logo
أخرى

الخطأ في التأويل

الخطأ في التأويل

[ كتب الأستاذ جاويد أحمد غامدي هذا المقال في عام ١٩٩٠، وهو مضمّن في كتابه "برهان" ]

توجد آيتان في القرآن الكريم اعتبرهما بعض العلماء في هذا العصر أساسًا لتحفيز جهودهم من أجل غلبة الدين، واستندوا إليهما لإضافة "فريضة إقامة الدين" إلى الواجبات الدينية.[1] ولكن، في رأينا، هذه التأويلات غير صحيحة من ناحية القواعد العربية، وهي تتعارض تمامًا مع المقصود الحقيقي للقرآن الكريم. لذا، نقدّم في هذه الدراسة تفسيرًا مدعومًا بالأدلّة لإيضاح موقفنا.

الآية الأولى:

هُوَ الَّذِي اَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. (الصف:٩)

دعونا نتأمل في هذه الآية، فهي تبيّن سنّة إلهية ثابتة تتعلق بإرسال الرسل، حيث أن الله سبحانه وتعالى، عندما تستكمل الحجّة على أي قوم بواسطة رسوله، يهب للرسول الغلبة عليهم. قد يغلب النبي، من قِبل قومه[2]، أما الرسول فلا بد أن ينتصر عليهم، سواء تحقق له هذا النصر في حياته، أو بعد وفاته على يد أتباعه وأنصاره. وتؤكد هذه الفكرة أيضًا ما جاء في سورة المجادلة، حيث قال الله تعالى:

"اِنَّ الَّذِيْنَ يُحَآدُّوْنَ اللّٰهَ وَرَسُوْلَهٗ٘ اُولٰٓئِكَ فِي الْاَذَلِّيْنَ كَتَبَ اللّٰهُ لَاَغْلِبَنَّ اَنَا وَرُسُلِيْﵧ اِنَّ اللّٰهَ قَوِيٌّ عَزِيْزٌ." (٢٠-٢١)

النبي صلى الله عليه وسلم كان أيضًا رسولًا من الله، لذا ورد في القرآن الكريم تأكيد لهذه السنة بالنسبة له. حيث أخبر الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم سيكون له الغلبة على قومه، أي مشركي العرب. وقد جاء ذلك صريحًا في سورة الفتح، حيث قال الله تعالى:

"وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لَوَلَّوُا الْاَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُوْنَ وَلِيًّا وَّلَا نَصِيْرًا سُنَّةَ اللّٰهِ الَّتِيْ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُﵗ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّٰهِ تَبْدِيْلًا." (٢٢-٢٣)

كيف تم تحقيق هذه السنّة؟

يظهر القرآن الكريم أن الصحابة الكرام أمروا بالقتال ضد المشركين، وكان الهدف من هذه الحرب واضحًا لهم: إمّا أن يسلم المشركون أو يقضى عليهم. قال الله تعالى في سورة الفتح:

"تُقَاتِلُوْنَهُمْ اَوْ يُسْلِمُوْنَ."(١٦)

وقد أمروا بالقتال حتى تسود كلمة الحق في جزيرة العرب. وتم إخبارهم بأنه إذا لم يُغير المشركون من نهجهم ولم يقبلوا الإسلام، فإن مصيرهم سيكون مشابهًا لمصير الأمم السابقة التي كذبت برسلها. في سورة الأنفال، يقول الله تعالى:

"قُلْ لِّلَّذِيْنَ كَفَرُوْ٘ا اِنْ يَّنْتَهُوْا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَﵐ وَاِنْ يَّعُوْدُوْا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْاَوَّلِيْنَ وَقَاتِلُوْهُمْ حَتّٰي لَا تَكُوْنَ فِتْنَةٌ وَّيَكُوْنَ الدِّيْنُ كُلُّهٗ لِلّٰهِﵐ فَاِنِ انْتَهَوْا فَاِنَّ اللّٰهَ بِمَا يَعْمَلُوْنَ بَصِيْرٌ." (٣٨-٣٩)

