التحقيق أو التطبيق
إن البحث والتحقيق يعني اكتشاف الحقيقة، أما طريقة التطبيق فهي عكسه. وفي السياق الذي نناقشه التطبيق يعني: إنشاء اتصال بين شيئين غير مرتبطين على أسس افتراضية. إن غرض التطبيق ليس هو اكتشاف الحقيقة، ولكن في كثير من الأحيان إن غرضه هو ببساطة إيجاد تطابق بين الحق والأشياء التي تمارس باسم الحق، والذي لا يبرهن الحق. ولكن في الممارسة العملية يقع أن يمارس ويروج شيء غير عادل باسم الحق، وهذا أمرغير مرغوب فيه بالتأكيد ، وأن يبدأ الناس بإعطاء مكانة الاصل لشيء لا أساس له، وأن يبدأ شيء خالٍ من أساسه في الظهور وكأنه مبني على أساس. إن الوحدة تأتي من خلال البحث، وطريقة التطبيق تثبت في الواقع أنها مصدر انقسام لا نهاية له من خلال تمزيق الوحدة. إن هذا الانقسام لا ينشأ بين الأمة كلها والبشرية جمعاء فحسب، بل إنه يستمر داخل البيت، والأسرة، وجميع أفرادها ـ انقسام بين الوالدين، والزوجين، والإخوة، وحتى بين الوالدين والأبناء. على سبيل المثال، في كل عام، يتم تجربة ذلك مرارا وتكرارا أنه في نفس المنزل، إذا كانت الأم تقوم ليلة الخامس عشر من شعبان، فإن الابن يعارض هذه الممارسة. وفي الحي الواحد، يثبت شخص فعلًا معينًا سنة، ويسميه شخص آخر بدعة. أحدهم يعتقدها ثابتة صحيحة والآخر يعتقدها باطل لا أساس لها من الصحة. والتطبيق قسمان: أحدهما تطبيق يتم من خلاله توضيح النقطة الحقيقية من خلال إزالة أي ارتباك فكري محتمل بين حقيقتين(confusion) أو من خلال شرح سؤال أكاديمي. هذا شيء طبيعي. سيتم توضيح هذه المسألة من خلال مثالين. التطبيق بمعنى الشرح المزيد لشيئ نقدم لذلك مثالين من الحديث: قال النُّفَیلي عن عائشة، قالتْ: کَانَ النّبِیُّ صَلّی اللّہ عَلَیہ وسلّمَ یَمُرُّ بِالمَرِیضِ وَهوَ مُعْتَکِفٌ، فَیَمُرُّ کَمَا هُوَ، وَلَا یُعَرِّجُ یَسْأَلُ عنہ۔ وَقَالَ ابْنُ عِیسَی قَالَتْ: إِنْ کَانَ النَّبِیّ صلّی اللّہُ عَلیہِ وَسَلّمَ یَعُودُ الْمَرِیضَ وَهوَ مُعْتَکِفٌ.‘ (أبو داود: 2472، ابن ماجه: 1776\) وجاء في رواية أخرى منها أيضاً: ’عن عائشة، أنہا قالت: السنة علی المعتکف أن لا یعود مریضاً، ولا یشہد جنازة، ولا یمسّ امرأة، ولا یباشرہا، ولا یخرج لحاجة إلا لما لا بدّ منہ. ولا اعتکافَ إلا بصوم، ولا اعتکافَ إلا في مسجدٍ جامعٍ .قال أبوداود: غیر عبد الرحمن بن إسحاق، لا یقول فیہ: قالت: ’السنة‘، قال أبوداود: جعلہ قول عائشة(سنن أبو داود: ٢٤٧٣) ففي الرواية المذكورة أراد بعبارة: (ولا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة جماعة) مكانا تقام فيه الصلاة جماعةً، كما جاء في رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها نفسها: (لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة). (الدارقطني: 2363). "ويتضح