ميزان
(الحلقة الثالثة)
المیزان والفرقان:
الرابع أن القرآن نزل في ھٰذه الأرض کمیزان للحق والباطل وفرقانا بینھما ومُھیمناً علی سلسلة الوحي کلھا، کما قال تعالیٰ:
اَللّٰهُ الَّذِيْ٘ اَنْزَلَ الْكِتٰبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيْزَانَ. (الشوریٰ: ١٧)
و ’و‘ ھنا قبل المیزان جاء للتفسیر فصار ’’المیزان‘‘ بیانا ’’للکتاب‘‘ في الحقیقة وعلیه فالآیة تقول إن الله عزوجل قد أنزل القرآن للتمییز بین الحق والباطل وھو في الواقع میزان للعدل. فأنزله لینظر کل شخص ما ھو الحق وما ھو الباطل. فھو وحده المیزان، لا شیئ في ھٰذه الدنیا سواه ما یوزن علیه القرآن. وکما قال تعالیٰ:
تَبٰرَكَ الَّذِيْ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلٰي عَبْدِهٖ لِيَكُوْنَ لِلْعٰلَمِيْنَ نَذِيْرًا. (الفرقان: ١)
فالفرقان في ھٰذه الآیة أیضا یعطي المفھوم نفسه، أي کتاب ھو حجة قاطعة في المیزة بین الحق والباطل، فھنا أیضا أرید بیان الحقیقة أن ھٰذا الکتاب ھو القول الفصل في کل شیء. وهو الصحیفة المعیارية، فیکون مرجعاً في النزاعاتِ کلھا والخلافات جمیعا. لایحکم علیه شيئ بل ھو یحکم في کل مکان من دولة العلم والھدیٰ وکل أمرء مسئول ألا یقدم علیه شیئاً.
وقال تعالیٰ:
وَاَنْزَلْنَا٘ اِلَيْكَ الْكِتٰبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا٘ اَنْزَلَ اللّٰهُ وَلَا تَتَّبِعْ اَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ. (المائدة: ٤٨)
ففي ھٰذه الآیة تعطي لفظة المھیمن ذاک المفھوم وھو إسم صفة من ’ھیمن فلان على کذا‘ في معنی المحافظ والرقیب. والآیة تقرر أن القرآن مھیمن علی الصحف السابقة ومعنی ذلک أن النسخة المعتمدة للکتابات الإلھیة الآن ھو القرآن المجید فقط. فإذا کانت المتون للصحف السماویة الأخری قد فقدت أو دخلت التحریفات الکثیرة في تراجمھا فبقي القرآن الآن حکما و معیاراً یمیز بین الحق والباطل. فکل ما یمکن إثبات صحته علی معیاره ھو صحیح. وما لا یمکن إثبات صحته ھو بالتاکید خطأ ویجب رفضه.
وھٰذه ھي منزلة القرآن التي أعلنھا بنفسه له فیجب أن نسلم بناءً علیه کمبادي أشیاء تالیة له:
أولاً: لایحدد القرآن وحي خفي أو جلي خارج القرآن ولا تخص حکمه ولا یغیر فیه ولا یأتي بأي تعدیل حتی والرسول صلی الله علیه وسلم الذي نزل علیه لایفعل ذلک. فکل شیئ یُرد أو یُقبل في الدین في ضوء آیاته البیات. ویبتدئ کل بحث للإیمان والعقیدة منه ویختتم علیه، وکل وحي وکل إلھام وکل إلقاء وکل تحقیق أو رأي یتبعه. والحقیقة التي لاتجحد فیه أن حکومته تقوم علی کل من أبي حنیفة والشافعي والبخاري ومسلم والأشعري والماتریدي والجنید والشبلي علی الکل ولا یؤخذ ولایُقبل شیئ منھم مایخالف القرآن ویعارضه.
وثانیاً: أن دلالة ألفاظه علی مفاھیمه قاطعة فما یرید قوله یقوله بکل صراحة وصرامة، ولا یقصر عن بیان مدلوله تقصیراً في أي أمر کان. ومفھومه ھو الذي تقبله ألفاظه، لایختلف منه ولا یتباین. وھناک باب واحد فقط للوصول إلی مدینة معانیه وھو ألفاظه لا غیر. والتي تعطي مفاھیمھا بقطعیة کاملة لاریب فیھا ولاشک.