وقد وعدهم الله تعالى بأنهم سيحققون الغلبة والتمكين في جزيرة العرب نتيجة لهذه الحرب. في سورة النور، قال الله تعالى:

"وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِهِمْﵣ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيْنَهُمُ الَّذِي ارْتَضٰي لَهُمْ."(٥٥)

التاريخ يشهد أن الله تعالى قد تحقق وعده في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث غلب دين الحق على جميع الأديان في جزيرة العرب. وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" [3]، أي أنه لا يمكن أن يكون هناك دين آخر مع دين الحق في جزيرة العرب.

وبذلك تحققت سنة الله في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وهي سنة أبدية كما ورد في القرآن الكريم. الآية التي نتناولها في سورة الصف تتعلق بهذه السنة، حيث إن الضمير المرفوع في "ليظهره" يعود إلى "الله"، بينما الضمير المنصوب في "الهدى" يعود إلى "الدين الحق".

أما عبارة "الدين كله" فهي معطوفة على "ولو كره المشركون"، وكلمة "المشركون" في القرآن تشير دائمًا إلى مشركي العرب. لذا، فإن "الدين" هنا يقصد به جميع الأديان في جزيرة العرب.استنادًا إلى هذا التحليل، يمكننا أن نفهم معنى الآية على النحو التالي:

"هو الذي أرسل رسوله بالهدى، أي دين الحق، ليعليه على جميع الأديان في جزيرة العرب، رغم أن ذلك قد يكرهه المشركون."

وفقًا لقواعد اللغة العربية والأمثلة القرآنية، يمكن أن تكون ترجمة الآية على هذا النحو فقط، ومن خلال هذه الترجمة يتبين أنه لا علاقة لهذه الآية بجهاد أي شخص من أجل غلبة الدين في العصر الحاضر. إن مخاطبي سورة الصف هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضوع السورة يتناول تحفيزهم على الجهاد لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم. هذه النصرة، كما ورد في القرآن، هي حق خاص بمؤمني النبي صلى الله عليه وسلم. في السورة، تم تحذير المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم من الإخلال بهذا الحق، تمامًا كما قصرت أمة بني إسرائيل عن الوفاء به تجاه أنبيائهم. ثم يتم تبشيرهم بأن  الله سيمنح رسوله الغلبة، تليها دعوة لهم إلى الجهاد من أجل تحقيق هذا الهدف، مع تأكيد على ضرورة أداء حق النصرة. في النهاية، يذكر مثال حواريي النبي عيسى عليه السلام، الذين لبوا طلب رسولهم في أداء هذا الحق دون تردد، فمكّنهم الله من الانتصار على أعدائهم.

وقد وردت هذه الآية في أماكن أخرى من القرآن بنفس السياق، مما يوضح أن هذا الحكم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابيّه فقط. وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، لا يحق لأي شخص حتى قيام الساعة أن يربط هذا الحكم أو مقتضياته بجهاد شخصي أو جهد فردي.

الآية الثانية:

"شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّيْنِ مَا وَصّٰي بِهٖ نُوْحًا وَّالَّذِيْ٘ اَوْحَيْنَا٘ اِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهٖ٘ اِبْرٰهِيْمَ وَمُوْسٰي وَعِيْسٰ٘ي اَنْ اَقِيْمُوا الدِّيْنَ وَلَا تَتَفَرَّقُوْا فِيْهِ." (الشورى: ١٣)

تبيّن الآية الكريمة في بدايتها أن النبي محمدًا ﷺ لم يأتِ بدين جديد، كما أن أيّا من الأنبياء الذين سبقوه لم يكن مؤسّسا لدين مستقل، بل هناك دين واحد هو الدين الحق، أنزله الله على جميع الأنبياء. فقد دعا إليه نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، وجاءت بعثة محمد ﷺ استمرارًا لهذه الرسالة الواحدة.

