الخلل في الاستدلال في المنهج الفقهي واشتراط الاستطاعة لأهل فلسطين
]هذا العمود المعنون بـ "وجهة النظر" مخصص لكتابات مختلف أصحاب الفكر وتعبر عن آراء أصحابها وليس من الضروري أن تتفق المؤسسة مع المقالات المنشورة تحته[
إلى أي مدى يمكن أن يؤدي الخلل في منهجية الاستدلال إلى نتائج غير معقولة، يمثل المثال الفقهي التالي نموذجًا للاستدلال الخاطئ بالحديث، وهو واحد من العديد من الإشكالات التي تعاني منها المنظومة الفقهية. من خلال هذا المثال، تتضح أهمية ما يلي:
١- إعادة النظر في أسس الاستدلال في فكر غامدي.
٢- صحة موقف الأستاذ غامدي من الحديث.
٣- أهمية منهج نظم الكلام في الوصول إلى الفهم الصحيح للنصوص.
٤- إدراك أن الخطاب يحمل دلالاته اللغوية والعقلية عند وروده.
٥- اعتبار السياق التاريخي جزءًا من النسيج العام للنص.
إن تجاهل هذه المبادئ الأساسية في فهم النصوص قد يؤدي إلى استنتاجات خاطئة، وهو ما سيتضح من المثال التالي.
١- موقف الأستاذ غامدي من الأحاديث: تحليل وتقييم
يرى الأستاذ غامدي أن الأحاديث ليست مصدرًا مستقلًا للتشريع، وإنما يقتصر المصدر الأساسي للدين على القرآن والسنة المتواترة، اللذين نقلا إلينا بطريق الإجماع والتواتر القطعي. أما الأحاديث، فقد وردت عن طريق الآحاد، مما يجعلها ظنية الدلالة، إذ إنها لا تنقل غالبًا بسياقها الكامل، مما يقتضي دراستها في ضوء المسلّمات العقلية والعلمية.
وتبعًا لهذا الفهم، فإن الأحاديث تؤدي أدوارًا محددة، من بينها بيان الأحكام الشرعية، وشرح مقاصد الدين، وتطبيق أصوله، وتقديم النموذج السلوكي النبوي، وعرض السيرة النبوية، لكنها لا تستقلّ بالتشريع، ولا يمكن أن تنسخ أو تعدّل أي حكم قرآني.
وعلى العكس من ذلك، رغم اعتراف الفقهاء بظنية الأحاديث، فإنهم يعدّونها مصدرًا لاستنباط الأحكام الشرعية المستقلة، بل ويجيزون نسخ أو تعديل الأحكام القرآنية استنادًا إليها. كما أن منهجهم في تحديد الضوابط اللغوية والعقلية للنصوص يعاني من أوجه قصور واضحة، مما يفضي إلى استنتاجات غير دقيقة.
٢- الحديث عن "اثني عشر ألفًا" وشرحه في السياق التاريخي
نستعرض الآن القضية المطروحة التي تتعلق بأحد الأحاديث، حيث ورد فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لن يُغلب اثنا عشر ألفًا من قلة". النص الكامل للحديث هو كما يلي:
عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ."
قال أبو داود: "والصحيح أنه مرسل." (سنن أبي داؤد، رقم ٢٦١١)
هذه رواية مرسلة، التي تشوبها بعض إشكالات في السند، ولكن إذا قمنا بفهم نصها وفقًا للقواعد الأساسية لفهم النصوص، فإننا نتمكن من تحديد المعنى الصحيح بسهولة. ومن الضروري أن ننظر إليها في سياقها التاريخي.
كانت الطرق في جزيرة العرب صعبة وغير آمنة، لذلك كان من الطبيعي أن يُنصح الناس بالسفر في مجموعات لضمان الأمان والحماية. كان يفضل أن لا يقل العدد عن اثنين أو أربعة للتمكن من التعاون في السفر. كانت لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر قوة عسكرية تتألف من أفراد من قبائل متعددة. وكانت هناك صراعات صغيرة مع القبائل المجاورة وحروب كبرى مع القوى الكبرى في جزيرة العرب. في هذا السياق، يبدو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوجه أصحابه إما لتحفيزهم أو لتوجيههم إلى مبدأ عسكري، حيث ذكر أن أربعة آلاف تعتبر قوة كافية للمعارك الكبرى، بينما اثنا عشر ألفًا هو جيش ضخم يجب ألا يُهزم بسهولة في مواجهة القبائل المتفرقة. وهذا يعني أن الجيش بهذه العدد يجب أن يكون قويًا بما يكفي ليواجه القوى المتفرقة.
