دراسة في "سنن ابن ماجه"
[استفسارات حول أحاديث "سنن ابن ماجه" وإجاباتها ]
(الحلقة الثالثة)
مطيع سيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هناك أربع نساء لا لعان لهن: الكتابية المسيحية في زوجية المسلم، و الكتابية اليهودية في نكاح المسلم، والحرة في زوجية العبد، والأمة تحت الحر[16].
فما سبب ذلك؟
عمار ناصر: صحة هذا الحديث مشتبه جداً. فهذا لم يثبت مرفوعا. في الواقع هو استنتاج بعض التابعين، والمنطق وراءه يبدو أن اللعان يوجب إمكانية فرض حد القذف على الزوج والزوجة إذا رفضاالقسم. وبما أن من قذف امرأة يهودية أو نصرانية لا حد عليه عندالفقهاء، بل يستحق عقوبة التعزير، فإذا كانت الزوجة كتابية واتهمها الزوج المسلم فلا يجب اللعان.
وكذلك المرأة الحرة على قاذفها حد، والأمة لا حد على قاذفها، فلا يكون بين الأمة وزوجها لعان أيضا بالطبع. وسيكون الأمر نفسه بالنسبة للزوج أيضًا. ويعني إذا كان الزوج عبداً وزوجته حرة، فلا يحق للزوج أن يتهمها ولايعتبر اتهامه.
مطيع سيد: على هذا الأساس تم التفريق بين دية المسلم وغير المسلم؟
عمار ناصر: هناك روايات مختلفة فيما يتعلق بالدية، ولكن هناك روايات أيضاً في هذا الموضوع مفادها أن دية المسلم وغير المسلم لا تتساوى. ويحيل الفقهاء الذين يفضلون هذه الروايات إلى مبدأ عدم المساواة هذا.
مطيع سيد: لماذا لا يرى الإسلام قدسية الحياة واحترامها على المستوى الإنساني هنا؟
عمار ناصر: وفقاً لهذا الرأي فإن الإسلام يحترم حرمة الحياة، ولكنه لا يرى ضرورةً للمساواة في العقوبة على الجريمة. أي أن القتل جريمة، وسيكون هناك عقاب عليها، ولكن العقاب يعتمد على كون تلك النفس مسلمة أو غير مسلمة.
مطيع سيد: إذا لم يكن هناك لعان بين الزوج والزوجة فكيف سيتم حل المشكلة في حالة توجيه الاتهام من طرف الزوج؟
عمار ناصر: وهنا تصبح هذه قضية معقدة من الناحية الفقهية. أنا لست مستحضرا له تماما في الوقت الراهن. وربما الأرجح أنه إذا كان الزوج عبداً واتهم زوجته الحرة فإن الفقهاء يقولون بأنه لا ينبغي إعطاء الزوج فرصة القذف ويجب أن يقام عليه حد القذف. و إذا كان الزوج مسلماً والزوجة كافرة فلا لعان ولكن لا يقام عليه حد القذف، نعم، بعد ذلك سيتم التفريق بين الزوجين. ولكن كيف سيتم حل قضية نسب الطفل؟ هل يعترف زوجها بأبوتها لعدم وجود لعان بينهما أم أن هناك مخرجا من هذا؟ وبظاهر الحال يثبت في مثل هذه الحالة نسب الطفل من الزوج، و يمكن الاطلاع على ذلك في كتب الفقه.
