أية سورة من القرآن أنزلت أولًا؟
(الحلقة الثالثة)
(مقطتف من شرحه الحافل للجامع الصحيح البخاري تحفة القاري بشرح صحيح البخاري)
]المختارات هو قسم مخصص لاختيارات من كتابات المؤلفين القدماء والجدد، وهدفه تقديم الفكر والنظر للماضي والحاضر أمام القراء والدار سين. ويتم فيها اقتباس مقاطع من تصانيف ممثلة لعلماء الماضي والتي تسلط الضوء على أفكارهم وأساليبهم، وكذلك تُضاف كتابات المؤلفين الجدد الفعّالة والموثوقة.وليس بالضرورة أن يتفق مدير التحرير والمؤسسة مع محتويات هذا القسم. الإدارة[
وقال مسلم حدثني محمد بن رافع ناعبد الرزاق انا معمر قال قال الزهري وأخبرني عروة عن عائشة وساق الحديث كمثل حديث يونس غيرأنه قال"فوالله لايحزنك الله أبداً"(صحيح مسلم 1 ص90) وهو خطأ أن محمد بن رافع شيخ مسلم إذ كتب هذا الحديثَ عن عبد الرزاق لم ينقط لايحرىك الله" فقرأه بعد لايحزنك الله والصواب الثابت فيه: لايخزيك الله" وذكريحيي بن بكير يرجف فؤاده والصواب يرجف بوادره كما ذكره يونس بن يزيد ومعمر والبوادر هي اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان وذكريحيي بن بكير "الرؤيا الصالحة" والصواب الرؤيا الصادقة كما في رواية يونس ومعمر وكذلك أخطأيحي بن بكيرفي وصف ورقة إذ ذكر وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب والصواب ما في حديث يونس ومعمر، ومعناه أن ورقة إذ رجع من الشام إلى مكة فكان يقرأ على الناس الإنجيل بالعربية أي يترجمه لهم وبداله أن يكتب ذلك فطفق يكتب الإنجيل بالعربية ولكنه لم يتم له ذلك لأنه صارأعمى.
(التراجم) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفربن اليمان الجعفي أبو جعفر البخاري المسندي حافظ ثقة متقن،روى عن أبيه عن ابن عيينة وعبد الرزاق وابن مهدي وغيرهم وعنه البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة ومحمد بن نصرالمروزي وغيرهم قيل له المسندي لأنه كان يطلب الأحاديث المسندة ويرغب عن المرسلات ،مات ببخارى في ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومأتين.
عبد الرزاق بن همام بن نافع أبوبكرالصغاني الحميري ثقة ثبت متقن من العلماء الكبارغيرأنه كان شيعياً يسيئ الظن بمعاوية وعمروبن العاص ومن كان معهما ولكن الله حفظه من الوقوع في شبكة الرفض فلم يكن يشتم الخلفاء الثلاثة ولايفضل علياً على الشيخين.إنه كان يفضلهما عليه قال والله ماانشرح صدري قط أن أفضل علياً على الشيخين.رحم الله أبابكروعمروعثمان من لم يحبهم فماهو بمؤمن، ومن أجل تشيعه لايلتفت أهل العلم إلى ماروى من أحاديث في فضائل على وأهل بيته ومثالب من حاربه،فأنه تلقاها من غير الثقات، روى عن أبيه وعمه وهب ومعمر وعبيد الله وعبد الله العمريين، وابن جريج وعكرمة بن عماروغيرهم وعنه وكيع وأبوأسامة وأحمد واسحاق وغيرهم ،ولد سنة ست وعشرين ومأة ومات في شوال سنة إحدى عشرة ومأتين.