ثم جاء التوجيه الإلهي بأن هذا الدين قد أعطي لجميع الأنبياء وأممهم مقرونا بهذه الوصية: "أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه". فما هو المقصود من هذا التوجيه؟

لفهم المعنى المراد، لا بد من التأمل في ألفاظ الآية، ولا سيما في لفظة "أقيموا"، فهي الكلمة المحورية في هذا السياق، وهي فعل أمر من باب الإفعال.

وفي اللغة العربية، يستعمل هذا الفعل عندما يتعدّى إلى مفعول به مباشر في حالتين:

١- في الأمور المادية، سواء أ كانت على حقيقتها أم على سبيل المجاز.

٢- في الأمور المعنوية والمفاهيم المجرّدة.

في الحالة الأولى، فإنّ المعاني التي تستنتج من تتبع القرآن الكريم وكلام العرب هي كما يلي:

١- التسوية أو الإقامة على الاستقامة، أي جعل الشيء مستقيمًا أو الحفاظ عليه كذلك.

على سبيل المثال، يقال: "أقام الدرع"، أي أزال انحناءها أو اعوجاجها، و"أقام الصف"، أي سوّى الصف وجعله مستويًا.

وقد قال ثعلبة بن عمرو في هذا المعنى:

أكبّ عليها كاتب بدواته، يقيم يديه تارة ويخالف

ومن هذا الباب أيضًا الاستعمال المجازي، كما في قولهم: "أقيموا صدوركم"، أي أزيلوا ما في قلوبكم من انحراف أو زيغ، ووجّهوها نحو الاستقامة والحق.

وقد قال يزيد بن خذاق في هذا المعنى:

أقيموا بني النعمان عنّا صدوركم وإلا تقيموا كارهين الرؤوسا

وجاء في سورة الرحمن:

﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ (الرحمن: ٩) وفي سورة الأعراف:

﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: ٢٩) وفي سورة الروم:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ (الروم: ٣٠)

٢- تثبيت الشيء المتحرك أو غير المستقر. قال بشامة بن غدير في مدح جمله:

فأقام هوْذلة الرّشاء، وإن تخطّي يداه، يمدّ بالضّبع

٣- إيقاف الجالس أو إقامة الشيء قائمًا. يقال مثلًا: "أقام الرجل"، أي جعله يقوم بعد جلوس، و"أقام الجدار"، أي نصبه ورفعه حتى استقام.

وقد ورد هذا المعنى في سورة الكهف، في قول الله تعالى:

﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (الكهف: ٧٧)

ومن هذا المعنى جاء الأسلوب المجازي، مثل قولهم: "أقام السوق"، أي أنشأها أو جعلها قائمة،

وقد أشار ابن خزيمة إلى هذا المعنى في شعره:

أقامت غزالات سوق الضراب لأهل العراقين حولًا قميطًا

وجاء في سورة النساء:

﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (النساء: ١٠٢) وفي سورة الكهف:

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (الكهف: ١٠٥)

هذه هي الحالة الأولى. أمّا في الحالة الثانية، فعندما ترتبط المفاهيم الثلاثة بالحقائق المعنوية، فإن المعاني التي تنشأ هي كما يلي:

١- "إيقاف الجالس أو إقامة الشيء قائمًا"، يقصد به إظهار الشيء أو تفعيله أو تنفيذ حكمه.

على سبيل المثال: "أقم الحق"، أي أظهر الحق، و"أقم الحد عليه"، أي نفذ عليه الحد.

٢- "التسوية أو الإقامة على الاستقامة"، يقصد به تصحيح الأمور أو الحفاظ على صحتها واستقامتها.

كما في قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلہِ﴾ (الطلاق: ٢)

٣. "تثبيت الشيء": أي جعله ثابتًا ومستقلًا ومحفوظًا، مع الحفاظ عليه.

