قضية نزول المسيح: موقف الأستاذ غامدي
(مقتبس من حواره مع الأخ حسن إلياس)
(الحلقة الرابعة)
الباب الثاني
نزول المسیح ـــــ موقف العلماء
في الفصل السابق قد جاءت جميع النصوص المتعلقة برفع المسيح عليه السلام إلى الله ونزوله إلى الأرض .وقبل توضيح موقف الأستاذ الجليل جاويد أحمد غامدي بشأنها، من الضروري بيان وجهة نظر علماء الأمة. ونتيجة لذلك، سيصبح الإطار العام الذي قدم فيه الأستاذ الجليل موقفه واضحًا.
إنه في تقاليدنا العلمية، يعبّر عن مفهوم المجيء الثاني للسيد المسيح عليه السلام تحت عنوان "نزول المسيح". ويقصد بذلك أنه عندما حاول بنو إسرائيل صلب السيد المسيح عليه السلام، أخذ الله روحه ورفعه إليه. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن، هو حي في السماء. وعند اقتراب القيامة، سينزل مباشرة على الأرض ويترافق مع الملائكة وينزل على مئذنة مسجد في دمشق، ويقود جيش المسلمين. ثم يقتل الدجال وجنوده اليهود. ومن دعائه يُهلك يأجوج ومأجوج أيضاً .وتصبح الدنيا مهداً للأمن والسلام، ولن يبقى على الأرض دين سوى الإسلام. ويحكم كإمام عادل في الدنيا لمدة أربعين سنة، وبعد ذلك يتوفى ويصلي المسلمون عليه ويدفنونه وبعد وفاته ستقوم القيامة قريباً.
يقدم موقف العلماء وأدلته بالتفصيل تحت العناوين التالية:
١- دلائل رفع المسيح
٢- دلائل نزول المسیح
٣- تصور نزول المسیح ومشتملاته
١- دلائل رفع المسيح
ويُستدل من القرآن الكريم لمفهوم رفع المسيح عليه السلام إلى السماء ووجوده حيًا هناك. ويقدم العلماء والمفسرون بعض نصوص الكتاب الإلهي كأدلة قاطعة لدعم هذه االدعاوي وتُستعرض هذه الأدلة واستدلالها على النحو التالي:
الاستدلال من الآيات ٥٤-٥٥ من سورة آل عمران ( ٣)
وتدل هاتان الآيتان ٥٤-٥٥ من آل عمران أن بني إسرائيل قد أخذوا يخيطون دسائس خفية ومؤامرات لكي يصلبوا المسيح بسبب أية جريمة،ولكنهم لم يفعلوا ذلك بإذن الله.وحينها قد جاء الله بتسلية للمسيح أنهم يمكرون ولكن الله خير الماكرين، والتدبير الإلهي سوف يؤدي بكل دسائيهم وتدابيرهم فقال:
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللہُ وَ اللہُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
إِذ قالَ اللہُ يا عيسىٰ إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذينَ كَفَروا وَجاعِلُ الَّذينَ اتَّبَعوكَ فَوقَ الَّذينَ كَفَروا إِلىٰ يَومِ القِيٰمَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرجِعُكُم فَأَحكُمُ بَينَكُم فيما كُنتُم فيهِ تَختَلِفونَ.