معمر بن راشد الأزدي الحداني أبوعروة الجزري البصري:سكن اليمن كان ثقة ثبتاً حافظا متقنا ورعاً.ولما دخل صنعاء كرهوا أن يخرج من عندهم فقال لهم رجل قيدوه فزوجوه. روى عن الزهري وقتادة وثابت البناني وعاصم الأحول وغيرهم وعنه يحي بن أبي كثيروأبواسحاق السبيعي وأيوب وعمروبن دينار وهم من شيوخه وسعيد بن أبي عروبة وأبان العطار وابن جريج وعمران القطان وهشام الدستوائي وسلام بن أبي مطيع وشعبة والثوري وهم من أقرانه وابن المبارك وابن عيينة وعيسى بن يونس وغيرهم. وقال يحي بن معين إذا حدثك معمرعن العراقيين فخالفه،حديثه مستقيم مارواه عن الزهري وابن طاؤس وأما حديثه عن أهل الكوفة وأهل البصرة فلا- وماعمل في حديث الأعمش شيئاوحديثه عن ثابت البناني وعاصم بن بهدلة وهشام بن عروة مضطرب كثير الأوهام .مات في رمضان سنة أربع وخمسين ومأة وهو ابن ثمان وخمسين. وقال الطبراني أن معمراً فقد فلم يُرله أثر، وذكرابن سعد أن ابن عيينة سأل عبد الرزاق أخبرني عمايقول الناس في معمرأنه فقد.فقال مات معمرعندنا وحضرنا موته وخلف على أمرأته قاضياً مطرف بن مازن.(من تهذيب التهذيب)
شرح الحديث وبيان معناه
قالت السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كماسمعت منه "أول مابدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة" لماكان تلقي أمور الغيب في المنام أيسر وأسهل منها في اليقظة بُدئ الوحي بالرؤيا الصادقة كي يتمرن رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلقي أمورالغيب والانتقال من الخفيف إلى الثقيل بالتدريج أسهل وأيسر طبعاً. ولم يذكر في حديث صحيح تعيين مدة الرؤيا وذكر الحافظ ابن حجر أن البيهقي قال أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهرولم يذكره مستنده فالله أعلم بالصواب.
قالت "ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغارحراء" قد تبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بلغ سٍن الشعورتبين الصبح لذي عينين أن دين قومه وأهل بلدته وهو الشرك بالله وعبادة الأوثان باطل قطعاً ،لاينبغي لعاقل أن يتدنس به وأعماله ومراسمه كلها واجبة الاحتراز والترك فانهامباينة للعقل وقد كان سمع من أكابر القوم أن قريشاً من ذرية إسماعيل بن إبراهيم وانهما كانا من عباد الله الصالحين، بنيا الكعبة لعبادته ولكن لم يبق من دينهما إلاقليل، فكلما ازداد رسول الله عمراً ازداد بحثاً عن دين إسماعيل وإبراهيم فلم يظفربه وجُل ماعلمه منه التسبيح والتهليل والتكبير والاعتكاف والصيام والحج فاشتغل في عبادة ربه بهذه المناسك حتى إذا بلغ أشده وأتم أربعين سنة من عمره ربطه الوحي المنامي بعالم الغيب فغلبه حب الله والاشتغال في عبادته فصار ينزوي ويعتكف في غارحراء منقطعاً من الدنياوأهلها فإذا نفد ماعنده من الزاد رجع إلى بيته فتزود ورجع إلى المعتكف.
قالت "فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد"زعم الزهري أن يتحنث بمعنغ يتعبد مشتق من التحنث بمعنى التعبد. ولهذا ادرج فيه قوله توضيحاً وهو التعبد" الضمير هو راجع إلى التحنث المذكور في ضمن يتحنث كما في قوله تعالى: اعدلوا هو أقرب للتقوى الضميرراجع إلى العدل المذكور في ضمن اعدلوا . والليالي منصوب على الظرفية، وحكى ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" أن الزهري صحف يتحنف بقوله يتحنث ومعنى التحنف العمل بالحنيفية والمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله بأذكار وأشغال علمها من الملة الحنيفية- والمراد الليالي بأيامها-ولم يذكر في الحديث عددها ولكن يعين ذلك ماثبت من عادة النبي صلى الله عليه وسلم من أنه كا يعتكف بعد النبوة في كل رمضان العشر الأواخر فيفهم من ذلك أن اعتكافاته بغارحراء كانت عشراً فعشراً فعشراً- إلى أن فجئه الحق في غارحراء فجاءه الملك ولم يره رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قط ولم يكن له به علم ،وماأتاه أحد قط في معتكفه فاندهش لرؤيته من هذالعظيم الجسيم الجميل المهيب من أين أتى ولماذا اتى؟فإذا هو يقول له اقرأ فاعتذرإليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ما أنا بقارئ، زعم أنه يريد مني إحداث القراءة وإيجادها قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم ارسلني فقال اقرأ فقلت ماأنا بقارئ قال فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم ارسلني فقال اقرأ فقلت معتذراًماأنا بقارئ قال فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم ارسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم "
أقول إن من مقتضى الحب أن يضم المحب حبيبه إلى صدره ويعانقه،ولم يزل جبريل الأمين محباً لكل رسول .وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم أحبته من الرسل وكان يعرف ماله من القدروالمنزلة عند الله تعالى فكان يحبه بأعماق قلبه ولم يؤذن له قبل هذه الليلة في لقائه وزيارته عياناً. فاقدرماكان به من الأشواق . ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرفه من قبل ولم يعرفه الآن فإنه لم يعرّف إليه نفسه فلهذا ماكان النبي صلى الله عليه وسلم مشتاقاً إليه مثله ولم تكن نارالحب متأججة موقدة حينذاك في القلبين معاً ومن أجل ذلك توحش النبي صلى الله عليه وسلم من غطّه وتألم منه طبعاً.ثم إن جبريل أراد أن يلقي إليه ماأرسله الله به من أوائل سورة العلق وكانت كلمة اقرأ اولَ كلماتها فلما تكلم جبريل بهذه الكلمة ظن المخاطب الكريم عليه التحية والتسليم أن هذا الرجل يأمرني بالقراءة ويطلب مني أن اقرأ فاعتذر إليه على الفور قائلا: ما أنا بقارئ. فهاج اعتذاره المبني على العجلة والسذاجة عجبا وحباً له مزيداً في قلب جبريل. سبحان الله هذا الذي سيؤتيه الله من العلم مالم يؤت أحدقبله ولايؤتى أحد بعده كيف يقول ماأنابقارئ لماذا يعجل في الاعتذار ولايصبرحتى يسمع تماماً ماأمرتُ بإلقائه إليه،فأخذه فغطه تعجباً وحباً ثلاث مرات ثم أسمعه تمام الكلام وهذا الذي قلت هو توجيه بسيط،وهناك وجه أدق منه وأحق وهو أن المؤثر يتصرف في محل التأثير إبرازاً لمافيه من صلاح التأثر، ألاترى أن الفلاح يحرث للزراعة وأن الصانع يُذيب الذهب ويدقه حين يصوغ منه حلية ،فأمرالله جبريل بغط النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً إبرازاً لمافي قلبه من صلاحية الأخذ والتلقي للعلوم المباركة التي أراد الله إلقاءها إليه على التدريج فكان الله هو المؤثر وكان جبريل آلة التأثير وكان النبي صلى الله عليه وسلم محل تأثيره. وإنما لم يعرّف جبريل نفسه إليه ولم يقل له إن الله أرسلني إليك وأن الله قد شرفك بنبوته ورسالته لأن الله لم ياذن له بذلك وإنما أراد إلقاءه في الحيرة والدهشة والتفكر،وماكان لجبريل أن يقول له مالم يأذن به الله،فلما ألقى إليه جبريل تلك الآيات غاب عن نظره فأدركه من الهول والدهشة مالايحيط به بيان ولايمكن أن ينطق به لسان فلم يستطع أن يمكث في الغارفرجع إلى بيته في دياجير الليل وهو يردد الآيات وبوادره ترجف. وكان ترديده الآيات لأنها بكلماتها الوجيزة ومعانيها العميقة البليغة أخذت فيه وأثرت في قلبه تأثيراً.كيف لاوقد عرف بها ربه الكريم بصفاته الحميدة من الربوبية والخلق والكرم والتعليم. وقدمت إليه تلك الآيات بشرى عظيمة وأنبأته بمنزلته من ربه رفيعة. قال الله تعالى: إقرأ باسم ربك الذي خلق"أي خلق كل شيئ فحذب المفعول به قصداً للعموم، والباء صلة للقراءة والمعنى أذكراسم ربك الذي خلق كل شيئ ذكراً كثيراً "خلق الإنسان من علق"ذكرخلق الإنسان تخصيصاً بعد التعميم. والعلق هو العلقة أي النطفة المستقرة في الرحم المتحولة إلى قطرة جامدة من الدم. وتلك العلقة التي يخلق الله منها الإنسان حيث يجعلها مضغة ثم يكسوها العظام ثم يكسوها لحماً ويصورها وينفخ فيها الروح ثم يخرجها وليداً مستورةً في رحم المرأة لايراها أحد ولايعلمها ولكنها صالحة مستعدة لكونهاإنساناً ثم إن الأنسان حين خلقه الله من بطن أمه لم يكن يعلم شيئاً فجعل يعلم ويعرف شيئاً فشيئاً بسمعه وبصره وفؤاده وطفق يزداد علماً وبصيرةً كلما ازداد سناً بتلقي العلوم والمعارف من والديه وممن يعاشره ويصحبه ويربيه من الذكور والإناث حسبَ ما سن الله تعالى. وقد يهديه الله للكتابة فيعبرعمايعلم بالقلم كما يعبرعنه باللسان يفيد ويستفيد ويقيد علومه بالكتابة وإلى هذا أشار الله بقوله:إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم"والله هوالمعلم كماأنه هو الخالق وتعليمه الإنسان يبدو ويظهر تحت أسباب معلومة وفي أيام مقدرة، ومن العباد من يمنحه الله العلم بدون هذه الأسباب العامة المعلومة وحياًمنه وإلهاماً فينكشف لهم من الحقائق مالاينكشف لغيرهم من العلماء كماأن منهم من خلقه الله بدون هذه الأسباب المعلومة من جماع الزوجين واستقرار النطفة في الرحم وتحولها إلى العلقة ثم إلى المضغة.فخلق الله آدم وزوجه والمسيح بن مريم بدون هذه الاسباب وخلق أول فحل وأول أنثى من الحيوانات المتناسلة وكذا خلق المخلوقات التي لاتتوالد ولاتتناسل.