ذلك أيضاً من عدة روايات عن ابن عباس: "لا اعتكاف إلا في مسجد يصلى فيه". (مسائل أحمد بن حنبل: 2 /673. ولا اعتكاف إلا في مسجد يصلى فيه. البيهقي: 8572). إن الالتباس الذي وقع هنا بين الرواية الأولى والثانية يزول بالتأمل في الروايتين، أي أن المطلوب (السنة) الحقيقي هو أن يكون المعتكف مستغرقاً تماماً في الذكر والعبادة والاتصال بالله. ومع ذلك، في بعض الظروف الضرورية والاستثنائية، فإنه يستطيع أن يخرج من المسجد ويؤدي واجباته بهدوء \- وهذا التفسير للحديثين المذكورين كان مثالاً للتطبيق المعنوي. اكتشاف الحقيقة الواقعية بين شيئين مختلفين إلاأنه حيث توجد مشكلة اكتشاف الحقيقة الواقعية بين شيئين مختلفين، فإن اعتماد أسلوب التطبيق لن يكون إلا على حساب التضحية بالحق والصدق. إن التضحية بالحق ليست أمراً بسيطاً، فالحق هي ممثل الله تعالى في هذا العالم. وفي مثل هذه الحالة فإن تجاهل الحقيقة سيكون بمثابة تجاهل الله الحق نفسه. ومثال ذلك هو الاختلاف في ليلة القدر (رمضان) وليلة البراءة (الخامس عشرمن شعبان) هل كلمة ليلة مباركة تعني ليلة البراءة أم ليلة القدر؟ وجاء في سورة الدخان: اِنَّا٘ اَنْزَلْنٰهُ فِيْ لَيْلَةٍ مُّبٰرَكَةٍ اِنَّا كُنَّا مُنْذِرِيْنَ فِيْهَا يُفْرَقُ كُلُّ اَمْرٍ حَكِيْمٍ. (الدخان 44: 3-4) ففي هذه الآية هناك خلاف في هل المراد بليلة مباركة ليلة القدر من شهر رمضان أم ليلة الخامس عشر من شعبان؟. والرأي الغالب هو أن المراد بها ليلة القدر التي في شهر رمضان، ورأى آخرون أنها ليلة النصف من شعبان (ليلة البراءة). فمثلاً، عند أبي الحسن الماوردي (ت 450 هـ) هناك رأيان في هذه الآية: الأول: أنها ليلة النصف من شعبان؛ والرأي الآخر أن المقصود هو ليلة القدر في رمضان. (الماوردي في النكت والعيون : 5 /244) بعض أقوال العلماء والمفسرين في كلا الرأيين يقول الإمام الرازي (المتوفى: 604هـ) في تفسيره مفاتيح الغيب المسمى ب “التفسير الكبير: (إِنَّ اللہ یُقَدِّرُ الْمَقَادِیْرَ في لَیْلة البَرَاءِة، فَإِذَا کَانَ لَیْلةُ الْقَدْرِ یُسَلِّمُہَا إِلَی أرْبَابِہَا:۳۲ /۳۵) ويقول المفسر القرطبي (ت: 671هـ) نقلا عن قول لأحد العلماء في تفسيره الجامع لأحكام القرآن” :(یَبْدَأ في اسْتِنْسَاخِ ذَلِکَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوْظِ في لَیْلةِ الْبَرَاءة وَیَقَعُ الْفَرَاغُ فِی لَیْلة الْقَدْرِ: (16/128) ويقول الملا علي قاري (المتوفى: ١٠١٤هـ) في تعليقه على المشكوة مرقاة المفاتيح: (وَلَا نِزَاعَ فِي أنَّ لَیْلَۃَ نِصْفِ شَعْبَانَ یَقَعُ فِیہَا فَرْقٌ، کَمَا صَرَّحَ بِہِ الْحَدِیثُ، وَإنّمَا النِّزَاعُ فِي أنّہَا الْمُرَادة مِنَ الْآیة....