إن الله تعالى قد عبر عن تدبيره لحماية السيد المسيح عليه السلام بقوله "إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ". وقد استنبط المفسرون من هذه الآية مفهوم رفع المسيح وحياة المسيح . فاعتبروا أن قوله "رَافِعُكَ إِلَيَّ" يعني أن الله تعالى قد رفع المسيح عليه السلام حيًا إليه. وبالتالي، فإنه في السماوات بحياته الجسدية وأما بالنسبة للفظ "مُتَوَفِّيكَ" قبل "رَافِعُكَ"، فإن معناه ليس إعطاء الموت بل أخذ السيد المسيح عليه السلام بصورة كاملة وسليمة في قبضته. وبالتالي، فإن ألفاظ "مُتَوَفِّيكَ" بحد ذاتها دليل على حياة المسيح، ولا يجوز استخدامها في معنى وفاة المسيح.[13]
والحجج المقدمة لعدم أخذ الكلمات ’إِنِّي مُتَوَفِّيكَ‘ بمعنى الموت هي من نفس الطبيعة من لدن المتقدمين إلى المتأخرين. وكأن هذه هي حجة العلماء التي تبناها بكاملها من جاء لاحقا. لقد اقتبسناها من كتب العلماء المعاصرين. والغرض منه هو تغطية المحتوى[14] بشكل كاف وفهمه بطريقة سهلة. واستدلال العلماء بذالك هو كالتالي:
لا يعني المعنى الحقيقي لكلمة "توفى" الموت
والعلماء والمفسرون يستندون إلى الأساس بأن استخدام فعل "توفى" في قوله تعالى "إني متوفيك" بمعنى الموت ليس صحيحًا على الإطلاق. وهذا لأن الكلمة تستخدم بمعنى مجازي عند الإشارة إلى الموت، والمعنى الحقيقي للكلمة هو "أخذ الشيء وافيًا" أو "أخذ الشيء بتمامه" أو أخذ شيء بشكل كامل. ومعنى أيكلمة وردت في جملة ماسواء كان حقيقيًا أو مجازيًا يتم تحديده من خلال السياق واالسباق والشواهد في الكلام. والشواهد هنا توضح أن الكلمة استخدمت في معناه الحقيقي وليس المجازي. لذلك، تعني "إني متوفيك" أنني سأخذك بالكامل، وهذا يعني أن الله تعالى سيستلم ذات عيسى عليه السلام بشكل كامل. أي أن الذات المكونة من الروح والجسد ستنتقل إلى حيازة الله. هذا المفهوم يتماشى تمامًا مع شواهد اللغة العربية والأمثلة من القرآن الكريم والروايات الحديثية. وجاء في كتاب العلامة أنور شاه الكشميري "حياة ابن مريم عليه السلام".[15]
خذ مثلاً كلمة "توفي "فإن جميع المشتقات لكلمة "توفي" تستخدم لاستلام شيء بشكل كامل، ولذلك يتم استخدام كلمة ’’توفیٰ‘‘ بدلاً من "الموت‘‘ عند الحديث عن وفاة الشخصيات الكبيرة والعظيمة كنوع من الاحترام. نعم، يتم استخدام كلمة ’’الموت‘‘ أيضاً حسب الحاجة.
لذلك، لفظ "توفیٰ" هنا بدون أي تردد يتم استخدامه بمعناه الأصلي ولم يتم تحريفه حتى قليلاً، وهذا غير ممكن أيضاً، لأن هذه الكلمة لو كانت مرادفة لـ "موت" وكانت تحمل نفس معنى الموت، لانتهى الهدف من الكلام أي الستر وإظهار التقديس.
إن الأستاذ أبا الأعلى المودودي أيضًا قد أخذ هذا اللفظ بمعنى التسلّم بدلًا من الموت، ومع ذلك، فقد فسّره بمعنى العزل من المنصب. فيقول:
"في الأصل استخدم لفظ "مُتَوَفِّيكَ "والمعنى الأصلي لـ "تَوَفِّي" هو الأخذ والاستلام. "أما استعماله فيقبض الروح فهو الاستخدام المجازي لهذا اللفظ وليس معناه اللغوي الأصلي. فهنا قد استخدم هذا اللفظ بمعنى الكلمة الإنجليزية: To recall أي استدعاء شخص راجعا من منصبه.
وبما أن بني إسرائيل كانوا عاصين بشكل مستمر لعدة قرون، وكانت سيرتهم القومية لاتزالت تدهور رغم التحذيرات المستمرة، وقد قتلوا عدة أنبياء متتاليين وأصبحوا عطشى لإهراق دمكل عبد صالح يدعوهم إلى الخير والحق، فإن الله تعالى هدفاً لإتمام الحجة عليهم وإعطائهم فرصة أخيرة قدأرسل فيهم نبيين عظيمين مثل عيسى ويحيى عليهما السلام في وقت واحد. وهما كانا مزودين بآيات واضحة تدل على صدق رسالتهما، وكان يمكن إنكارهما فقط من قِبل الذين لديهم عداء شديد للحق وبلغوا الجسارة والجرأة في مواجهة الحقإلى الحد النهائي. لكن بني إسرائيل أضاعوا هذه الفرصة الأخيرة أيضاولم يكتفوا برفض دعوة النبيين فقط، بل إن أحد رؤسائهم قام بإعلان قطع رأس يحيى عليه السلام تلبية لرغبة راقصة، وتآمر علماؤهم وفقهاؤهم مع السلطة الرومانية لفرض عقوبة الموت على النبي الآخرالمسيح عليه السلام، بعد ذلك، كان من العبث إضاعة المزيد من الوقت والجهد في نصح بني إسرائيل، ولهذا استدعى الله نبيه إليه وأصدر قرار حياة الذل على بني إسرائيل حتى يوم القيامة."