فھٰذان مما یتقاضاھما کون القرآن میزاناً وفرقاناً، لایختلف فیه اثنان. ولکن ھناک تساؤلات عدیدة مما تخالج بعض الناس وھي کالتالي:
أولاً: ھناک خلافات للقراءة في بعض المقامات في القرآن. وھي تؤثر لیس في التلفظ بھا بل أحیانا علی معاني الألفاظ أیضاً. ففي مثل ھذه الحالة لایکون شیئ قاطعاً وحاسماً إذا کانت ھناک خلافات. مثلاً إذا کانت "أرجلکم "التي جاءت في الآیة السادسة من سورة المائدة یُقرأ بالنصب وبالجر أیضاً فکیف تحسم علی أساس القرآن أنه لابد من غسل الأرجل في الوضوء ولایُمسح علیھما؟
وثانیاً: إن ما نفھم من القرآن من معنیً نستطیع فھمه من طریق ألفاظه وترکیب جمله والحال أن فھمنا ھٰذا موقوف علی علوم و فنون ظنیة کلھا أي النحو واللغة والبلاغة وغیرھا. فکیف یقال – والحالة ھٰذه – إن دلالة ألفاظ القرآن قاطعة تماماً علی مفھومه؟
وقد جاء الإمام الرازي بھٰذا السؤال وبسطه في تفسیره کالتالي:
’’دلالة الألفاظ علی معانیھا ظنیة لأنھا موقوفة علی نقل اللغات ونقل الإعرابات والتصریفات مع أن أول أحوال تلک الناقلین أنھم کانوا آحاداً وروایة الآحاد لاتفید إلا الظن. وأیضاً فتلک الدلائل موقوفة علی عدم الاشتراک، وعدم المجاز، وعدم النقل وعدم الإجمال وعدم التخصیص وعدم المعارض العقلي فإنه بتقدیر حصوله یجب صرف اللفظ إلی المجاز، ولاشک أن اعتقاد ھٰذه المقدمات ظن محض، والموقوف علی الظن أولی أن یکون ظناً.‘‘ (التفسیر الکبیر ١ /٢٨)
وثالثاً: لقد بین القرآن في موضع عن نفسه أن من آیاته ما ھو محکم وبعض منھا متشابه. ولایعلم تأویله ومفھومه إلا الله، فھٰذا أیضاً مما یقدح في کون القرآن قولاً فصلاً. فإننا إن کنا لانمیز المحکم من المتشابه ولاندري مفاھیم الآیات المتشابھات فکیف إذن نُعین مراد القرآن ومدلوله في تلک الآیات. وکیف نقرر القرآن حَکماً علی كل شيئ آخر غیره بناءً علی ذلک.
ورابعاً: ھناک أحادیث وروایات تغیر في مراد القرآن. وعلماءنا یعبرون عن ذلک في بعض المقامات بنسخ وفي بعضھا بتحدید وتخصیص وتقیید وما إلی ذلک من الاصطلاحات الأصولية الفقھیة. فإن نوقن بھٰذا فکیف نسلم للقرآن تلک المنزلة المذکورة فیما مر آنفا؟
فھٰذه ھي السؤالات التي تقدم بھٰذا المجال عموماً.
خلافات في القرأة:
القرآن ھو فقط الذي ثبت في المصحف والذي یتلوه معظم الأمة المسلمة بإستثناء بعض المناطق المغربیة. وماعدا ھٰذه التلاوة والقرأة التي تتم مطابقا لھا لاتعتبر قرآناً غیرھا ولا تقوم من حیث کونه قرآنا. فلایثبت ھٰذا السؤال من أساسه عندنا. ونفصل فیما یأتي مذھبنا ھٰذا: قال الله تعالیٰ:
سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى. (الأعلى: ٦-٧)
وأیضاً قال:
لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَاْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ اِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ. (القيامة: ١٦-١٩)
فإن المخطط الإلٰھي عن نزول القرآن وترتیبه وتدوینه الذي بینته في الآیات المذکورة یتلخص کما یأتي:
أولاً، لقد أخبر الرسول صلی الله علیه وسلم أنه بالطریقة التي یعطیٰ بھا القرآن لک نجماً نجماً وفق الحالات ھي الطریقة الصحیحة لمنحه. ولکن لیس لک أن تردد في حفظه وجمعه وترتیبه بسبب تلک الطریقة، الآن ھٰذه القرأة الجاریة له أثناء نزوله نستبدل بقراءة أخری له إذا اکتمل نزوله. فعند ذالک إن شاءت حکمة الله سبحانه بإزالة شیئ منه ینسخ ذلک منه ویُقرءکه الله سبحانه بحیث لایمکن فیه سھو ولا نسیان وتُمنحه في أکمل صورته وأتم.
ثانیاً: قد أخبر صلی الله عليه وسلم أن ھٰذه القرأة الأخری إنما تتم بعد جمعه بصورة کتابیة ویلزم لک اتباع تلک القراءة فقط ولایجوز لک قراءته وفق القرأة الأولیٰ.
وثالثاً: وأخبر أیضاً أنه إذا کانت ھناک ضرورة إلی شرح وتفسیر لإطلاقات القرآن في أي أمر من أوامر سیتم ذلک أیضاً في ھٰذه المناسبة وھکذا سیتم ھٰذا كکتاب بعد جمعه وترتیبه وتفھیمه وتبیینه من قِبل من ینزله علیک سبحانه وتعالیٰ.