وَحِینَئِذٍ یُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِیثِ وَالْآیة وُقُوعُ ذَلِکَ الْفَرْقِ فِي کُلٍّ مِنَ اللَّیْلَتَیْنِ إعْلَامًا بِمَزِیدِ شَرَفِہِمَا.وَیُحْتَمَلُ أنْ یَقَعَ الْفَرْقُ فِي لَیْلةِ النِّصْفِ مَا یُصَدَّرُ إلی لَیْلة الْقَدْرِ، وَیُحْتَمَلُ أنْ یَکُوْنَ الْفَرْقُ فِي إحْدَاہُمَا إجْمَالًا، وَفي الأخْرَی تَفْصِیلًا، أوْ تَخُصُّ إحْدَاہُمَا بِاالأمُورِ الدُّنْیَوِیّة، وَالأخْرَی بِاالأمُورِ الأخْرَوِیّةِ، وَغَیْرُ ذَلِکَ مِنَ الْاِحْتِمَالَاتِ الْعَقْلِیّة‘./347).3) وقد مال العلامة عبد الرحمن المبارك فوري (ت: 1353 هـ) إلى نفس الرأي في شرحه على سنن الترمذي (تحفة الأحوذي: 3 /367). مع هذه الاحتمالات نفسها. التطبيق بين الرأيين وأخيراً، يروي الإمام البغوي (ت: 516 هـ) في تفسيره «معالم التنزيل» حديثاً عن عبد الله بن عباس، مطبقاً هذه الأقوال جميعاً. وجاء فيه: (إنّ اللہَ یَقْضِي الأقضِیةَ في لَیْلة النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَیُسَلِّمُہَا إلی أرْبَابِہَا في لَیْلةِ الْقَدْرِ:۴ ۱۴۹)۔ كمايقول المفسر القرطبي إن طريق الجمع بين هذه الآراء المتضاربة وهو: وَلَکَ أنْ تَسْلُکَ طَرِیْقةَ الْجَمْعِ بِمَا رَوَاہُ أبو الضّحیٰ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضي اللہ عنہما، أنّ اللہَ یَقْضِيْ الأقْضِیة في لَیْلةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَیُسَلِّمُہَا إلی أربابِہَا في لَیْلة الْقَدْرِ‘. أخرجه الثعلبي في الکشف والبیان في تفسیر القرآن:10/248 والبغوي في معالم التنزیل: 4/149، والقرطبي في الجامع لأحکام القرآن: ۲۰ /۱۳۰) وقد قال نفس المقولة العالم المراکشي الشهير القاضي عبد اللہ الغماري (ت:۱۹۹۳ء) وهو يتحدث عن الرواية التطبيقية المذكورة أعلاه عن ابن عباس رضی اللہ عنہما، وذلك في كتابه: حسن البیان في لیلة النصف من شعبان. ’’... إن اللہ یقضی الأقضية في لیلة النصف من شعبان ویسلمھا إلی أربابہا في لیلة القدر، وحاصل ھذا أن اللہ یقضی مایشاء فی اللوح المحفوظ لیلة النصف من شعبان، فإذا کان لیلة القدرسلم إلی الملائكة صحائف بماقضاہ فیسلم إلی ملک الموت صحیفة الموتی وإلی ملک الرزق صحیفة الأرزاق. وھکذا کل ملک یتسلم مانیط بہ، وفي قولہ تعالی’فیھا یفرق امرحکیم‘ أشارإلی ھذا. واللہ أعلم حیث قال یفرق ولم یقل یقضی أو یکتب. و الفرق:التمییز بین الشیئین، فالآية تشیر إلی أن المقضیات تفرق لیلة القدر بتوزیعھا علی الملائكة الموکلین بھا، أما کتابتھا و تقدیرھا فھو حاصل في لیلة نصف شعبان کما في الأحادیث المذکورۃ. و بھذا یجمع شمل الأقوال المتضاربة في ھذاالباب و یرأب صدعھا، والحمدللہ رب العلمین.