فيما يتعلق بالصلاة، يقال: "أقامها الله"، أي أن الله يثبت الصلاة ويثبت أداءها.

كما في سورة البقرة:

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللہِ﴾ (البقرة: ٢٢٩)

أي: أنهم لن يستطيعوا الحفاظ على حدود الله وتنفيذها.

وفي سورة المائدة، جاء قوله تعالى:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (المائدة: ٦٨)

أي: أنكم لن تكونوا على شيء ما لم تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم، ولن تستقيموا على الحق إلا بذلك.

هذه هي المعاني التي ترجمها معظم مترجمي القرآن الكريم بتعبير "إقامة" و"تثبيت"، أي جعل الشيء ثابتًا ومستمرًا في الحياة، مستقلاً ومحفوظًا، والالتزام به. بمعنى آخر، جعله دستورًا للحياة.

لذا، لاحظوا، قال صاحب "تفهيم القرآن"، الشيخ أبو الأعلى مودودي – عليه الرحمة - ، في تفسيره: "حتى تقيموا التوراة والإنجيل" [4]، ترجمها إلى: "حتى تقوموا بالتوراة والإنجيل ، وكذلك الكتب الأخرى". ثم كتب في تفسيره:

"مرادنا من إقامة التوراة والإنجيل هو اتباعهما بصدق، وجعلها دستورًا للحياة." (تفهيم القرآن ١  /٤٨٧)

بعد هذه التفصيلات، دعونا نتأمل في الآية التي نحن بصددها. بما أن مفعول الفعل "أقيموا"، أي "الدين"، هو شيء معنوي، فإنه لا يمكن ربط الفعل "أقيموا" بالمعنى الأول. وبالتالي، يبقى المعنى الثاني هو الأرجح. في هذه الحالة، نجد أن المعنى الأول يتضمن "الإظهار" و"التنفيذ". أما بالنسبة للمعنى "التنفيذ"، فيمكن أن يكون هذا المقصود، ولكن هناك أمران يمنعان ذلك: الأول هو أنه وفقًا لقواعد اللغة، من الضروري أن يتبع الفعل "أقيموا" مفعولًا آخر، مثل قولنا: "أقيموا الحدود على الناس"، حيث يتواجد المفعول "على الناس". لكن في الآية لا يوجد ما يشير إلى هذا المعنى، ولا دليل يمكن الاعتماد عليه لتأكيده. الثاني هو أن هذا المعنى لا يتناسب مع ما جاء بعده من "لا تتفرقوا فيه"، مما يجعل من الصعب تفسيره في سياق الآية بشكل صحيح. نفس الأمر ينطبق على معنى "الإظهار"، حيث لا يوجد توافق مع ما جاء بعده من "لا تتفرقوا".

لذلك، لا يمكن أن يكون المعنى المقصود في الآية هو "التنفيذ" أو "الإظهار". تبقى المعاني الأخرى، وهي أن يُفهم الفعل "أقيموا" بمعنى "التصحيح" و"الثبات" و"الحفاظ" و"الاستمرارية". المثال الأفضل على ذلك هو أمر إقامة الصلاة في القرآن الكريم، حيث أمر الله تعالى بإقامة الصلاة في عدة أماكن باستخدام نفس الفعل "أقام". وفي سورة المعارج، قام الله تعالى بتوضيح معنى هذا الفعل بشكل دقيق:

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (المعارج: ٢٣)

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المعارج: ٣٤)

أي أنهم يلتزمون بالصلاة بشكل مستمر، ويقيمونها على أكمل وجه، ثابتة، مستقرة، ومحفوظة.