فھي القراءة الأخیرة للقرآن والتي یصطلح لھا ’’قراءة العرضة الأخیرة‘‘. وجاءت في الروایات أن جبریل الأمین یعرض علیه صلی الله علیه وسلم کل عام ما قد أنزل علیه من القرآن في شھر رمضان المبارک. وقد عرض علیه مرتین في عامه الأخیر من حیاته حین تمت العرضة الأخیرة. کما قال أبوھریرة: کان یعرض علی النبي صلی الله القرآن کل عام مرة، فعرض علیه مرتین في العام الذي قبض فیه. (صحیح البخاري، رقم: ٤٩٩٨)
وحینما ودع النبي صلی الله علیه وسلم العالَم کانت ھٰذه قراءته. وکان الخلفاء الراشدون بعده وجمیع المھاجرین والأنصار یتلون القرآن مطابقاً لھٰذه القرأءة. لاخلاف بینھم في ذلک، وقد سُمیت فیما بعد ’’بقراءة عامة‘‘ کما یقول أبوعبد الرحمن السلمي:
’’کانت قراءة أبي بکر وعمر وعثمان وزید بن ثابت والمھاجرین والأنصار واحدة، کانوا یقرءون القرأة العامة وھي القراءة التي قرأھا رسول الله صلی الله علیه وسلم علی جبریل مرتین في العام الذي قبض فیه، وکان زید[7] قد شھد العرضة الأخیرة وکان یُقرء الناسَ بھا حتی مات.‘‘ (البرھان للزرکشی ١ /٣٣١)
فھٰذه القراءة ھي التي نالت تواترا قولیاً للمسلمین منذ الصحابة رضي الله عنھم. والدقائق والخفایا الفنیة للھجات العرب تؤخذ فیھا من روایة الحفص ولذا یصطلح علیھا العلماء بناءً علی ذلک ’’بقراءة الحفص‘‘. ولذلک یُتصور أن ذلک اختیار لھم مثل القراءات الأخریٰ، غیر أنھا ھي القراءة العامة. یتعارفھا السلف[8] في عامة الأحوال بألفاظ تؤدي ھٰذا المفھوم کما مر من قبل فقد رُوي عن ابن سیرین: القراءة التي عرضت علی النبي صلی الله علیه وسلم في العام الذي قبض فیه ھي القراءة التي یقرؤھا الناس الیوم. (الاتقان، السیوطي ١ /١٨٤)
فإذا تدبرت في القرآن بضوء نظمه فتشھد لذلک الشواھد الداخلیة للقرآن بقطعیة کاملة. والعمل الذي قد عمله أکابر أھل العلم من المدرسة الفراھیة علی القرآن الکریم یبرھن برھنة تامة أن متن القرآن لایقبل قراءةً غیر ھٰذه القراءة العامة. وإذا شاء شخص أن یریٰ أمثلة لذلک فعلیه الرجوع إلی تفسیر ’’تدبر القرآن‘‘ للأستاذ الإمام أمین أحسن الإصلاحي في مواقع کثیرة. إنه بنفسه یصرح:
’’إنه قد تم إبعاد اختلاف القراءات أیضاً في ھٰذا التفسیر، إن القراءة المعروفة والمتواترة ھي التي ضُبط علیھا المصحف الذي بین أیدینا. ففي ھٰذه القراءة یتم تأویل کل آیة للقرآن وکل لفظة له في ضوء لغة العرب ونظم الکلام وشواھد القرآن أن لایحتمل شکا وشبھة. ولذا قد قمت بتأویل کل آیة بناءً علی ھٰذا القراءة وأقول بثقة کاملة إنه لایمکن تفسیر القرآن علی أساس غیر ھٰذه القِراءة بغیر تجریح بلاغة القرآن وحکمته ورقته ومعناه.‘‘ (تدبر القرآن ٨ /٨)
علی أنه قد یمکن أن يخالج في صدور بعض الناس روایة ’’السبعة الأحرف‘‘ التي وردت في مؤطا الإمام مالک کما یلی:
عن عبد الرحمن بن القاري أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب یقول: سمعت ھشام بن حکیم بن حزام یقرء سورة الفرقان علی غیر ما أقرؤھا وکان رسول الله صلی الله علیه وسلم أقرئنیھا فکدت أن أعجل علیه، ثم أمھلته حتی انصرف، ثم لبیته برداءه فجئت به رسول الله صلی الله علیه وسلم فقلت: یا رسول الله إني سمعت ھذا یقرء سورة الفرقان علی غیر ما أقرئتنیھا، فقال رسول الله صلی الله علیه وسلم: أرسله ثم قال: إقرأ یا ھشام، فقرأ القراءة التي سمعته یقرأ فقال رسول الله صلی الله علیه وسلم: ھکذا أنزلت. ثم قال لي: إقرأ فقرأتھا فقال: ھکذا أنزلت، إن ھذا القرآن أنزل علی سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تیسر منه.‘‘ (رقم: ٥٦٧)
وھناک بعض الحقائق حول ھذه الروایة إذا وضعتھا أمامک اتضح لک أنھا روایة سخیفة واھیة غیر قابلة للاحتجاج بھا في ھذا المبحث الھام.
أولاً ھذه الروایة وإن جاءت في أمھات کتب الحدیث ولکن مفھومھا لغز لم یحلھا بعد أحد في تاریخ الأمة. وقد نقل السیوطي في کتابه ’’الاتقان‘‘ أقوالاً متعددة في تعیین معناھا ولکنه قد شعر بضعفھا کلھا واعترف في شرحه للمؤطا ’’تتویر الحوالک‘‘ إن هذه الروایة من جملة المتشابھات التي لایعلم کنھھا إلا الله فیقول:
’’وارجحھا عندي قول من قال: إن ھذا من المتشابه الذي لایدری تأویله.‘‘
(۱ /۱٥۹)
وإن کان ھناک أی توجیه معقول لذلک فیکون أن تحمل ’’سبعة أحرف‘‘ علی مختلف لغات العرب ولھجاتھا. ولکن متن الروایة یرده أیضا لأن المختلفین فیھا عمر الفاروق وھشام بن حکیم کلاھما قرشي فکیف یُتصور أي خلاف بینھما.
الثالث: إن کان الخلاف یتصور بین أفراد القبائل المختلفة فکیف یوجه لفظة ’’أنزل‘‘ في ھذه الروایة لأن القرآن یصرح صراحة تامة أنه نزل بلسان عربي مبین بلغة قریش. وبعد ھذه الصراحة لک أن تقول إنه قد رخص وأجیز للقبائل المختلفة أن یقرؤه بلغاتھم ولھجاتھم المختلفة ولکن کیف نسلم أن الله تعالی ھو الذي أنزله في لغات مختلفة لقبائل مختلفة؟
الرابع: إن ھشاماً قد أسلم بعد فتح مکة. فإن قبلت ھذه الروایة فعلیک أن تعترف أن رسول الله صلی الله علیه وسلم کان یعلم القرآن لبعض الناس خفیة حتی بعد فتح مکة بطریق لم یعرفه کبار أصحابه مثل عمر علی خلاف ما کان یعلم لعشرین سنة علی أقل حد. وکانوا یسمعونه منه ویحفظونه في صدورھم وفي صحفھم. یمکن لکل شخص أن یتصور مدی خطورة ھذا القول وأین یمکن أن یقع ضربه.