‘‘(ص۲۳۰) كمايقول المولانا أشرف علي التھانوي (ت:1943م) متحدثا عن رواية ابن عباس رضی اللہ عنہما نفسها: (أنَ اللہَ یَقْضِی الأَقْضِية في لَیْلةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَیُسَلِّمُہَا إلیٰ أرْبَابِہَا في لَیْلة الْقَدْر) ’’هل تتم الأحكام في الليلتين ليلة الجاهلية وليلة القدر؟ السؤال هو أنه ثبت بالأحاديث أن الأمور تقضى في ليلة الجاهلية، فما هي الأمور التي تبقى أن تقضى في ليلة القدر؟ حيث إنه ورد في الأحاديث أن حوادث السنة تُحسم في ليلة الجاهلية، وأن ليلة القدر تقع في رمضان قبل نهاية العام، فهل فيها تكرار في الحكم؟ والجواب هو أن هناك حالتين هنا، لأن كل قرار عادة ما يكون له مستويان. مقترح (مسودة) وتنفيذ. فهنا أيضاً يمكن أن يكون هناك مستويان، أي أن يكون الاقتراح في ليلة الجاهلية، والتنفيذ في ليلة القدر، وليس من المستبعد أن يكون هناك مسافة بينهما (وهذا يحدث دائماً). الاقتراح يسمى الفعل بالقوة وتنفيذ الأمر يسمى القرار. ويحتمل أن يكون الاقتراح في ليلة الجاهلية وتنفيذه في ليلة القدر.‘‘ (أحكام ليلة البرائة وليلة القدر ص 18\) خلاصة البحث العقيم وفي هذه الصحراء الواسعة من التطبيقات، تم تجاهل سؤالين تمامًا وتركهما دون تحديد، مما أدى إلى ارتباك فكري وفوضى عملية، وهما الوضوح النهائي حول ما إذا كانت ليلة القدر تقع في الليلة الخامسة عشرة من شهر شعبان أم لا، وتحديد "ليلة مباركة "في آية سورة الدخان. ورغم هذه التوجيهات الباردة، فإن المشكلة الحقيقية لا تزال دون حل. وهذا هو الحال تقريبا في أغلب مناقشاتنا التي نشأت بعد قرون المشهود لهابالخير. وفي الحالة التي بين أيدينا، فإن السؤال الحقيقي هو هل كلام ابن عباس هذا مجرد حديث تفسيري؟ أم أنه له صفة الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ إذا كان هذا قول ابن عباس فما الدليل على صحته؟ إذا كان هذا القول قولاً للنبي فما هو مرجعه وإسناده في الأحاديث؟ وتبين الأبحاث أنه لا يوجد أي من الشروط المذكورة أعلاه لصالح هذا البيان. وفي مثل هذه الحالة فإن أي تطبيق أو فرض لأي حكم بناء على قول غير ثابت منسوب إلى ابن عباس يكون باطلاً تماماً. ولذلك فإن الحديث التفسيري المجرد المنسوب إلى ابن عباس لا يعد دليلاً في هذه المسألة. وبالطبع إذا ثبت أصل هذا القول على أنه قول النبي فإن رؤوسنا سوف تنحني بلا شك خضوعاً لهدي النبي. ولكن إذا لم يكن الأمر كذلك، فإن مثل هذه الأمور يجب أن تدخل في خانة تلك الأقوال التفسيرية "الأصلية" التي قال عنها الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) بحق: إنه لا أصل لها في التفسير والمغازي والملاحم: ’ثلاثة کُتب لیس لہا أصول: المغازي، والملاحم، والتفسیر.