بناءً على هذا التحليل، يتضح أن الحديث لا يقدم حكمًا تشريعيًا ثابتًا، بل هو إرشاد عسكري تكتيكي يعتمد على السياق التاريخي ويهدف إلى توجيه المسلمين في ذلك الوقت، مما يؤكّد أهمية فهم النصوص في ضوء السياق التاريخي وتجنب الاستنتاجات الخاطئة.
٣- التناقض بين الاستدلال الفقهي وتطبيقه الواقعي
استنادًا إلى هذا البيان الوارد في الحديث، استنبط الفقهاء وفقًا لأصولهم الفقهية حكمًا مفاده أنه إذا كان عدد المسلمين اثني عشر ألفًا، فلا يجوز لهم التراجع عن المعركة، حتى وإن كان العدو يتفوق عليهم في عدد الجنود أو الأسلحة. أما إذا كانت أعداد المسلمين أقل من اثني عشر ألفًا وكان العدو متفوقًا في التسليح، فيجوز لهم التراجع، حتى وإن كان عددهم أكبر من العدو. وإذا لم تكن هذه الرواية موجودة أو لم يستنبط الفقهاء منها هذا الحكم كما فعلوا، لكانت المعقولية التي أظهروها في حالة الجيش الأقل من اثني عشر ألفًا، قد ظهرت أيضًا في حالة الجيش الذي يتكون من اثني عشر ألفًا.
على الرغم من ذلك، استنبط الفقهاء هذا الحكم رغم علمهم بأن جيش المسلمين الذي بلغ عددهم اثني عشر ألفًا قد تعرض للهزيمة في بداية غزوة حنين، إلا أنهم تمكنوا من استعادة قوتهم وتحويل الهزيمة إلى نصر. وبالتالي، كان من الممكن أن تكون الواقعة دليلًا على أن جيشًا من اثني عشر ألفًا قد يهزم، لكن الألفاظ الواردة في الحديث طغت على الواقعة، مما أدى إلى استنباط استدلال خاطئ.
وقد أضاف الفقهاء قيدًا عقليًا في الرواية مفاده أن النصر مشروط بأن يكون المسلمون متوحدين، أي ألا يكون هناك خلاف بينهم. وقد استندوا في هذا القيد إلى بعض النصوص الأخرى الواردة في الرواية، رغم أن سندها لا يُعتمد عليه. وإذا كان من الممكن إضافة هذا القيد العقلي، فإنه من الممكن أيضًا استنباط قيود عقلية أخرى بناءً على القرائن العقلية التي تم ذكرها في وقت سابق.
4- ملاحظات حول استدلال الفقهاء وتفسيرهم للنصوص
في منهج استدلال الفقهاء، توجد بعض الثغرات الجوهرية. أولاً، يتم اعتبار حديث واحد مصدرًا لحكم مستقل في الدين، ثم يُستنبط منه حكم منفصل بعد قطعه عن سياقه الأصلي، ثم يتم نسخ حكم القرآن بناءً على هذا الحديث. في القرآن الكريم، يُطلب من المسلمين أن يقاتلوا أعداءهم حتى وإن كان عددهم يفوق المسلمين بعشرة أضعاف، مع التأكيد على أن المسلمين سيتفوقون إذا أبدوا الصبر والثبات. بعدها، يتم تعديل هذا التناسب ليصبح أقل من ذلك، حيث يعترف بوجود ضعف نسبي في القوة البشرية للمسلمين (الأنفال: ٦٦)، لكن الفقهاء يلغون هذه المراعاة عندما يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفًا.