بعد هذا التوضيح، يظهر بجلاء أن الفعل "أقيموا" في الآية المعنية يستخدم بنفس المعنى. بعد أن تم بيان أن الله تعالى قد منح جميع الأمم نفس الدين، كان من المناسب في سياق الحديث أن يتم التأكيد على حق هذا الدين على الناس باستخدام ألفاظ جامعة. ولذلك، جاءت الآية: " أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه "، أي: حافظوا على الدين بشكل صحيح، واجعلوه ثابتًا في حياتكم، ولا تتفرقوا فيه.

أما معنى "التفرّق في الدين"، فهو أن يبتعد الشخص عن الدين ولا يبقى ثابتًا عليه، فيأخذ منه ما يشاء ويترك ما يشاء، ويضيف إليه بدعًا. ومن الواضح أن هذا يتناقض مع ما جاء في "أَقِيمُوا الدِّينَ". من خلال هذا المعنى، نجد أن الفعل "أقيموا" يتناسب تمامًا مع ما يتبعه من "لا تتفرقوا فيه". هذه هي نفس الهداية التي وردت في القرآن في أماكن أخرى، مثل قوله: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" [5]، أي: تمسكوا جميعًا بحبل الله ولا تفرّقوا."

الهدف من هذه الهداية هو أن الدين لم يعط ليترك أو يتجاهل، بل أُعطي لجميع الأنبياء وأممهم ليتمسكوا به بصدق، ويعملوا به بعدل، ويظلوا ملتزمين به دون أن يدخلوا فيه أي بدع أو تغييرات تشوّهه.

ويقول ابن عربي في تفسيره لهذه الآية:

"أي اجعلوه قائمًا، أي دائمًا، مستمرًا، محفوظًا، مستقرًا، من غير خلاف فيه ولا اضطراب عليه." (أحكام القرآن ٤  /١٦٦٧)

ورأي إمام اللغة الزمخشري في "الكشاف" يتفق مع هذا المعنى حيث قال:

"والمراد: إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وباليوم الآخر، وكل ما يكون به الرجل مسلمًا." (٤  /٢١٥)

أمّا الآلوسي فقد فسّر ذلك في "روح المعاني" فقال:

"والمراد بإقامته: تعديل أركانه، وحفظه من أن يقع فيه زيغ، والمواظبة عليه." (روح المعاني ٢٥  /٢١)

يكتب الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي:

"المقصود من إقامته هو أن ما يجب قبوله من تعاليم ينبغي أن يُقبل بصدق وأمانة، وما يجب فعله يجب أن يُنفذ بنزاهة واستقامة. كما يجب أن تتم متابعة الناس بشكل مستمر لضمان عدم غفلتهم أو انحرافهم عن الطريق، بالإضافة إلى ضرورة الحرص على ألاّ يدخل أهل البدع أي تغييرات أو تشويش في هذا الدين." (تدبّر القرآن ٧  /١٥٣)

من هذا المعنى، يتّضح بجلاء أنه ليس من فرائض الدين أو من أحكامه أن يتمّ اعتبار "إقامة الدين" فريضة جديدة، بل هي توجيه عام يتعلق بكل الدين. كل ما يشمله "الدين" في القرآن والسنة قد تم توجيهنا في الآية المذكورة للحفاظ عليه بشكل صحيح واستمراره في حياتنا. هذا التوجيه يقتضي أنه يجب قبول العقائد والمبادئ، والقيام بالصلاة والصوم، والحج والزكاة، وحسن المعاشرة، والإصلاح والدعوة، والقانون والشريعة، والجهاد والقتال، وكل الأحكام الأخرى التي يجب قبولها أو القيام بها. ولكن ليس لأن جميع هذه الأحكام أو أي منها تدخل في معنى "إقامة" بحسب مفهوم لفظ "أقيموا"، بل لأن جميع هذه الأمور تشكل جزءًا من "الدين" كما ورد في القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تم توجيهنا في هذه الآية للحفاظ على الدين بكل جوانبه في حياتنا، وعدم التفرق فيه.

هذا ما عندي والعلم عند اللہ.