‘(الجامع لأخلاق الراوي، الخطیب بغدادي: ۲ / ۱۶۲، وإسنادہ صحیح. التفسیر والمفسرون، محمد الذهبي:۱ /۴۷) نظام معادي للتحقيق وقد وصف الأستاذ أسرار عالم هذه الطريقة في التنفيذ بأنها "نظام مضاد للبحث" وكتب "...: هذا العملاق المتمثل في نظام التعليم المدرسي (أنظمة التعليم الدينية وغير الدينية) ابتلع الأمة بأكملها وحتى القرآن الكريم." بعد أن اقتبس مقطعاً من التفسيرالعثماني، قال أستاذ أسرار عالم بحق: «وكانت نتيجة هذا التطبيق أن حرم المجتمع المسلم حتى من القدرة الأساسية على البحث والوصول إلى الاستنتاج» (ص 126)... وهكذا أصبح المجتمع مثل شخص لم ينظر في المرآة لسنوات وأصبح «خائفاً من المرآة»‘(mirror-phobic ) في هذا الصدد. حتى مجرد التفكير في الوقوف أمام المرآة أو النظر إليها يجعله يرتجف. (أسرار العالم، أزمة الأمة، ص 193\) مبادئ البحث في المدرسة الفراهية: وقد اتخذ المولانا حميد الدين الفراهي (ت 1930\) مبدأ في مثل هذه الأمور في تفسيره، وهو مبدأ "التفسير الواحد". فإنه يقول: ’القرآن لا یحتمل إلا تأویلاً واحداً ‘(رسائل الامام الفراهی:۰ ۳۲) وإذا ما تم تحليل مشكلة الآية المذكورة على هذا الأساس، فإن المشكلة التي نناقشها يتم حلها أكاديميا بحتاً، ولا حاجة إلى اللجوء إلى عكازات مثل "التطبيق". انظر ترجمة الآيات ذات الصلة من سورة الدخان أدناه وتفسيرها في ظل هذا المبدأ: اِنَّا٘ اَنْزَلْنٰهُ فِيْ لَيْلَةٍ مُّبٰرَكَةٍ اِنَّا كُنَّا مُنْذِرِيْنَ فِيْهَا يُفْرَقُ كُلُّ اَمْرٍ حَكِيْمٍ. (الدخان 44: 3-4) وكذلك تقرر أن ليلة القدر هذه يجب أن تكون ليلة من ليالي رمضان، لأن القرآن الكريم (البقرة 2:185) صرح صراحة بأن هذا هو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. تحديد معنى (القدر) في الآية وهناك أيضًا خلاف كبير بين المفسرين حول معنى (القدر). ولكن بموجب القاعدة المذكورة (التفسير الواحد) فإن معنى (القدر) أيضاً محدد تماماً.وهنا "ليلة القدر" تعني ليلة رمضان (ليلة القدر) بدلا من ليلة 15 شعبان. لأن سورة القدر (97) تنص صراحة على أن نزول القرآن الكريم بدأ في هذه الليلة (ليلة القدر): (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ). ومن الناحية اللغوية فإن كلمة (القدر) قد تعني ليلة القدر وليلة القدر. ولذلك جاء في الآية الرابعة من سورة الدخان أن هذه الحقيقة تتجلى في قوله تعالى: (في هذه الليلة يفصل أمر الحكمة). وهذا يوضح تماماً أن كلمة (القدر) هنا لا تعني في الأصل العظمة أو المكانة، بل تعني ليلة القدر. ماذهب إليه القاضي أبوبكرابن العربي وقد أنكر المحدث الشهير القاضي أبو بكر ابن العربي (ت 543 هـ) بشدة أن تكون الليلة المباركة المذكورة في سورة الدخان هي ليلة النصف من شعبان: ’’وهو باطل؛ لأن اللّٰہ تعالیٰ قال في کتابہ الصادق القاطع: ’شَہْرُ رَمَضَانَ الَّذِی أنزِلَ فِیہِ القُرآنُ‘، فنَصَّ علی أنَّ میقات نزولہ رمضان، ثم عبّر عن زمانية اللیل ههنا بقولہ:’فِی لَیْلة مُبَارَکة‘.