(تفهیم القرآن ١ / ٢٥٧)
وإحالةً لىشرح الزبيدي في "تاج العروس" والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن يقول البيرشاه كرم الأزهري " أن لفظ توفى" يحمل معاني حقيقية ومجازية والمعنى الحقيقي هو الأخذ بالكامل، بينما المعنى المجازي هو الموت أو النوم ،ويشير مبدأ اللغة والبيان إلى أنه عندما يُستخدم لفظ يحمل معاني حقيقية ومجازية في جملة ما، يجب أولاً الاعتماد على المعنى الحقيقي، وإذا لم تقبل الجملة ذاك المعنى أو كانت القرائن ضده، فيجب عندها الذهاب إلى المعنى المجازي، ولكن الاستباق بإعطاء الأولوية للمعنى المجازي دون مبرر غير صحيح. وفي الآية المذكورة لايوجد أي قرينة تستدعي اعتبار "توفى" بمعنى مجازي، وبالعكس هناك دليلان واضحان لأخذها بمعناها الحقيقي: أولا، السياق التاريخي للآيات يظهر أن المخاطبين في هذه الآيات هم نصارى نجران الذين كانواحضروا وفداً إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وبما أنهم كانوا يؤمنون بألوهية السيد المسيح عليه السلام، فقد كانت هذه الآيات تهدف إلى دحض هذا الاعتقاد الباطل. الدليل الثاني هو الأحاديث المتعلقة بنزول المسيح، التي تؤكد صراحة مفهوم حياته. لذا، يتطلب من هذه القرائن اعتماد المعنى الحقيقي لـ"توفى" وهو "أخذ بالكامل فيقول البير كرم شاه:
"إن علم المعاني ينص على قاعدة مسلّمة أنه إذا كان للكلمة معنى حقيقي واحد وآخر مجازي، فيفضّل المعنى الحقيقي على المعنى المجازي. نعم، إذا وجد دليل يجعل المعنى الحقيقي متعذّراً، فيُترَك المعنى الحقيقي ويُعتمد المعنى المجازي. ولكن إذا وُجدت دلائل قوية تدعم المعنى الحقيقي، فإن الإصرار على ترك المعنى الحقيقي واستخدام المعنى المجازي يعتبر بمثابة السير عكس التيار. والآن تأمل في معنى كلمة 'توفى' فقد جاء في "تاج العروس" عند بحث كلمة 'وفى': "وتوفاه أي لم يدع منه شيئًا" أي أخذ الكل ولم يترك منه شيئاً، وذكر الإمام أبو عبد الله القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": ‘توفيت مالي من فلان أي قبضته. أي استعدت المال كله. هذه هي المعاني الحقيقية لكلمة 'توفى'.
نعم، هذا اللفظ أيضاً يُستخدم بمعنى الموت أيضا ولكن هذا هو معناه المجازي كما يقول صاحب "تاج العروس": "ومن المجاز ادركته الوفاة أي الموت والمنية وتوفي فلان إذ مات وتوفاه الله عز وجل إذا قبض روحه". الآن يمكنك أن تقرر بنفسك كم هو تعسف شديد أن تترك المعنى الحقيقي لكلمة دون قرينة وتصر على أخذ المعنى المجازي منها، وليس هنا فقط أنه لا توجد قرينة لاعتبار المعنى المجازي، بل هناك قرائن قوية تدل على اعتماد المعنى الحقيقي لهذه الكلمة.
أنت ستسأل ما هي هذه القرائن التي تشير إلى ذلك وفيما يتعلق بهذا أقول: إن سياق هذه الآية هو قرينة قوية على هذا الأمر. فأنهنا يدور الحديث مع مسيحيي نجران الذين كانوا يعتقدون بألوهية التصريحات لا يمكن اتخاذ المعنى المجازي وترك المعنى الحقيقي. ولهذا السبب يرى جمهور المفسرين مع مراعاة هذا المعنى الحقيقي أن.
"متوفیک أي مستوفی أجلك ومؤخرك إلى أجلك المسمى عاصماً إياك عن قتلهم". (البيضاوي) ويعني أن الله تعالى سوف يبقيك حياً إلى أجل محدد وسيحميك من القتل.''. متوفیک أي مستوفی أجلك معناه إني عاصمك من أن يقتلك الكفار'. (الكشاف)
ويقول الإمام ابن جرير: 'وأولى الأقوال بالصحة عندنا قول من قال معنى ذلك إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ لتواتر الأخبار من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم'. يعني في رأيي، أصح الأقوال هو أنني يا عيسى سوف أقبضك من الأرض وأرفعك إليّ، لأن الأحاديث المتواترة عن الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تؤكد أنه قد رفع حيا إلى السماء. "
(ضياء القرآن 1/ ٢٣٥ -٢٣٦)
(يتبع)
