انشقاق القمر: موقف الأستاذ غامدي
(مقتبس من حواره مع محمد حسن الياس)
(الحلقة الثالثة)
الباب الأول
مفهوم الآية ومصداقها
وقد عبرالقرآن بحدث انشقاق القمربالآية فقال:
اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَاِنْ يَّرَوْا اٰيَةً يُّعْرِضُوْا وَيَقُوْلُوْا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ.
(القمر54:۱ -۲)
إن "الآية " هي كلمة عربية معروفة جدا. وتعني الرمز والعلامة. وتشير إلى الظواهر التي تؤشرعلى كائن ضمني أو حقيقة أو حدث. على سبيل المثال، تشير علامات الطريق إلى المسارات، والآثار الأثرية هي آثار للديار البائدة، والإبداعات والمنتجات تعلم منشئها أو مصدرها. 1 فاالعلاقة المتبادلة بينهما كما لو كانت علامات وإيماءات لا يمكن فصلها عن بعضها البعض.
وفي بعض الأماكن في القرآن، استخدمت كلمة "آية" أيضا بهذا المعنى اللغوي. فجاء في سورة يونس ذكر قرار الاحتفاظ بجسد فرعون كعلامة على عقاب الله. قال تعالى:
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيْكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُوْنَ لِمَنْ خَلْفَكَ اٰيَةًﵧ وَاِنَّ كَثِيْرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ اٰيٰتِنَا لَغٰفِلُوْنَ. (۱۰: ۹۲)
كما في سورة الشعراء وصف عمل أهل عاد الذي استخدموه لتأسيس علامات عظمتهم على شكل مبان شاهقة بأنه عديم الجدوى فقال:
اَتَبْنُوْنَ بِكُلِّ رِيْعٍ اٰيَةً تَعْبَثُوْنَ وَتَتَّخِذُوْنَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُوْنَ.
(26: 128-129)
بالإضافة إلى المعنى الأساسي للرمز والعلامة والنصب التذكاري، استخدمه القرآن أيضا كأحد مصطلحاته. وبهذا المعنى ، فقد استخدمت هذه الكلمة في حجج النفسية والكونية، والتي تبرز صفات الله رب العالمين. هذه الصفات هي مجد الله والخلق والقوة والرحمة والسيادة والعدل والعلم والحكمة. وعقل الإنسان وطبيعته قادران على وعيها. إذا استخدمها بشكل صحيح، يمكنه الوصول إلى طريق معرفة الله. إن قدرات الإنسان التي تقوده في هذا الأمر هي التأمل والفكر والفهم والتذكر. يشير إليها القرآن بقوله "يَتَفَكَّرُوۡنَ‘،’يَعۡقِلُوۡنَ‘ و ’يَذَّكَرُوۡنَ‘قال:
وَعَلَي اللّٰهِ قَصْدُ السَّبِيْلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌﵧ وَلَوْ شَآءَ لَهَدٰىكُمْ اَجْمَعِيْنَ هُوَ الَّذِيْ٘ اَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً لَّكُمْ مِّنْهُ شَرَابٌ وَّمِنْهُ شَجَرٌ فِيْهِ تُسِيْمُوْنَ يُنْۣبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُوْنَ وَالنَّخِيْلَ وَالْاَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرٰتِﵧ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيَةً لِّقَوْمٍ يَّتَفَكَّرُوْنَ.
وقال:
وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَﶈ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَﵧ وَالنُّجُوْمُ مُسَخَّرٰتٌۣ بِاَمْرِهٖﵧ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيٰتٍ لِّقَوْمٍ يَّعْقِلُوْنَ.
وأضاف قائلا:
وَمَا ذَرَاَ لَكُمْ فِي الْاَرْضِ مُخْتَلِفًا اَلْوَانُهٗﵧ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيَةً لِّقَوْمٍ يَّذَّكَّرُوْنَ. (النحل 16: 9-13)
يتضح من هذا أن آيات الله تلعب دور وسيلة لمعرفة ذاته تعالى وصفاته. وكأن هناك علاقة سبب ونتيجة بين صفات الله وآيات الله وعلاقة العلة والمعلول. الآيات هي مظهر من مظاهر الصفات ويمكن التعرف عليها من خلال النظر إلى الآيات. وفي كتابه "ميزان" شرح الأستاذ جاويد أحمد غامدي موقف القرآن من ذات الله وصفاته ، كما شرح العلاقة بين الصفات والآيات. فيما يلي بعض المكونات ذات الصلة في هذا البيان فقال:
’’فقد صرح القرآن صراحة تامة في ذات الله سبحانه تعالى أنه لا يدركه الإنسان، إذ إن وسائل الإدراك وذرايعه يحيط بها الذات الخالق ويدركها، ولكن هذه الآلات والوسائل لاتحيط بها ولا تدركها أيما إدراك.. .......
