر في أغسطس ١٩٣٦م، قسم "شذرات"، ص ٧)
المبادئ الأساسية للمدرسة
المبادئ التي التزم بها المؤسسون وحرصوا على نشرها بين الناس نشرت عدة مرات، وفيما يلي أبرزها، كما جاءت بقلم الشيخ الإصلاحي وأقرّها الشيخ الفراهي:
١. يطلب من المعلمين والطلاب أن يعيشوا حياة زاهدة متدينة، وأن يرضى المعلمون بالقليل. فرئيس الأساتذة ومشرف المدرسة كان يتقاضى ٣٥ روبية شهريًا، في حين أن المولانا الفراهي نفسه – الذي كان سابقًا يتقاضى ٥٥٠ روبية من دار العلوم العثمانية – قبل أن يعمل في مدرسة الإصلاح براتب لا يتجاوز ٣٥ روبية. أما بقية المعلمين فكانت رواتبهم تتراوح بين ٢٠ و٢٥ روبية، وقد تمر شهور دون أن يتسلموها.
٢. كان الهدف الأساس هو تقديم فهم دقيق وعميق للقرآن الكريم، ثم يأتي بعده تعليم الحديث والفقه. وقد تقرر حذف الكتب غير الضرورية في المنطق والفلسفة وعلم الكلام، وإبدالها بالأدب العربي. كما أوصى البرنامج بتدريس الحديث بعيدًا عن التعصّب المذهبي، وتعليم الفقه بطريقة تنمي التسامح وسعة الأفق، مع الابتعاد عن روح التكفير والتفسيق.
أما القواعد النحوية، فينبغي تدريسها بطريقة عملية لا تعتمد على الحفظ الآلي، وأن تراعى في تدريس العلوم الفنون المرجعية، باستخدام أسلوب المحاضرات. كما أُدرج تعليم اللغة الإنجليزية بقدر الحاجة، والتعليم الصناعي لكسب الرزق. وكان من أهداف المدرسة أيضًا تقليل مدة الدراسة وخفض تكاليفها. وهذا يدل على أن التعليم في مدرسة الإصلاح لم يكن مجانيًا بالكامل.
٣. كانت المدرسة تسعى إلى أن تكون منصة جامعة لمختلف فرق أهل السنة والجماعة؛ فالحنافي والحديثي، والديوبندي والندوي والإصلاحي، جميعهم يجدون في المدرسة موطنًا مشتركا. ورغم اختلافهم في بعض التفاصيل، إلا أنهم جميعًا يتفقون على نهج السلف ويسعون لإزالة الخلافات.
("شذرات" للشيخ أمين أحسن الإصلاحي، مجلة "الإصلاح"، أغسطس ١٩٣٦، ص ٧–٨)
(للحديث صلة)