استنادًا إلى هذا الحديث، يستدل الفقهاء على نسخ حكم القرآن، وهو أمر يتناقض مع أصولهم الفقهية. وفقًا لأصول الأحناف، يجب أن تكون الرواية مشهورة على الأقل لكي تُعتبر ناسخة لحكم القرآن، لكن في هذه الحالة يتم نسخ حكم القرآن استنادًا إلى حديث مرسل، وهو ما لا يتوافق مع الأصول الفقهية.
استنادًا إلى استدلال الفقهاء، ينصح أستاذ القانون، الدكتور محمد مشتاق أحمد، المسلمين اليوم بأنه في ظل الفرق التكنولوجي الحربي، يمكن للمسلمين التراجع عن مواجهة أعدائهم فقط إذا كانت أعدادهم أقل من "اثني عشر ألفًا"، أما إذا كانت أعدادهم تساوي أو تتجاوز هذا الرقم، فيجب عليهم الاستمرار في المعركة مهما كانت الظروف، لأن الجيش الذي يبلغ عدده اثني عشر ألفًا لا يمكن أن يغلب.
ويستشهد الدكتور مشتاق أحمد بما نقله الإمام أبو بكر الجصاص – عليه الرحمة - قائلاً:
"وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن اثني عشر ألفًا يعد أصلاً في هذا الباب؛ إذ لا يجوز للمسلمين أن يفروا من أعدائهم مهما كانت أعدادهم أكبر بكثير، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'إذا اجتمع كلمتهم'، ومن خلال هذا القول أوجب عليهم توحيد كلمتهم." (أحكام القرآن 3 /64)
في تعليقه على هذه النقطة، يكتب الدكتور محمد مشتاق أحمد:
"في هذه الحالة (أي عندما يصل عدد المسلمين إلى اثني عشر ألفًا)، لا يمكن للمسلمين أن يبرروا عدم اتحادهم كسبب لاستثنائهم من الحكم. بل، سيكون من الواجب عليهم شرعًا أن يتحدوا ويواجهوا العدو بثقة في أن الله تعالى سيمنحهم الدعم والنصر."
وفي ظل الفارق الواضح في القوة الحربية والتكنولوجيا، ومن جهة أخرى استنادًا إلى استدلال الفقهاء على أساس عدد اثني عشر ألفًا، يطرح الدكتور مشتاق أحمد مسألة حساسة بقوله:
"... من المهم أن نلاحظ أن اعتبار النسبة العددية كان ذا معنى في العصور التي كانت القوة البشرية هي العنصر الحاسم في المعركة. أما في العصر الحديث، حيث قلّت أهمية الفرد نتيجة التقدم العلمي والتكنولوجي، أليس السؤال الأكثر أهمية الآن هو: أين يقف العدو من حيث التكنولوجيا؟ إذا كان لدى الجيش المسلم عشرة آلاف جندي مزودين بأسلحة تقليدية، بينما العدو يتألف من مئة جندي مجهزين بأحدث الأسلحة، فهل يجب تقييم الموقف بناءً على العدد أم على نوع الأسلحة؟ ... ما ذكره الإمام السرخسي في هذا السياق يعد بلا شك قولًا حاسمًا. فقد قال:
"إذا كان عدد المسلمين نصف عدد المشركين، فلا يجوز لهم الفرار... وكان الحكم في البداية أن المسلمين إذا كانوا عددهم يعادل عشر المشركين، فلا يجوز لهم الهروب... وهذا بشرط أن تكون لديهم قوة القتال، مثل امتلاك الأسلحة؛ أما من لا سلاح له، فلا بأس أن يفر أمام من معه سلاح. كذلك، لا مانع من الفرار من الذي يستخدم الرمي إذا لم يكن لديه أداة للرمي. أليس من الممكن أن يفر من باب الحصن أو من الموضع الذي يُرمي فيه بالمجانيق، نظرًا لعجزه عن الثبات في ذلك المكان؟ بناءً على هذا، لا يجوز للفرد أن يفر من ثلاثة، إلا إذا كان عدد المسلمين اثني عشر ألفًا وكانوا متحدين في كلمتهم، ففي هذه الحالة لا يجوز لهم الفرار من العدو مهما كان عددهم، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة". ومن كان غالبًا فلا يجوز له الفرار."
