logo
أخرى

زكوة المجوهرات

زكاة المجوهرات وما هو حكم الدين فيها؟

الزكاة هي أحد أشكال العبادات التي ترتبط بنقاء المال وطهارته، وتحقيق التوازن الاجتماعي، والإنفاق في سبيل الله. وهي أهم فريضة مالية في الإسلام بعد الصلاة، إذ تسهم – إلى جانب التطهير الروحي وتزكية النفس – في ضمان دوران الثروة وتداولها بين أفراد المجتمع.

الزكاة نظام منظم وثابت في الشريعة الإسلامية للإنفاق في سبيل الله، لا يقتصر هدفه على سد حاجات الفقراء والمحتاجين، بل يتعداه ليكون وسيلة لحماية الإنسان من فتنة المال وآثاره السلبية المحتملة. كما أن الزكاة تسهم بشكل كبير في استقرار النظام الاجتماعي، ولهذا السبب شرعها الله تعالى بنفسه، حتى لا يكون هناك تدخل غير مبرر في أموال الأفراد، ويظل النظام المالي للدولة قائمًا على العدل والتوازن.

وقد حدّد مقدار الزكاة ونسبتها في الشريعة الإسلامية بشكل دقيق، ولا مجال للاجتهاد فيه. إلا أن تحديد نصاب الزكاة، وبعض الأحكام التفصيلية والامتيازات المتعلقة بها، من الأمور الاجتهادية التي قد تختلف فيها آراء العلماء. وتعد مسألة زكاة المجوهرات النسائية من المسائل الاجتهادية التي وقع فيها خلاف بين الفقهاء.

فقد ذهب بعض العلماء، كفقهاء الحنفية، إلى وجوب الزكاة في جميع أنواع الحُلي والمجوهرات، سواء استعملت أم لم تستعمل. بينما يرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، أن الزكاة لا تجب إلا في الحُلي الذي لا يُستعمل عادةً، وإنما يقتنى لأغراض الادخار أو الاستثمار.

هذا الاختلاف في الحقيقة يعدّ نموذجًا على التباين في التطبيق الاجتهادي عند صياغة نصابات الزكاة، وهو اختلاف نشأ في ظل تغيّر الظروف ومتطلبات العصر. وقد أدّت التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية في العصر الحديث إلى جعل هذا النقاش أكثر أهمية، إذ لم تعد المجوهرات وسيلةً محضة لتكديس الثروة، بل تحوّلت إلى رمز للمكانة الثقافية والاجتماعية، يُعبّر من خلالها أصحاب الثراء عن ثرواتهم ومكانتهم.

وهذه المتغيّرات تسلّط الضوء على ضرورة إعادة النظر في هذه المسألة، بما يسمح بفهم أكثر فاعلية لقانون الزكاة ومقاصدها في السياق المعاصر.

ومن الجدير بالذكر أن الشرط الأساس لوجوب الزكاة – والذي يكاد الفقهاء يجمعون عليه – هو أن تكون الزكاة مفروضة على "المال النامي"، أي المال القابل للنماء والاستثمار. ومن هذا المنطلق، يرى الفقهاء الذين يوجبون الزكاة على الحُلي والمجوهرات مطلقًا، أنها تعدّ في حقيقتها "أصولًا رأسمالية" (Capital Assets)، تُحقّق النماء أو تمثل صورة من صور ادّخار الثروة.

وتستند حجّتهم في هذا الشأن أساسًا إلى عدد من الأحاديث النبوية التي تفيد بوجوب الزكاة على الذهب والفضة، سواء كانت نقودًا أو حُليًا غير مستخدم.

فهناك بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم التي تدعو إلى زكاة المجوهرات  وهي كما يلي:

١- حديث روتها عائشة أم المؤمنين

فقد سألها النبي صلى الله عليه وسلم عما إذا كانت تدفع زكاة لخواتمها الفضية . فلما قالت لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"هذه تكفيك لنار الجحيم. أوكما قال عليه الصلوة والسلام."

(ابوداؤد، رقم ١٥٥٨)

٢- رواية أم سلمة رضي الله عنها قالت:

"سألت النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت المرأة تملك الحلي الذهبية، فهل تحسب من الكنز ؟ (الذي جاء ذكره في آية التوبة رقم ٣٤)" قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دفعت زكاة ذلك، فلن يعد كنزا أو كما قال عليه السلام." (ابو داؤد، رقم ١٥٦٤)

٣۔ حديث أسوار من الذهب

رأى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة ترتدي أساور ذهبية سميكة وقال: هل تدفع زكاتها؟ فلمّا رفضت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هل تحبين أن يجعلك الله النار بدلا من ذلك ؟ أوكما قال عليه السلام‘‘ (ابوداؤد، رقم  ١٥٦٣)

والفقهاء الذين لا يرون بزكاة الحلي التي تستعمل يومياً يقدمون في تفسير هذه الأحاديث تفسيرات علمية مختلفة أبرزها :

١۔ إن هذه الأحاديث إما ضعيفة وإما غيرواضحة في معناها.