وھذا الذي یقال عن روایات وآثار رویت عن جمع القرآن وتدوینه أولاً في عھد الصدیق رضي الله عنه ثم في عھد عثمان رضي الله عنه في کتب الحدیث والآثار. إن القرآن کما قدمنا في ابتداء البحث یصرح صراحة تامة أنه قد تم ترتیبه وتدوینه في حیاة النبي صلی الله علیه وسلم نفسه وبإرشاد من الله سبحانه مباشرا. علی أن ھذه الروایات تحکي حکایة أخری لایقبلھا القرآن ولا العقل العام. وجاءت في الصحاح أصلا من طریق محمد ابن شھاب الزھري وأيمة الرجال یتھمونه بالتدلیس والإدراج زد إلی ذلک ماوصفه الإمام اللیث بن سعد في رسالته إلی الإمام مالک. فإذا أخذنا بالاعتبار ما وصفه فلا تقبل إذن أیة روایة له في مثل ھذه الأمور المھمة جداً. فیقول اللیث:
’’وکان یکون من ابن شھاب اختلاف کثیر إذا لقیناه، وإذا کاتبه بعضنا فربما کتب في الشیئ الواحد علی فضل رأیه وعلمه بثلاثة أنواع ینقض بعضه بعضا ولایشعر بالذي مضی من رأیه في ذلک الأمر. فھو الذي یدعوني إلی ترک ما أنکرت ترکي إیاه.‘‘ (تاریخ یحیی بن معین الدوري ٤ /۱٠۹)
فھذه ھي حقیقة تلک الروایات والآثار، فصارا قطعاً أن القرآن له قراءة واحدة فقط، وأما القراءات الأخری التي تتواجد في کتب التفسیر أو تدرس في المدارس أو اختارھا بعض الناس في بعض المناطق فھي کلھا باقیة من الفتن التي لم تخل من أثراتھا شعبة من علومنا وبالأسف ولم تصن.
ویمکن أن تكون قد بدأت بسبب إصرار بعض الناس علی قرأة ما قبل العرضة الأخیرة وبسبب سھو ونسیان رواتھا فیھا ولکن بعد ذلک راجت سوقھا تحت بواعث الوضع والاختلاف في الحدیث لدرجة أن وجدت عشرات القراءات إلی اختتام دور بني أمیة.
فیحکی أن أبا عبید قاسم بن سلام المتوفی في ۲۲٤ ھجریة قد التقط منھا خمسا وعشرین قراءة في کتابه. والقراءات السبع المشھورة المتداولة الیوم قد انتقاھا أبوبکر بن مجاھد في زمن من أواخر القرن الثالث الھجري. فھذا مما یسلم به عموماً أن القراءات لایعین لھا عدد بل کل قراءة رویت بسند صحیح وتوافق موافقة محتملة بالمصاحف العثمانیة وتنسجم مع اللغة العربیة ولو بصورة ما تُعد قرآناً. وبعض منھا یقول لھا الناس متواترة علی أن النظر العابر في أسانیدھا المتواجدة في الکتب یحتم بغیر شبھة أنھا أخبارا آحادا فقط. وأکثر رواتھا مجروحون متھمون عند أيمة الرجال. فلایقبلھا صاحب نظر من حیث الحدیث فضلاً عن کونھا قرآناً متواتراً.
دلالة الألفاظ:
والإجابة علی السؤال الثاني أن ھذا التقریر عن دلالة الألفاظ کله محل للنظر، فإن المفاھیم التي تدل علیھا الألفاظ والأسالیب لکل لغة حیة من لغات العالم تکون متواترة ومبنیة علی القطع بکل وجه تام. واللغة والنحو وکذلک العلوم الأخری کل ذلک یبین ذلک التواتر. فلایحبث فیھا عن صدق الناقلین وکذبھم وعن عددھم کذلک أساسا. والألفاظ والأسالیب التي تعد شاذاً وغریباً لاتکون شاذا من حیث مفاھیھما بل تکون کذلک بناءً علی قلة أو کثرة استعمالھا وعلم واطلاع رواتھا ودارسیھا. فرحلة الکلمة ومعناھا لا تنفصل أبداً. طالما یتم استخدامه يتم استخدامه مع معناه. وربما نکون قد أخطأنا في معنی الکلمة وتعیین مفھومھا ولکن لایتصور أن کلمة ظلت مستخدمة بدون قطعیة مفھومھا أو کانت کذلک في عصر من العصور. کما أن الشعور بمواقع استعمال المجاز والکنایة والإجمال والتخصيص وغیرھا أیضا متواتر. وھو رأس المال الإنسان المشترک بین جل لغات العالم. ’’الأسد ملک الغابة‘‘ "أي أسد قادم حتی یرتجف میدان القتال؟" ھاتان جملتان ربما یخطأ شخص في فھم معناھما وفي تمییز الحقیقة من المجاز فیھما. ولکن الشعور الجماعي للإنسان لایتردد في ذلک وفي ضوء ھذا الشعور الجماعي نطلع الفرد علی خطأئه. فھذه حقیقة عن اللغة، وبناءً علیھا نکتب ما نکتب ونتکلم مانتکلم لأننا نوقن بأن الآخرین سیفھمون بما نرید إفھامه إیاھم. والوثائق التي تکتب کل یوم في العالم والأقضیة التي تصدر والأحکام التي تجري والاطلاعات التي توصل والعلوم التي یتم إبلاغھا إن جاءنا خيال في کلمة ولو للمحة أن دلالة الألفاظ فیھا لیست قاطعة في مفھومها فکل شیئ من ذلك یکون لامعنی له. فھذه النظریة سو فسطائیة محضة لایسعھا دنیا العلم أبدا.[9]