فمن زعم أنہا في غیرہ فقد أعظم الفرية علی اللہ تعالیٰ.‘‘ (أحکام القرآن ۴/۱۱۷) كماقال في رد الأحاديث والآثار الواردة في ذلك ’’ولیس في لیلة النصف من شعبان حدیث یعول علیہ لا في فضلہا، ولا في نسخ الآجال فیہا، فلا تلفتوا إلیہا... ‘‘ (أحکام القرآن ۴/۱۱۷)۔ ماذهب إليه ابن كثير وقد قال المفسر ابن کثیر (توفي سنة 774 هـ)على أنه لماذا لايعول على رأي يأخذ بأن المراد في ليلة مباركة التي جاءت في الدخان بأنه ليلة البرائة: ’’إنہ أنزلہ في لیلة مباركة، وہي لیلة القدر،کما قال تعالی: ’إنا أنزلناہ في لیلة القدر‘ وکان ذلک في شہر رمضان، کما قال تعالی: ’شہر رمضان الذي أنزل فیہ القرآن‘... ومن قال: إنہا لیلة النصف من شعبان \- کما روي عن عکرمة \- فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن أنہا في رمضان. والحدیث الذي رواہ عبد اللہ بن صالح، عن اللیث، عن عقیل عن الزہري: أخبرني عثمان بن محمد بن المغیرۃ بن الأخنس أن رسول اللہ \- صلی اللہ علیہ وسلم \- قال: ’تقطع الآجال من شعبان إلی شعبان، حتی إن الرجل لینکح ویولد لہ، وقد أخرج اسمہ في الموتی‘(تفسیر ابن جریر الطبري:۱۱ /۲۲۲) فہو حدیث مرسل، ومِثلہ لا یُعارض بہ النصوص. (7/246) الاستدلال بالمراسيل وكما نقلنا هنا فإن الإمام ابن كثير (ت 774 هـ) يعتبر الروايات الواردة في فضائل يوم الخامس عشر من شعبان، مثل تقرير جميع أمور السنة القادمة، حتى حوادث الزواج والأولاد ووفاة الميت، مجرد رواية مرسلة، ويحق له أن يقول إن النص القرآني لا يمكن معارضته من خلال مثل هذه الروايات المرسلة. "المرسل هو حديث ضعيف يذكر فيه اسم التابعي فقط دون ذكر اسم الصحابي (وهو الحديث الذي يرويه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر الصحابي في إسناده)." مثلاً، التابعي الكبير (مثل عبد الله بن عامر بن ربيعة، أو التابعي من بعده طبقة ًمثل سعيد بن مسيب أو التابعي من بعده طبقةً مثل ابن شهاب الزهري) يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة دون ذكر أحد من الصحابة.:’’قال رسول اللّٰہ صلی اللّٰہ علیہ وسلم‘‘... (التمہید:۱ /۱۹۔ الکفاية :۲۱) وفي مثل هذه الأمور القطعية الثابتة من نص القرآن نفسه لا يصح الاستدلال بالأحاديث الضعيفة المنقولة، كما قال الإمام مسلم (ت: 261هـ) في بيان حكم الأحاديث المنقولة.: ’’وَالْمُرْسَلُ من الرّوایاتِ في أصلِ قَوْلنا وقَوْلِ أہلِ العلمِ بِالأخبارِ، لیسَ بِحُجَةٍ.‘‘ (مقدمہ صحیح مسلم : ۱ /۱۲) ملخص البحث ملخص ومن الضروري اعتماد منهج البحث بدلاً من التنفيذ في جميع هذه الحالات. وهذا هو مقتضى العقل والطبيعة، والمعرفة والإيمان، فطريقة التطبيق قاتلة للتقدم العلمي، بينما طريقة البحث انتصار عظيم للتقدم العلمي. (بوفال، 1 مارس 2024) ( مترجمة من الأردية)