مطيع سيد: هناك حديث مشهور مفاده أن بعض الفرسان المسلمين ذهبوا للجهاد واستقروا بالقرب من قوم وطلبوا منهم أن يضيفوهم ، لكنهم رفضوا. ثم وقع أن لدغت عقرب رئيسَ هذه القوم، فقرأ أحد من المسلمين سورة الفاتحة عليه ورقيه فبرئ وأخذ منه الماعز عوضاً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحسنتم، وأسهموني نصيبي في هذه الغنم[17]). وقد جاءت رواية أخرى أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كنت أعلّم أهل الصفة القرآن والكتابة. وأهداني أحدهم قوسًا، فقلت: هذا القوس ليس ملكًا، سأستخدمه لرمي السهام في سبيل الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو علمت أن يعطى لك بهذا القوس طوقاً من نار أكنت تقبله؟[18]
فمن جهة كان هناك أجرة على رقية القرآن فأجازها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن جهة أخرى كان أحد الصحابة يقرأ القرآن ولم يكن هناك أجر، بل كان التلميذ قد أعطى هدية من تلقاء نفسه، فأصدر النبي صلى الله عليه وسلم تحذيراً شديداً. ما هو السبب في ذلك؟
عمار ناصر: كان هناك وضع خاص في الحادثة الأولى. ففي الحقيقة كان ينبغي لهؤلاء القوم أن يضيفوهم، ولكنهم لم يفعلوا، فوفر الله لهم رزقهم أثناء رحلتهم بهذا الطريق. وبهذا المعنى، فإنهم لم يتلقوا في الواقع تعويضاً عن رقيتهم بل حصلوا على حقهم في الضيافة. ولكن حتى لو نظرنا إلى الأمر من حيث المبادئ العامة، فإن طبيعة الحدثين مختلفة بعض الشيء. الجانب العلاجي هو المسيطر في النفخ والرقية. وهو أيضًا فن يتم تعلمه. وإذا كان أحد يعرف بعض الآيات والسور القرآنية التي لها هذا التأثير، وقام بعلاج أحد بها، فإنه يكمن له أن ينال أجر العلاج. وفي حادثة أخرى، حصل على هدية وأجر على تعليم القرآن الكريم، وكان ذلك في الأصل فريضة ومكافأة. ولذا لم يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ أجره.
مطيع سيد: إذن، هل لا يجوز للأشخاص الذين يأخذون الأجور اليوم على تعليم القرآن أخذ الأجرعليه؟
عمار ناصر: المنظور الاجتماعي قد تغير مع تغير الزمن، وهذا يؤثر أيضاً على الأحكام الشرعية والفقهية. ففي الأزمان السابقة كان الرأي هو أنه لا يجوز أخذ الأجرة على أي عمل ديني كالأذان والإمامة وغيرهما، أما في الفترات اللاحقة فقد تغير الرأي. وتلعب الظروف الاجتماعية دوراً كبيراً في هذا الأمر، ولا ينبغي النظر إلى الأمر من منظور فقهي فقط. في وقت من الأوقات، كان المفهوم الأساسي تجاه هذه الأنشطة هو أنه بما أنها تتم لمرضاة الله فقط، فلا ينبغي خلطها بأي شيء مادي. وفي فترات لاحقة، تعتبراليوم أيضاهذه الأعمال أعمالاً صالحة، ولكن مع ذلك قد أصبحت مهنة أيضاً، ولذا قد تغيرت النظرة إليها. فقد أصبحت الآن مهنة، وإذا عمل الناس بجد فيها، وتعلموها، واستثمروا وقتهم فيها، فيمكنهم الحصول على أجر مقابل ذلك. وخاصة إذا تم تعيين بعض الأشخاص لمسؤولية معينة في الحكومة أو الإدارة الاجتماعية فإن طبيعتها تصبح مختلفةً تماما. كما قد أنشأ عمر (رضي الله عنه) راتبًا منتظمًا للمعلمين من بيت المال.
مطيع سيد: هل هذا يقلل من الأجر الأخروي شيئاً؟ فإنه تشمل المواد التي ندرّسها في الكلية القرآنَ الكريم، ونحن ندرّسه بشغف زايد وعمل شاق، ولكننا أيضًا نحصل على أجر مقابل ذلك.
عمار ناصر: الحقيقة يعلمها الله وحده أنه هل سيكون هناك نقص أم لا، ولكن من بنظرة منطقية عقلية يجب أن يكون هناك نقص. وأن يكون هناك فرق بين من يقوم بهذا العمل خالصاً لله تعالى فقط وبين من يقوم بالتدريس مقابلَ أجر. وإن كان التدريس أيضا يتطلب الإخلاص والتفاني، فإنه إذا ارتبط به الراتب ، فسوف يحدث فرقاً في المكافأة والمثوبة.
مطيع سيد: أما الاستيداع في البيع (بيع العربان) فقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هذا شائع عندنا ولا ينتقده العلماء صراحة. إذا لم أشتري شيئًا بعد إعطاء الوديعة، ففي كثير من الحالات لا يتم إرجاع الوديعة.
عمار ناصر: في بلادنا عادة تصدر فتوى بعدم شرعية بيع العربان[19] ولكن في السوق لا يتم العمل بالفتوى. أعتقد أنه ينبغي أن يكون هناك توسعًا. فهذا نوع من العقوبة أو التعويض.