وقال الشاه إسماعیل الشھید في کتابه ’’عبقات‘‘ معلقا علی ذلک مانصه:
لایخفی علی من له أدنی ممارسة بأسالیب الکلام أن ھذا القول ناشئ عن جھل متراکم إذ وضع الألفاظ لمعانیھا من المتواترات، فلا مدخل لعصمة الناقلین فیه. (عبقة خامسة)
ویقول ابن القیم:
’’من ادعی أنه للطریق لنا إلی اليقین بمراد المتکلم، لأن العلم بمراده موقوف علی العلم بانتفاء عشرة أشیاء فھو ملبوس علیه ملبس علی الناس، فإن ھذا الوضع لم یحصل لأحد العلم بکلام المتکلم قط، وبطلت فائدة التخاطب وانتفت خاصیة الإنسان، وصار الناس کالبھائم، بل أسوأ حالاً، ولما علم غرض ھذا المصنف من تصنیفه، وھذا باطل بضرورة الحس والعقل، وبطلانه من أکثر من ثلاثین وجھا مذکورة في غیر ھذا الموضع.‘‘ (اعلام الموقعین ۳ /۱٠۹)
المحكم والمتشابه
والجواب على السؤال الثالث أنه لا يصح القول بأنه لا يمكن لنا التمييز بين المحكم والمتشابه بثقة كاملة، أو أننا قاصرون عن فهم معنى المتشابه. فجل آيات القرآن التي يدور عليها هديه وإرشاده محكمة. أما المتشابهات فإنما فهي آيات تذكر نعمة من نعم الآخرة أو نقمة لها في أسلوب التمثيل والتشبيه، أو آيات تصور صفات الله سبحانه وأفعاله أو تتحدث عن عالم من عوالم الله تعالى في أسلوب تمثيلي ماورائي لنا، لا يحيط به علمنا أو مشاهدتنا، مثلًا مثلًا نفخ الله تعالى في آدم من روحه أو خلقه المسيح ابن مريم من دون أب، أو مقامات وأحوال للجنة والنار. فكل الأشياء التي لم توجد لها الألفاظ حتى الآن، لا يمكن وصفها إلا بأسلوب التمثيل والتشبيه. فإنه يتم وصف حقائق العالم الغير المرئي بنفس الطريقة في آداب جميع لغات العالم.
فمثلًا إذا كان هناك شخص منا قبل قرنين منذ اليوم، ويصف المصابيح الكهربائية استباقًا للمستقبل فكان من المحتمل أن يصف ذلك بطربقة المصابيح المشتعلة في العالم حيث لا يتم سكب الزيت ولا تحتاج إلى إشعال النار. فالآيات المتشابهة أيضًا أيضًا من هذا النوع. إنها ليست غير معينة ولا إبهام في مفهومها، فألفاظها عربية نفهم معناها من دون تردد، نعم ربما لا نفهم كنهها وحقيقتها في هذا العالم. ولكن معرفتها أو عدم معرفتها لا تمت بصلة إلى فهم القرآن ولذا لا ينبغي لا ي شخص مؤمن أن يتعرض له. يقول الأستاذ الإمام في إيضاح ذلك:
"إن هذه الأشياء لها علاقة بالحقيقة التي هي بنفسها واضحة مبرهنة ويعقل العقل جزءًا لها ما يجب عليه إدراكه. ولكن بما أنه يتعلق بعام غير مشهود ولذا يقدمه القرآن في أسلوب تمثيلي وتشبيهي حتى يستفيد منه طالبو العلم بقدر استعدادهم، ويسلموا كنهه وحقيقته إلى الله تعالى. وهذه الأشياء تتعلق بصفات الله وأفعاله أو بنعم الآخرة وآلامها. فندركها إلى مدى الضرورة. ونزيد علمًا وإيمانًا بذلك. ولكن إذا نتعدى حدودنا ونسعى أن نأخذ كنهها وحقيقتها يكون ذلك لنا فتنة، وينتج منه أن الإنسان في محاولة إخراج شوكة للشك من ذهنه تخترقه أشواك لا حصر لها ولا عد كنتيجة لذلك. حتى أنه يفقد ثروته الحاصلة في طلب الثروة المنشودة، ويقدم على تكذيب حقائق واضحة لأنه لم تبرز له صورتها وأشكالها بعد.‘‘ (تدبر القرآن 2 /25-26)
والآية القرآنية التي أخطأوا فهمها وقالوا إنه لا يمكن فهم المتشابهات لم يقل الله فيها إنه لا يعرف معنى المتشابهات أحد سواه، بل قال إنه لا يعرف حقيقته إلا الله. (وما يعلم تأويله إلا الله) فجاءت لفظة التأويل فيها كما جاء التأويل في الآية من سورة يوسف قال: يٰ٘اَبَتِ هٰذَا تَاْوِيْلُ رُءْيَايَ مِنْ قَبْلُﵟ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّيْ حَقًّا.(12: 100) فرؤيا يوسف جاءت في ألفاظها وعبارة مفهومة لكل الناس، وكل طالب العربية العام يستطيع أن يفهم نلك الآية التي جاءت فيها تلك الرؤيا بدون مشقة.(12: 4) ولكن ماذا كانت مصداقية الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا رأها يوسف تسجد له؟ ما كان لشخص أن يقف عليها وقوفًا قطعيًّا مالم تبدُ له في صورتها الأصلية. فقرر القرآن أشياء من هذا القبيل متشابهة. وليس المتشابه في معنى المشتبه والمبهم كما يفهمها الناس عمومًا حتى تتجرح منه مكانة القرآن كميزان وفرقان بين الحق والباطل جرحًا ما. والآية هي:
هُوَ الَّذِيْ٘ اَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰبَ مِنْهُ اٰيٰتٌ مُّحْكَمٰتٌ هُنَّ اُمُّ الْكِتٰبِ وَاُخَرُ مُتَشٰبِهٰتٌ[10]، فَاَمَّا الَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُوْنَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَاْوِيْلِهٖ، وَمَا يَعْلَمُ تَاْوِيْلَهٗ٘ اِلَّا اللّٰهُ، وَالرّٰسِخُوْنَ فِي الْعِلْمِ يَقُوْلُوْنَ: اٰمَنَّا بِهٖ، كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَمَا يَذَّكَّرُ اِلَّا٘ اُولُوا الْاَلْبَابِ.(آل عمران ۳: ۷)
الحديث والقرآن
والإجابة على السؤال الرابع أن مقولة نسخ القرآن بالحديث النبوي وتحديده وتخصيصه إنما نشأت عن خطأ الفهم وقلة التدبر. إنه لم يقع نسخ أو تحديد وتخصيص في القرآن الكريم بطريق تشتبه منه حيثية القرآن كميزان وفرقان أيما اشتباه. فإذا لم يفهموا بعض الأساليب القرآنية أخطؤوا في بعض المحامل له، ولم يتضح لهم المحمل الصحيح لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا وأحاديثه. فمعظم الأمثلة التي تُقدم عمومًا بهذا الصدد يتعلق من هذا النوع وحالها هذا. ومع أنها هناك بعض الإشكاليات في بعض أسانيدها ولكن لأنها تعرض مثالًا لها ولذا بغض النظر عن أسانيدها نأتي على كل واحد منها ونقدم رأينا فيها هنا بوضوح تام.
1 – من الحيوانات التي تتواجد في العالم ما هو يؤكل ومنها ما لا يؤكل. فإذا كان أكل هذا النوع الآخر يؤثر على تزكية الإنسان فلذا إن طبيعة الإنسان تأبى منه. وفي عامة الأحوال فإن فطرة الإنسان ترشده ترشيدًا صحيحًا وتفصل وتقضي في ما يأكل وما لا يأكل من غير تردد.
إنه يعلم أن الأسد، والنمور، الفيل، النسر والغراب، والصقر والأفعى والعقرب والإنسان نفسه كل ذلك مما لا يؤكل. كما أنه يعرف معرفة جيدة أن الفرس والحمير للركوب لا للأكل ويعرف جيدًا نجاسة أبوالها وأبرازها كذلك. نعم ربما أخطأت فطرته وتمسخ أيضًا أحيانًا ولكن إن دراسة طبائع الإنسان تقول إن الجم الغفير من الناس لا يخطئ في هذا المضمار في عامة الأحوال.
ولذا فإن شريعة الله سبحانه لم تجعل مسألة حلة الحيوان وحرامها موضوعها، بل تركت الإنسان في ذلك مع فطرته واقتنعت بإرشادها فقط أن كافة الطيبات حلال كمبدأ وكافة الخبائث حرام.
وانطلاقًا منه فإن الشريعة الإسلامية تتحدث في هذا الباب عن البهائم والحيوانات وما يتعلق بها، التي كان يتصعب على العقل بوحده أن يحكم بحلتها أو بحرمتها وبالتالي بكونها طيبًا خلالًا أو بكونها خبيثًا محرمًا. فمثلًا الخنزير الذي هو نوع من البهائم من الأنعام، ولكنها تأكل اللحم أيضًا في جانب آخر، فكيف يمكن الفصل في كونه مما يؤكل أو مما لا يؤكل؟ أو ماذا يكون حكم الأنعام التي نأكلها بعد الذبح، إذا ماتت بدون ذبح؟ وهل يُعد دم البهائم كهذه نجسًا مثل أبوالها وأبرازها أو تكون حلالًا طيبًا؟ وهل تبقى حلالًا إذا ذبحت باسم غير الله؟ وبما أن الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة كانت صعبة عسيرة، ولذا من الممكن أن يخطئ الإنسان في هذه المسألة. كما يفهم ذلك من تعبير القرآن "على طاعم يطعمه" (الآية: 145 من سورة الأنعام) ولذا فقد أرشد الله سبحانه بطريق أنبيائه أن الخنزير والدم والميتة ولحم ما ذبح لغير الله ليس طاهرًا حلالًا للإنسان، فليجتنب من كل ذلك، لأن الخنزير كما جاء من قبل يأكل اللحم أيضًا مثل الوحوش الضواري، وليجتنب من الدم لأنه مما يبعث على الشراسة والوحشة، وليجتنب من الميتة لأن الدم يتجمد في الوريد والأمعاء بسبب الموت الطبيعي، ومن الذبيحة لغير الله كذلك، لأنه شرك صريح، يرتكبه الماردون فالحيوان كهذا وإن كان طاهرًا تنجسه نجاسة العلم والعقيدة هذه.