كان عبد الله الفريد الوحيد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي في قريش وبمكة قبل البعثة كالعلقة المستورة الصالحة أن تكون إنساناً على قدرمعلوم صالحاً مستعداً للتشرف بالنبوة منتهى الشرف الإنساني.فالذي يخلق الإنسان من العلق قد أراد الليلة أن ينشئ رسولاً جليل الشأن نبيه الذكرمن عبده هذا الذي لايعرف أحد قدره ومكانته .إنه أمي لايكتب ولايدرس ولكن الذي علم الإنسان مالم يكن يعلم وهداه لتحصيل العلوم بالقرأة والكتابة قد أراد أن يفضله على العلماء كافةً ماضيهم وآتيهم ويفتح عليه أبواباً من العلم لم تفتح على أحد قبله ولاتفتح على أحد بعده.
ولمابلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خائفاً مندهشاً بيته في غيرأوانه ورأته زوجه الكريمة خديجة الصديقة رضي الله عنها هالها حاله وأفزعها منظره وقال لها زملوني زملوني فزملته حتى دفئ واطمئن وسكن روعه فسألته عن حاله فأخبرها بماجرى له وقال لقدخشيت على نفسي ظاناً أن ذلك الرجل يُهلكني غطاً- فقالت ولله درها من قائلة حكيمة عاقلة راشدة كلاماكنتَ ليصيبك ماخشيتَ فانك حبيب الله ووليه قطعاً فوالله لايخزيك الله أبداً فإن المحب لايهنئاله هوان حبيبه وخزيه والصديق الصادق المحبة يُكرم صديقه ويُعزه ويحب بمقتضى الحب أن يُكرم ولايُهان بشيئ فيذود عنه مااستطاع. وذكرت البرهان الواضح الجلي على كونه حبيب الله رفيع القدرلديه بقولها:
"إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق، وتقري الضيف ،وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة" الكل بفتح الكاف ثقل القرض والنفقة أرادت بقولها تحمل الكل من علمته مَدينا أومُغرما ولايستطيع أن يؤدي الواجب عليه فانت تقضيه عنه ومن وجدته قد عجز عن نفقة عياله فانت تؤتيه من المال مايقضي به حاجته وبقولها تكسب المعدومَ انك تصنع الجميل المؤتنف الجديد الذي لم يصنعه أحد قبلك من بروإحسان كان معدوماً فأنت توجده، والنوائب بمعنى الحوادث والنوازل وهي على نوعين نوائب الحق ونوائب الباطل أما نوائب الباطل فهي نتائج السئيات الكسبية مثل إهلاك الأموال في الخمر والميسر والزنا والفواحش، وأما نوائب الحق فهي الحوادث القدرية كانهدام البيت بالمطر وفساد الزروع لكثرةالأمطارأو قحوطها وموت كفيل البيت عن عيال لامتكفل لهم. وحاصل ماوصفت به زوجها الكريم صلى الله عليه وسلم أنه ينفع عباد الله وينصح لهم ويُغيثهم وينصرهم فهو وليهم الحميم وومحبهم الرحيم ومن كان كذلك فهو ولي الله وحبيبه- وهذا أمرجلي البرهان لأن من أحب أولادك واسدى إليهم ونفعهم بما استطاع أحببته وكانت له مكانة في قلبك وقلت إنه شريف كريم ومن عاداهم وآذاهم قولاً أوفعلاًبدون ذنب كرهته ساخطاً عليه وقلت إنه دني رذيل،وكذلك مَن صدقك الحب والود أحب عيالك وأطفالك وما أحسن قول الشاعر:
ومن بينات الحب أن كان أهلها أحبَ إلى قلبي وعيني من أهلي
فمن أحبك أحب أهلك ومن أحب أهلك وأحسن إليهم أحببته. والأمران متلازمان. ولكن ليست محبة الوالدين لأولادهما وشفقتهما عليهم بشيئ يُذكر في جنب رحمة الله بعباده فهو أرحم الراحمين وأرحم وأبربعباده من الوالد بأولاده. والمخلوقون كلهم عيال على الله فمن أحسن إليهم وأحبهم أحبه الله ومن أساء إليهم وآذاهم ابغضه الله.