في العصور السابقة، كانت معاملات السوق بسيطة نسبيًا، لذا ربما قد يحدث أنك أخذت بعض المال مقدمًا، ولكن في وقت لاحق، لسبب ما، انتهت المعاملة دون أن تتكبد أي خسارة كبيرة. وفي مثل هذه الحالة فإن الأخلاق الحميدة والذوق العام تقتضي إرجاع الأموال. ولكن مع تزايد تعقيد ظروف السوق وارتفاع المخاطر، لا بد من وجود عقوبة أو تعويض فقهي لإنهاء هذا العقد . لقد عقدتَ عقدًا ولم تفِ به، فكان من تعامل معك قد احتفظ لك بذلك الشيء. وكان بإمكانه أن يبيع هذا الشيء في مكان آخر، ولكن إذا أوقفتَه عن ذلك لوقت ما، فيجب أن يكون هناك شكل من أشكال التعويض عن تلك الخسارة.
مطيع سيد: قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم مامعناه: إذا اشتريت شيئا اشتريه في أقل قيمة ثم أزيد. وبالمثل إذا بعت شيئاً أقوم بتحديد سعر مرتفع للبيع ثم أخفضه تدريجيًا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مامعناه: أخبريه بالثمن الذي تريدينه أن تأخذيه أو تعطيه. وليس صحيحا تحديد السعر بالزيادة أو النقصان.[20]
بالنسبة لنا هذا أمر طبيعي ولا يعتبر عيباً، ولا يوجد فيه أي قبح على ما يبدو. لماذا استكرهه (صلى الله عليه وسلم)؟
عمار ناصر: زوايا كلام الرسول في الأحاديث متعددة ومتنوعة. أحيانًا تصف الجوانب القانونية وأحيانًا أخرى تتحدث عن القيم الأخلاقية المرغوبة والعالية. وهذا الحديث يدل على ذوقه الرفيع في عدم التساوم. ولم يعجب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر شخصياً. ومن المهم أيضًا معرفة من تقدم له هذه النصيحة. إذا كان مطلوبًا من شخص أن يلتزم بذوقه الشخصي، فسيتم نصحه، وإلا فلا. كما كان سيدنا علي رضي الله عنه يقول: نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن لقاح الحمار بالفرس، ولا أقول إنه نهاكم عن ذلك أي سائر الناس. فكل هذه الأمور يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تفسير الأحاديث وشرحها.
مطيع سيد: إن زوجة أبي سفيان اشتكت من بخله وقالت إنه رجل شحيح وسألت رسول الله: فهل آخذ من ماله دون أن أسأله؟ قال: لا تأخذي إلا ما يكفيك وأولادك.[21] ويقال إن الإمام مالك رحمه الله والإمام أبو حنيفة رحمه الله لا يجيزانه. إذا كان ذلك محرماً فما هو الخيار المتاح للمرأة وماذا يجب عليها أن تفعل في هذه الحالة؟
عمار ناصر: لا استحضر رأي هذين الإمامين في الوقت الحاضر. والظاهر أن الإذن في الحديث موافق للعقل وظاهره صحيح، ولكن لو فرضنا أن الإمامين لم يصحياه، فمن الممكن أن يكون فيه وجه من الخيانة الظاهرة عندهما. ومن الممكن أيضًا أنهم رأيا في الممارسة العملية أنه إذا سُمح للنساء بذلك، فإنهن سوف يستغلنه بشكل خاطئ ويسحبن أموالاً أكثر من اللازم. لكن في الحالة المذكورة في الحديث لو أخذت المرأة مال زوجها بنفس الشروط فلا بأس بذلك ظاهراً.
مطيع سيد: أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأغنياء بتربية الماعز، والفقراء باتخاذ الدجاج، وقال إنه عندما يبدأ الأغنياء باتخاذ الدجاج فإن الله سيأمر بهدم تلك القرية[22]. إلا أن هناك جدل حول هذا الحديث، إنه موضوع أم لا.
عمار ناصر: إذن لا ينبغي لنا أن نناقش هذا، لأنه ربما يكون ابن ماجة هو الوحيد في الصحاح الست و الذي فيه يتواجد فيه بعض الأحاديث الموضوعة
مطيع سيد: خطر ببالي أن هذا ربما يعني أنه إذا دخل الأغنياء في كل الحالا ولم يعد هناك مكان للفقراء، فسيكون هذا هو الحكم.
عمار ناصر: من الواضح أن من وضع هذا الحديث لابد أن يكون لديه سياق. لا يمكن لشخص أن يضع هذا الحديث وكأنه هذه دأبه وشوقه.
(يُتبع)