فالشريعة في باب الحلة والحرمة قد تكلمت أصلًا في هذه الأربعة المذكورة ولذلك حصر القرآن بيانه في بعض المواضع بقوله: " قُلْ لَّا٘ اَجِدُ فِيْ مَا٘ اُوْحِيَ اِلَيَّ " وفي بعض المواضع بقوله: اِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ" هذه الأربعة أي حرم مما سوف يأكلها الناس بظنهم أنها طيبات. فجاءت في البقرة: يٰ٘اَيُّهَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا، كُلُوْا مِنْ طَيِّبٰتِ مَا رَزَقْنٰكُمْ وَاشْكُرُوْا لِلّٰهِ، اِنْ كُنْتُمْ اِيَّاهُ تَعْبُدُوْنَ. اِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيْرِ وَمَا٘ اُهِلَّ بِهٖ لِغَيْرِ اللّٰهِ.(۲: ۱۷۲۔ ۱۷۳)) وجاء في الأنعام: قُلْ لَّا٘ اَجِدُ فِيْ مَا٘ اُوْحِيَ اِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلٰي طَاعِمٍ يَّطْعَمُهٗ٘ اِلَّا٘ اَنْ يَّكُوْنَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَّسْفُوْحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزِيْرٍ فَاِنَّهٗ رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهٖ (145) وجاءت في الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم أيضًا لحوم كل ذي ناب مخلب من الطيور والوحوش.(مسلم رقم 3433 و4994) وواضح مما سقناه في ما مر أنه بيان للفطرة التي أودع علمها في الإنسان. وأخطأ الناس إذ جعلوه بيانًا للشريعة (بيانا للفطرة) على أنها لا تمت بصلة بحرمات الشريعة التي جاءت في القرآن، حتى نقول على أساسها أن الحديث نسخ القرآن أو يخصصه في مدلوله.
2 – إن اللغة التي نزل بها القرآن أسلوبها العام أن المفهوم الذي يترشح تلقائيًّا بدلالة الألفاظ والقرائن والمقتضيات العملية للمحكم لا تبينه الألفاظ، ومن أمثلته العامة حذف بعض أجزاء الجملة في أسلوب التقابل والمعطوف عليه للجملة المعللة وفي الجمل التي تأتي كالقسم عليه وكجواب الشرط. وترى ذلك مثلًا في آية الميراث من سورة النساء.(11) حذف "اثنين" قبل "فوق اثنين" ولأبيه الثلثان بعد "فلأمه الثلث" وحذف "لأبيه" بعد "فلأمه السدس" أوما شابهما من الألفاظ. وأيضا حذف المعطوف عليه في "وَاَنْ تَقُوْمُوْا لِلْيَتٰمٰي بِالْقِسْطِ" في الآية 127 من سورة النساء على هذا الأسلوب. وكذلك جاءت آية في سورة الأنعام (6):
وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْاَرْضِ وَلَا طٰٓئِرٍ يَّطِيْرُ بِجَنَاحَيْهِ اِلَّا٘ اُمَمٌ اَمْثَالُكُمْ. (38)
فانظر فيهما قد حذف بعض الألفاظ المقابلة فمثلًا ذكرت في الجملة الأولى "في الأرض" وحذفت مقابلها "في السماء". وجاءت في الجملة الثانية "يطير بجناحيه" فحذفت ألفاظ "تدب على رجلها أو أرجلها" نعم ليس هذا أسلوبًا مستخدمًا في لغتنا نحن. الأردية. ولكن العربية المعلاة للقرآن مفعمة بأمثلة ذلك في كل مكان. فمثلًا نشهد هذا الأسلوب في سورة النساء حيث ذكرت النساء اللاتي حرم النكاح منها في مقامين أولًا قال تعالى:
وَاُمَّهٰتُكُمُ الّٰتِيْ٘ اَرْضَعْنَكُمْ وَاَخَوٰتُكُمْ مِّنَ الرَّضَاعَةِ. (۲۳)
وقال جل وعلا:
وَاَنْ تَجْمَعُوْا بَيْنَ الْاُخْتَيْنِ اِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ.(۲۳)
ففي الحكم الأول حرمت الأخت من الرضاعة مع الأم المرضع. فإن كان الكلام قد ختم على ذكر الأم فقط. ففيه لا مجال بالتأكيدلأية زيادة ولكن إذا كانت العلاقة الرضاعية تجعل من شربت معه الحليب أختًا له فواضح صريحًا أنها تعطي هذه الحرمة والقداسة للعلاقات الأخرى للأم الرضاعية أيضًا بالتأكيد. فإذا كانت الشراكة في الحليب تصنع امرأة أختًا، فلماذا لا تجعل الأم الرضاعية خالة، وزوجها أبًا، وأخت الزوجة عمة، وحفيدته للأب ابنة الأخ وحفيدته للأم ابنة الأم؟ فهذا قطعي أن هذه العلاقات كلها محرمة. قد قصدها القرآن وألفاظه "وأخواتكم من الرضاعة" تدل على ذلك دلالة لا تخفى على من يتدبر في القرآن.
وكذلك الأمر الثاني فإذا كان الجمع بين الأختين في العلاقات الزوجية تصنع ذلك أمرًا فاحشًا فكذلك الجمع بين العمة وابنة الأخ والجمع بين المرأة وخالتها أيضًا أمر كأنه الجمع بين المرأة وابنتها، فكان مراد القرآن بلا شك أن يقول لا تجمعوا بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها. إنه يريد أداء هذا الغرض لكنه لم يأت بهذه الألفاظ بعد الجمع بين الأختين،لأن دلالة المذكور على هذا المفهوم بالاقتضاء العقلي واضح جلي لدرجة أن شخصًا واقفًا على أساليب القرآن لن يخطئ في فهم ذلك. وقال النبي صلى الله عليه وسلم "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة" (الموطأ رقم: 1887) وقال: "لا يُجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها."(الموطأ رقم: 160)
فإرشادات النبي صلى الله عليه وسلم هذه بيان ملفوظ لمدلول القرآن الملحوظ ولم يتعد حدود الشرح والبيان أيما تعدي.