تنبيه هام:
(1)البرهان المذكوركفى به قاطعاً راداً لمااشتهرفي العامة من الاعتقاد بولاية المجانين والقول بأنهم أحباء الله من خاصة عباده المقربين وهذا مما شهرته الصوفية الجاهلون اللاعبون بعقول الناس إنهم قسموا أولياء الله إلى قسمين سالك ومجذوب ولاأصل لهذه القسمة بل إنها من أبطل الأباطيل.
2- ولا تلفت إلى ماذكره الشارحون في شرح قوله "لقد خشيت على نفسي" ولايذهب عنك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل أخشى على نفسي وإنما قال "خشيت على نفسي" وماذكره الشارحون من ابن حجروغيره من التوجيهات فهو وارد وينطبق على أخشى لاعلى خشيت.واطمئن النبي صلى الله عليه وسلم بالتدبر في معاني الآيات التي رجع بها من غارحراء أن هذا الأمرمن الله وإن لم أعرف حقيقته ولم أدرِ مَن كان ذاك الذي غطني ثلاث مرات ثم التي القى اليّ هذه الكلمات الطيبة اللذيذة. سينكشف ذلك عن قريب واطمأنت السيدة خديجة بأن ماجرى له ليس من الجنن ولامس الجن ولا المرض في شيئ. هو أمر حق كما يليق بشأن زوجها الكريم ومن ثم لم ترد أن تذهب به إلى طبيب أو راقي أو كاهن وأرادت أن تذهب إلى شيخ كبير عالم رباني من أسرتها ورقة بن نوفل لعله يشفي الغليل ويحل المشكلة لما عنده من العلم والبصيرة والنظر في الكتب. وكان ابن عمها وأكبرمنها سناً بكثير وكان قد خرج في شبابه مع زيد بن عمرو بن نفيل إلى الشام فلقي الرهبان الربانيين فتنصرولازمهم دهراً وتعلم العبرانية ثم رجع حين شاخ إلى مكة وأخذ يترجم الإنجيل بالعربية ولكن لم يتم له هذا المرام فإنه عمي فكان منزويا في بيته ولم يلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولازاره قط فأرادت خديجة أن تذهب به إليه فكره أن يرد عليها مشورتها وماكان يشعربحاجة من نفسه إلى لقائه في ذلك. فدخلاعليه وقالت ياابن عم اسمع من ابن أخيك، لم تقل زوجي حياءً ولم تقل "من محمد" تأدباً وكان ورقة وعبد الله بن عبد المطلب يجتمعان في عداد النسب إلى قُصى بن كلاب فكان عبد الله بمنزلة أخ لورقة فسأله ورقة بحنان وشفقة عماجرى له فقال ورقة: هذا الناموس أنزل الله على موسى ياليتني فيها جزعاً اكون حيا حين يخرجك قومك. هكذا في روايات هذا الحديث. فإلى أي شيئ يرجع الضمير في قوله فيها ليس في العبارة لفظ يصلح أن يكون مرجعا له، لأن الزهري اسقط شيئا من العبارة نسياناً كان ورقة قال للنبي صلى الله عليه وسلم "وإن بين يديك أياماًشديدة ياليتني فيهاجزعاً ولاتصح العبارة بدون ذكرهذا الساقط .ولاعجب في نسيان الزهري ولكن العجب كل العجب أن الذين رووا هذا الحديث عن الزهري وسمعوه منه لم ينتبه أحد منهم على ذلك ولم يسألوه عن ذلك.لأن المحدثين والرواة كانوا لايعتنون بمعنى مايحدثهم شيوخهم ،إنما كانوا يعتنون بحفظ الأسناد وحفظ مايحدثونهم شيوخهم من المتون ثم يروون لتلاميذهم ماحفظوا من شيوخهم إن خطأ فخطأ وإن صواباًفصواباً.ابتلى المحدثون بهذه البلية كافة المتقدمون منهم والمتأخرون أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم .
والناموس سفير الخيروصاحب السرالمطلع على باطن الأمر، أراد به ورقة الروح الأمين جبريل فإنه الذي كان يأتي بوحي الله إلى رسله ولكن ورقة لم يسمه، وإنما علم ذلك ورقة لأنه كان من علماء النصارى وأحبارهم، قرأ التوراة والانجيل وعلم أن عيسى بن مريم عليه السلام بشرأمته برسول يأتي من بعد اسمه أحمد،وقرأ في سفرالتثنية من الكتاب المقدس أن موسى عليه السلام قال: جاء الرب من سيناء وأشرق من ساعيروتجلى من فاران. وماكان جاهلاببشارات الأنبياء داؤد ويرمياه وحزقيل، وقد علم أن الذي تزوجته أخته بنت عمه خديجة يسمى أحمد ولم يخف عليه طيب سيرته المرضية، فأذ ذكرله رسول الله صلى الله عليه وسلم ماجرى له بغار حراء فهم على الفور أنه هو المبشربه على لسان الأنبياء قد بعثه الله هدى للناس وإن لم يخبره به الناموس فسيخبره عن قريب فمن ثم أخبررسول الله صلى الله عليه وسلم بدون شائبة من الشك أن قد أتاك الناموس الذي كان ينزل على موسى وإنك ستقوم بما قام به الرسل من قبلك تدعوقومك إلى الله وتنهاهم عن القبائح والسيئات وتأمرهم بالحسنات والصالحات ولكنهم لايجيبون دعوتك بسهولة وسيخرجونك من مكة وليتني أكون حياًحينئذ فأحميك وأذود عنك. ولم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن معنى الناموس وعن موسى لأنه قد كان مطمئنا بأن الأمور كلها ستنكشف عليه وقد علم علماً إجمالياً بديهياً ضرورياً بنبوته كما يعلم الوليد ببنوته علماً ضروريا أنه ابن فلان وفلانة.
فإياك وأن تظن أنه علم بنبوته من جهة ورقة،فإن الأمرلوكان كذلك لسأله عن الناموس من هو ومن أين يأتي ولماذا أتاني وغطني ولكن عروة صدق علمه الضروري، إلا أنه استبعد إخباره بأنه قومه يخرجونه من مكة لماكان يعلم من إجلالهم له وإكرامهم واحترامهم إياه. وأنهم إذا ذكروه ذكروه بما لقبوه باسم الصادق الأمين.فكيف ينقلب الحال فقال لورقة متعجباً مستبعداً أو مخرجي هم؟ذكرالزهري أن ورقة قال نعم لم يأت أحد بمثل ماجئت به إلا عودي وأوذي وإن يدركني يومك انصرك نصراًمؤزراً.
وأرى الزهري أخطأ إذ ذكربمثل ماجئت به، والصواب بمثل ماتاتي به. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت قومه بشيئ إذ وقعت هذه المحادثة بينه وبين ورقة، وإنما يأتيهم بمايأتيهم من الله في الزمن الآتي،فلايصح أن يعبرعنه ورقة بصيغة الماضي.اللهم إلا أن يقال أنه لماكان على يقين كامل من وقوعه عبرعنه بصيغة الماضي كما قال الله تعالى: ونفخ في الصور(يسين: 51) وقول ورقة رحمه الله للنبي صلى الله عليه وسلم :هذا الناموس الذي نزل الله على موسى يدل على أنه لم يكن من النصارى الضالين المفرطين فأنه ذكرموسى ولم يذكرعيسى عليهما الصلاة والسلام لماكان يعلم من أن عيسى بن مريم إنما كان من الرسل الذين بعثهم الله في بني إسرائيل وإليهم ليحددوا لهم دين موسى ويحيوه ماأماته عنه بنوإسرائيل ولم يكن مبعوثاً بدين مستقل مؤتنف بل كان تابعاً في الدين والشرع لموسى،والحق أن الله تعالى إنما بعث في سلالة إبراهيم رسولين اثنين موسى بن عمران ومحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. والذين تشرفوا بالنبوة من ذرية إبراهيم قبل موسى كانوا على دين إبراهيم ،ثم بعث الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بدين جامع كامل متضمن لملة إبراهيم خاصة.
(للبحث صلة )