ووفقا لبعض علماء الفقة فإن هذه الأحاديث إما ضعيفة من حيث الأدلة أو إنها لا تحدد وجوب الزكاة.

٢۔ وبحسب فقهاء الشافعية  والمالكية، فإن هذه الأحاديث تتعلق بالحلي التي تم تخزينها في الثروة، بينما تعفى تلك التي تستخدم بشكل شائع من هذا الحكم.

٣۔ حكم تشجيعي استحبابي لاوجوبي

ووفقا لبعض علماء الفقه والحديث فإن هذه الأحاديث تستخدم في الواقع لتشجيع الزكاة، وليس كدليل قاطع على وجوب الزكاة.

كما يشير علماء هذا التيار إلى دعم هذا الرأي من تلك الأدلة والآثار، حيث يقف الصحابة والتابعون نفس الموقف. وبعض هذه الأدلة هي كما يلي:

١۔ يقول جابر بن عبد الله: لازكوة في الحلىي (رواه الدارقطني، رقم١٧٠ والبیہقي، رقم ٧٩٥٩)۔

٢۔ عن أنس بن مالك : كان لايخرج الزكوة في حلي أختها (الدار قُطني، رقم ١٧١)۔

٣۔ عبد الله بن عمر: كان لايخرج الزكوة في حلي بناتها (مصنف ابن أبي شيبة، رقم ١٠٣٩٩)

٤۔ لم يثبت عن عائشةوأسماء رضي الله عنهما أنهما تؤديان الزكوة على حليهن . (مصنف ابن أبي شيبة، رقم ١٠٣٩٨)

٥۔ الإمام مالک: كان يقول أن المجوهرات التي تستخدم في البيوت لا زكاة عليها. (الموطا ١  /٢٥١)

نظرة متوازنة وعملية

في رأينا المتواضع، لا ينبغي فرض الزكاة على الحُلي التي تستخدم يوميًا، لأنها تندرج ضمن الحاجات الشخصية ولا تُعتبر مالًا ناميًا. ومع ذلك، إذا تم الاحتفاظ بالمجوهرات لغرض تكوين الثروة أو لإظهار المكانة الاجتماعية، فإنها تتحول عمليًا إلى "مال نامي".

كما أنه إذا تم شراء المجوهرات كأصل استثماري (Investment Asset)، وكان الهدف منها هو بيعها في المستقبل في الوقت المناسب، فإنها تندرج تحت فئة الأصول الاستثمارية، وبالتالي تجب الزكاة عليها.

وفي حال كانت كمية المجوهرات كبيرة بشكل غير معتاد، وفقًا للأعراف الاجتماعية، وكان استخدامها العملي محدودًا أو رمزيًا، مثل العديد من القيراط التي تُقدّم للفتيات للتعبير عن مكانتهن في مناسبات الزواج، فيُستحسن دفع الزكاة عليها كإجراء احترازي، لتأكيد المسؤولية الدينية والمحاسبة على الثروة وضمان الوعي السليم.

علاوة على ذلك، يُنصح الأفراد الذين يتمتعون بالاستقرار المالي ولديهم كمية كبيرة من المجوهرات، والذين ينتمون إلى "شريحة الدخل المرتفع" (High-Income Bracket) في النظام المالي للدولة، بأن يلتزموا بدفع الزكاة.

وفي المقابل، بالنسبة لأسر الطبقة الوسطى، حيث لا تُستخدم المجوهرات التي تجمع للاحتفاظ بها في مناسبات الزواج بشكل يومي، ولا يتم التخلص منها بل تُحفظ كأمانة، فإن هذه المجوهرات يمكن إعفاؤها من الزكاة.

إلى جانب هذا التطبيق الفقهي، يجب أن يكون هناك دائمًا تحذير من القرآن الكريم يحذر الإنسان من عواقب الوقوع في حب المال وعدم إنفاقه في سبيل الله. قال الله تعالى في سورة التوبة:

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ  وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. (٣٤)

يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ  هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ. (٣٥)

يقول الأستاذ الجليل جاويد أحمد غامدي في تفسيره:

"بعد دفع الزكاة، لا يحظر جمع المال لحاجته الشخصية أو التجارية، سواء كانت الحالياً أو المستقبلية. ولكن إذا كان هناك طلب من الخلق أو الخالق لإنفاق المال، ورفض الشخص إنفاقه، فإن عقابه سيكون كما ورد في القرآن."

 (البيان2  / ٣٤٦)

ويقول الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي - رحمه الله - :

"هذا الإنفاق هو الذي يعطي كنز الحكمة، الذي يتعزز منه نور القلب. إذا ظل الإنسان الذي يمتلك أكوامًا من الثروة غير مهتم باليتامى أو المعوزين أو المحتاجين في مجتمعه، أو كان غير مبالٍ بالدعوة إلى الدين والتعليم والجهاد، فلا يمكن إعفاؤه من المؤاخذة والمسؤولية عند الله سبحانه، حتى لو استوفى الشروط الشرعية لثروته."( تدبر القرآن ٣  /٥٦٦)

(مترجمة من الأردية)