رغم أن هذا الاستنتاج الفقهي لم يُطبق عمليًا من قبل أي جيش أو حكومة، حيث كان من الممكن الحفاظ على جيش من اثني عشر ألفًا فقط، دون الحاجة إلى المزيد من الجنود، إلا أن البروفسور صاحب يصر على ضرورة أن يلتزم أهل فلسطين بهذا الرأي. يعتقد أنه بما أن لديهم بالفعل اثني عشر ألف مجاهد، فإنه لا ينبغي لهم التراجع عن القتال، حتى وإن كان عدوهم أقوى. لكن السؤال الذي يظل قائمًا هو: لماذا يُهزم جيش "القدسيين" المكون من أكثر من اثني عشر ألفًا في كل مرة؟ الحديث لا يقول فقط إن جيش الاثني عشر ألفًا لا يمكنه التراجع، بل يعدهم بالنصر، ما يعني أن القضية ليست مجرد عدد الجنود.
إذا كان إيمان "القدسيين" ضعيفًا أو كانت كلمتهم غير موحدة، فإن عليهم أولًا أن يتوقفوا عن القتال ويركزوا على تقوية إيمانهم ووحدتهم، قبل أن يعودوا إلى المعركة.
الحل للمظلومين والضعفاء في مثل هذه الحالات لا يكمن في اتباع استدلال فقهي خاطئ، بعيدًا عن العلم والعقل. بل هو ما حدده الله تعالى في سورة النساء، حيث أُمر المسلمون الضعفاء في مكة والمناطق المجاورة بما يلي:
"وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللہِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ اَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ نَصِيرًا." (النساء: ٧٥)
مساعدة الضعفاء والمظلومين هي مسؤولية على عاتق الدول الإسلامية. إذا كانت هذه الدول عاجزة عن الوفاء بهذا الواجب أو تفتقر إلى الجرأة والقدرة، فلا يجوز للمظلومين أن يتحملوا هذه المسؤولية بأنفسهم، لأن ذلك سيزيد من معاناتهم. السلاح الذي يجب أن يتحلى به المظلوم هو الدعاء، ولم يشرع له رفع السيف في مواجهة الظلم.
5- الخيارات المتاحة أمام أهل فلسطين في الوضع الراهن
في الوضع الراهن، أمام أهل فلسطين ثلاثة خيارات:
١- إذا كانت لديهم حماية في حال تجنبهم للحرب، سواء في حياتهم أو أموالهم أو شرفهم، فيجب عليهم القبول بما هو متاح لهم، والاستمرار في نضالهم من أجل حقوقهم بوسائل سلمية، والتركيز على بناء حياتهم ومجتمعهم.
٢- إذا لم يتوفر لهم الحماية رغم التزامهم بالسلام، يجب عليهم التفكير في الهجرة.
٣- إذا كانت الهجرة ممنوعة أو لم تكن الدول المجاورة مستعدة لاستقبالهم، فعليهم أن يتحلوا بالصبر ويعتمدوا سياسة اللاعنف حتى تأتي قوة خارجية لدعمهم.
6- إجبار الفلسطينيين على الرحيل: الحفاظ على الحياة
في حال إجبارهم على الرحيل رغم التزامهم بالسلام، وإذا كانت المجتمع الدولي يتجاهل الظالمين، عليهم الاختيار بين حياتهم وأرضهم. في هذه الحالة، يجب أن يفضلوا حياتهم، لأن القتال في هذه الظروف قد يؤدي إلى فقدان حياتهم وأرضهم معًا. أما إذا هاجروا فسيحافظون على حياتهم وتستمر الفرص لتحقيق أهدافهم في المستقبل. في هذا السياق، العقل يوجه باتباع هذا الخيار، ويجب أن يكون هذا الخيار هو الموقف الجماعي أيضًا.
7- الإبادة الجماعية: الدفاع عن النفس في حالة الضرورة
لكن إذا استمروا في السعي للسلام ورغم ذلك تعرضوا للإبادة الجماعية، فهذه حالة اضطرارية. في هذه الحالة، يمكنهم القتال للدفاع عن أنفسهم حتى الشهادة، ولكن من المهم أن ندرك أن هذه الحالة لا يعاني منها غالبية الفلسطينيين، الذين يواجهون الدمار نتيجة الأعمال العسكرية لحركة حماس.