3 – وآيات 11-12 من سورة النساء تبين حكم تقسيم الوراثة، حيث بين الله تعالى أسهم وحصص الوارثين المختلفين مع بيان لطيف للأساس الذي يقوم عليه حق الوراثة، هو القرابة النافعة. فقال تعالى:
اٰبَآؤُكُمْ وَاَبْنَآؤُكُمْ، لَا تَدْرُوْنَ اَيُّهُمْ اَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا، فَرِيْضَةً مِّنَ اللّٰهِ، اِنَّ اللّٰهَ كَانَ عَلِيْمًا حَكِيْمًا. )11)
فهذه المنفعة متواجدة بالطبع في القرابات للوالدين، والأولاد، والأخ والأخت، والزوج والزوجة، والأقرباء الآخرين. ولكن إذا صار أحد منها مؤذيًا في صالح المورث فعلة الحكم هذه تتقاضى أن يُحرم من الوراثة. وهذا الاستثناء، إذا تدبرت علمت، أنه لم يدخل الآية من خارجها، إنه متضمن فيها من البداية فإذا بينه عالم للقرآن لا يُحكم عليه أنه تغير وتبدل في حكم القرآن. بل إنَّه فقط وضع لفظًا لما أضمره القرآن. فمثلًا في ضوء هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في مشركي جزيرة العرب واليهود والنصارى فيها أن : لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم (رواه البخاري رقم: 6764) أي إذا كان هؤلاء المنكرون من المشركين وأهل الكتاب ظهروا أعداءً لله وللمسلمين يلزم منه أن تنتهي القرابة النافعة بين هؤلاء والمسلمين للأبد ولذا لا يتوارثون الآن.
4 – وقد بيَّن الله سبحانه في الآيتين 33 -34 من سورة المائدة عقوبة مجرمي الفساد في الأرض أنهم يقتلون شر قتلة، أو يصلبون أو يُنفون، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم هذه العقوبة على الفاحشات في زمانه فقال: خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم[11] (رواه مسلم رقم 4414).
وكان مراده أن هؤلاء النسوة بما أنهن لسن زانيات فقط، بل ارتكبن مع ذلك الدعارة والخلاعة والفساد في الأرض فتجلد منهن من كانت يمكن إعطاؤها أية رخصة بسبب ملابساتها، مئة جلدة، بحكم الآية الثانية من سورة النور ولغرض حماية المجتمع من شرهن وفسادهن، ويُنفين جزاء لخلاعتهن بحكم الآية 33 من المائدة، وكذلك من كانت منهن لا يمكن إعطاؤها أية رخصة، إنها تُرجم تحت حكم أن يقتلوا" وعليه فإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم هذا أيضًا لا يحول ولا يغير في مقصد القرآن أي تغيير.
والميتة مما حرمه الله تعالى وكل شخص مطلع على أساليب العربية يعرف جيدًا أن الميتة لها مفهوم لغوي، وهي تستعمل برعاية العرف والعادة. ففي الصورة الأولى يطلق على كل شيء ورد عليه الموت، وفي الصورة الثانية لا يستعمله شخص واقف على العربية للسمك الميت والجراد الميتة مثلًا. فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم:
أحلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والحيتان والكبد والطحال.
(رواه البيهقي رقم: 1128)
وهذه الرواية موقوفة بهذا الإسناد عند المحدثين. وكذلك الرواية الآتية عن السرقة هي أيضًا مر سلة. ولكن هناك رواية لهذا المعنى وصلت إلى درجة الحسن ورواها النسائي أيضًا رقم 496)
ويقول الزمخشري: فإن قلت: في الميتات ما يحل وهو السمك والجراد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحلت لنا ميتتان ودمان قلت: قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة ألا ترى أن القائل إذا قال: أكل فلان ميتة لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد كما لو قال: أكل دما لم يسبق إلى الكبد والطحال. ولاعتبار العادة والتعارف قالوا: من حلف لا يأكل لحمًا فأكل سمكًا لم يحنث وإن أكل لحمًا في الحقيقة. (الكشاف1 /240)
6- وجاءت عقوبة السرقة في سورة المائدة كما يأتي: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، جزاء بما كسبا، نكالًا من عند الله والله عزيز حكيم.( 38)
فوضح من ذلك أن هذه العقوبة لكل رجل سرق ولكل امرأة سرقت، واستخدم القرآن لذلك لفظان. السارق والسارقة. وهما صيغتان للصفة وذلك يدل على الاهتمام في وقوع الفعل، وعليه فلا يطلق على سرقة يسيرة بل يطلق على ما يتعارفه الناس من إطلاق السرقة عليه وعلى مرتكبه السارق. مثلًا طفل سرق روبيات عديدة من جيب أبيه أو امرأة أخذت روبيات من زوجها، أو سرق شخص شيئًا تافهًا أو قطف ثمرات من حديقة أحد أو أخذ خضروات من حقل شخص، أو أخذ مالًا ملقى في مكان من غير إهتمام للاحتفاظ به. أو إن أخذ بقرة شاردة ترعى، أو اضطر أحد إلى ارتكاب هذا الفعل الشنيع. فهذا كله بلا شك يُعد من الأفعال المخلة بالآداب العامة ويجب تأديبهم وتخذيرهم، ولكن ليس كل هذا سرقة جاء بيانها في الآية المذكورة.
والرواية التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صدد ذلك هي بيان لمضمون القرآن في هذا الباب لم ينحرف ولم يتعد من حدوده فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل، فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن ( الموطأ، رقم 2594)
(يُتبع)