أما صفات الله تبارك وتعالى فإن الإنسان يستطيع إدراكها في درجة ما. ووجه ذلك أن الإنسان يحوز ببعض الأشياء المتصلة بالصفات ولو بدرجة تافهة جدًّا. فإن الله قد أعطانا جزءاً من علمه وخبره وقدرته وربوبيته ورحمته وحكمته تعالى. فلنا أن نقيم تصوراً لصفات الله تعالى قياساً على تلك الصفات. ونفهم ذلك بطريق آخر وهو أن الإنسان هو انفعال محض. وهو عبارة عن الإرادة والقول والمشيئة والكلمة والأمر الذي يصدر عن الفاعل الحقيقي، ودلت الآية رقم 82 من سورة يونس على ذلك تقول: إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. فحقيقة الشيء هي الإرادة الإلهية التي تظهر في الشيء هي صفات هذه الكلمة. وهو حقيقة وجود الإنسان. ثم إن الإنسان يشعر بوجوده ولذا يفهم صفات فاعله لحد ما. ولكن لازم لذلك أن يدوم الإنسان على إيقاظ عقله وعلى التفكر في آيات الله في الآفاق والأنفس، في ضوء وحي الله سبحانه. ومن هنا يحرض القرآن في أكثر من مرة مخاطبيه على التعقل والتفكر والتذكر........
فإذا تفكرت بهذا الطريق علمتَ أن كل شيء في الأنفس والآفاق يشهد أن الله ليس هو علة العلل محضًا وواجب الوجود صرفًا، ابتدأت منه سلسلة العلة والمعلول، والذي كان ويكون على كل حال، بل هو صاحب الإدراك والإرادة الذي يحمل سائر الصفات العالية.‘‘(ترجمة عربية لميزان ص 123)
ومن هذا التوضيح يتبين أن كلمة (آية) عندما تستعمل في حق الله تعالى فإنها تشير إلى تلك الآيات الباطنة والظاهرية الدالة على صفاته المختلفة. وتشهد أنه خالق الكون، ومالك الأرض والسماء، ورب المشرق والمغرب. فهو اللطيف العليم، وهو السميع البصير، وهو الرؤف الرحيم، وهو العزيز الحكيم، وهو بکل شیء علیم وعلیٰ کل شیء قدیر. ولذلك عندما أراد القرآن الكريم أن يلفت انتباه الناس إلى هذه الصفات فإنه يقدم لهم هذه الآيات البينات دليلاً، فيوفر لهم بذلك وسيلة للتذكير والترغيب، والتهديد والترهيب، والإنذار والعذاب.
وهذه العلامات للآفاق والأنفس واضحة وبارزة في كل شيء. تستطيع العيون المبصرة رؤيتها، والعقول الذكية أن تفهمها، والقلوب الثاقبة أن تتعلم معرفة الخالق منها، وتدرك النهاية. ولكن مع ذلك خشيةَ أن لم يستطيعوا أن ينتبهوا إليها فقد بين الله تعالى ذلك بالتفصيل في كتابه حتى لا يكون هناك مجال للغموض أو الالتباس. وقال تعالى:
يُفَصِّلُ الْاٰيٰتِ لِقَوْمٍ يَّعْلَمُوْنَ. ( یونس 10: 5)
يُفَصِّلُ الْاٰيٰتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوْقِنُوْنَ. (الرعد13: 2)
ويقول أستاذنا الجليل في تفسيره للآية المذكورة من سورة الرعد:
"أي أنه يبين هذه (الآيات) في كتابه لتعرفوا الحقائق التي تشير إليها، فتتيقنوا بالتالي بهذه الحقيقة العظيمة في الكون: إن الذي خلق هذا العالم بقدرته المطلقة وحكمته التامة لن يدعه ينتهي إلا بإكماله وتمامه بل سيبلغه إلى المصير المقدر له." (البيان ٢ /٥٧٣)
وخلاصة ما تقدم أن المعنى الحقيقي لكلمة (آية) هو الرمز والدلالة. يشير هذا إلى كائن ظاهر يؤشرعلى كائن أو حقيقة مخفية. على سبيل المثال، يمثل الخلق الخالق، ويمثل المنتج الصانع، وتمثل الصورة الفنان. وفي اصطلاح القرآن الكريم يشير ذلك إلى تلك الحجج والبراهين من العالمين الأنفس والاآفاق والباطن والظاهر التي تكون بمثابة علامات للوصول إلى هدف معرفة ذات الله وصفاته وإعلام الإنسان بآخرته.
يحدد هذا المعنى الاصطلاحي أربعة تطبيقات مختلفة لهذه الكلمة:
1- الآيات الإلهية التي تظهر بانتظام في العالمين الداخلي والخارجي
2 -الآيات الإلهية التي تظهر خلاف المألوف في الأنفس والآفاق
۳- الآيات الإلهية التي تتجلى في الأنفس والآفاق على أيدي الأنبياء
۴ -آيات قرآنية تصف كل ما يظهر من الوحي الإلهي في الأنفس والآفاق.
دعونا نفهم هذه التطبيقات الأربعة بشيء من التفصيل في ضوء القرآن الكريم. وبالتالي، سيكون من الأسهل معرفة تحت أي من هذه الحالات يمكن وضع حادثة انقسام القمر.
(يُتبع)