8- حركة حماس: الحرب الهجومية والتصعيد المستمر
حركة حماس لا تقتصر على خوض الحرب في سياق الدفاع فقط، بل تتجاوز ذلك لتقوم بالهجوم حتى في الأوقات التي لا تشهد فيها حربًا نشطة. هذه ليست حرب دفاعية، بل هي دعوة للمبارزة، حيث تقوم بتهديد العدو ثم تختفي قواتها في الأنفاق، تاركة المدنيين عرضة للهجمات الجوية من صواريخ وقنابل. هذه التصرفات ليست مجرد رد فعل عاطفي على الهجمات، بل هي خطوات استباقية تساهم في تصعيد المعاناة وتفاقم الصراع.
9- التوجيهات الدينية في مقاومة الظلم والعدوان
في الإسلام، ليس على الضعفاء والمظلومين أن يقاوموا دائمًا باستخدام السلاح. بل يجب على المسلمين أن يتخذوا قراراتهم بناءً على تقييم واقعهم وقوة العدو، بحيث يختارون ما إذا كان من الحكمة القتال أو تجنب الحرب في أي لحظة. ففي سورة الأنفال (الآية ٦٥)، تم تحديد نسبة القوة بين المؤمنين وأعدائهم، حيث كان يفترض أن عشرين من المؤمنين قادرين على هزيمة ٢٠٠ من أعدائهم. وبعد فترة، تم تعديل هذه النسبة إلى ١:٢ بسبب دخول المسلمين الجدد وضعف قوتهم. بعد ذلك، تم تعديل هذه النسبة إلى ١:٢ بسبب تراجع بعض القوة بسبب دخول المسلمين الجدد إلى صفوفهم، مما يعكس حقيقة أن القوة العسكرية تظل متغيرة حسب الظروف.
إِنَّ اللَّـهَ قَدْ خَفَّفَ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۖ فَإِنْ يَكُن مِّنكُمْ مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال:٦٦)
تبيّن هذه الآية أن الله قد خفّف عن المؤمنين في فترة ضعفهم، وأصبحت لديهم القدرة على التغلب على أعدائهم رغم تفوقهم العددي. حيث جاء هذا التوجيه في إطار ضرورة مراعاة القدرات الفعلية للمجاهدين، وأنه يمكن تحقيق النصر من خلال الثبات والصبر. كما توضح أن القرار القتالي يجب أن يستند إلى تقييم القوة والمقدرة الفعلية، مع مراعاة الفجوة التكنولوجية التي قد تكون عاملًا رئيسيًا في تحديد النجاح في المعركة.
10- تطبيق المبادئ الإسلامية في العصر الحديث
هذا المبدأ الإسلامي لا يقتصر فقط على التاريخ القديم، بل يمكن تطبيقه في وقتنا الحالي. فعلى الرغم من أن البعض قد يتأثر بالأيديولوجيات القومية التي أوجدت في القرنين التاسع عشر والعشرين، والتي كانت تمجد التضحية بالأرواح من أجل السلطة أو الأرض، إلا أن الإسلام يولي قيمة عالية لحياة الإنسان، ويراعي أنه في حال الضرورة، يمكن للإنسان أن يحفظ حياته بأي وسيلة، حتى لو اضطر للتهرب من القتال أو الهجرة إذا كان هناك خطر كبير.
١1- الحكمة الإسلامية في مقاومة الظلم: دعوة للتقييم الواقعي
يجب على المسلمين أن يفهموا أن فرض القتال حتى الموت ليس فرضًا في كل الأحوال، وإنما يتطلب التقييم الواقعي للقدرات والظروف. رغم التسهيلات التي منحها الله للصحابة في أوقات ضعفهم، إلا أن بعض المثقفين والعلماء في وقتنا الحالي لا يزالون يصرون على اتباع أساليب مقاومة مستوحاة من الخارج، مما يؤدي إلى هزائم متكررة. وفي النهاية، لن يتغير هذا الوضع إلا إذا تبنى المسلمون الحكمة التي وجههم الله إليها في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
