إشراقة
مأساة غزة وأزمة الأمة الإسلامية:
قراءة في الواقع وسبل المعالجة
وجهة نظر في ظلال الوضع الكارثي في غزة (2)
(يرجى قراءة الحلقة السابقة للتكملة)
وعلى الصعيد الإداري الدولي، أثبتت التجارب السياسية المعاصرة أن إداراتنا ومؤسساتنا القائمة لم تجد نفعًا، ولم تكن كافية في الدفاع عن الوطن الإسلامي أمام الغارات الوحشية الصليبية والمخططات الصهيونية الخبيثة. ومن ثم، فإن من الضروري إنشاء مؤسسات عسكرية إسلامية دولية على غرار حلف الناتو، بحيث يعدّ أي عدوان على دولة عضو في هذا الحلف الإسلامي عدوانًا على سائر أعضائه، يستوجب الرد الجماعي الفوري.
(د) التخلّف في ميدان العلم والبحث، والتقليد الأعمى:
العالم الإسلامي يشهد جمودًا فكريًا، فلا تُنتَج أبحاث جديدة ذات بال، بل تسود فيه ثقافة التقليد الأعمى للسلف، ويغيب عنه الاجتهاد الفكري. في عالم الواقع، لا يمكن أن تكون مقلّدًا أعمى في الشؤون الدينية، ثم تتوقع أن تتقدّم في العلوم الدنيوية، وتُبدع وتخترع وتُجري الاجتهادات فيها.
ويشهد التاريخ كله أن الواقع لا يسمح بازدواجية عجيبة كهذه: لا يمكن لأمة أن تكون في أمور الدين مقلّدة عمياء، ثم تزدهر وتبدع في ميادين العلوم الدنيوية. فهذه مزاعم واهية من بعض العلماء حين يقولون: "دعوا الدين لنا، واجتهدوا أنتم في شؤون الدنيا!" الواقع أن المسؤولية مشتركة، وإن كانت تقع بشكل أكبر على عاتق الحكومات، إلا أن العلماء والمفكرين لا يُعفَون من المسؤولية برمتها. فحياة الإنسان لا يمكن تقسيمها إلى صناديق منفصلة؛ من يقلد تقليدًا أعمى في أحدها، لن يكون مبدعًا مجتهدًا في الآخر. فلابد من إحداث بيئة جديدة كليًا في المجالين معًا: فتح باب البحث العلمي، احترام حرية الفكر، تقبّل الاختلاف، وإتاحة الفرص للجميع، فبذلك فقط يتفعل العقل المسلم المتأزم ويثمرفي مجال العلوم الإسلامية وفي مجال العلوم الإنسانية كذلك. ولنا أن نتساءل: لماذا يهاجر العقول المسلمة إلى الغرب؟ ما سر هذا "النزيف العقلي"(Brain Drain)؟ أليس من واجبنا أن نراجع أنفسنا بجدية؟
(هـ) التخلّف في ميادين العلوم والتكنولوجيا:
ومن أسباب تراجع الأمة وانحطاطها تخلّفها في ميادين العلوم والتكنولوجيا أيضا.
تشير بعض الدراسات إلى أن معظم الجوائز العالمية كجائزة نوبل خلال الخمسين عامًا الأخيرة قد ذهبت لعلماء يهود، بينما الجوائز التي نالها المسلمون (على قلّتها) كانت في مجالات الأدب أو حقوق الإنسان أو النشاط السلمي، لا في مجالات العلوم أو التكنولوجيا. صحيح أن هناك من يشكك في حيادية لجنة جائزة نوبل، ويتهمها بالتحيّز، لكن فلنفترض صحّة ذلك، فماذا عن الجوائز التي يقدّمها المسلمون أنفسهم مثل جائزة الملك فيصل؟ معظمها تُمنَح للمسلمين فقط في مجالات مثل خدمة الإسلام، الأدب العربي، الحديث، والفقه، ونادرًا ما تُمنَح في مجالات الطب أو التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي! وعلماء الإسلام ورجال الدين يقولون: "لم نمنع أمتنا يومًا من التقدم العلمي!" وهذا صحيح، لكنه نصف الحقيقة. لأنهم وإن لم يمنعوا، لم يشجّعوا بكل قوة وبكل تأكيد فكرة التقدم العلمي كذلك، بل لايزالون يقولون إن العالم الإسلامي لن يتمكمن من مواكبة الركب الحضاري العلمي الغربي التقدمي. وجراء هذالتغافل والتراجع الفكري ظلت العلوم الدنيوية دائمًا في موقع ثانوي في فكرهم، وانشغلوا بمفاهيم غير مثمرة مثل "أسلمة العلوم وإسلامية المعرفة". بل وظهرت كتب في الرد على حقائق علمية مثل: "الفوز المبين في ردّ حركة الأرض"، وتجد أن جمهورًا واسعًا من المسلمين يتبع رجال الدين كهؤلاء. أما عن التعليم الديني، فمناهج المدارس الدينية التقليدية، خصوصًا في شبه القارة الهندية، لم تشهد أي إصلاح حقيقي، سوى بعض التحسينات الشكلية. وحتى في العهد العثماني التركي، رفض بعض مشايخ الإسلام التحديث التقني حين أراد بعض الخلفاء العثمانيون ذلك وتلك كارثة كانت لها آثار طويلة المدى.
الافتقار إلى التخطيط الاستراتيجي والمثابرة:
لا يوجد في العالم الإسلامي تقاليد راسخة للعمل المتواصل الموجّه نحو هدف واضح. عادةً ما يثور الناس بحماسة وقتية، ثم تخمد حركتهم كفقاعات ماء. أما العمليات العشوائية العنيفة، مثل بعض هجمات "المقاومة"، فقد أصبحت نتائجها عكسية تماماً. مثال صارخ على ذلك: عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبرسنة 2023 من قبل حماس، والتي تحوّلت اليوم إلى كارثة إنسانية بغزة. لأن مثل هذه العمليات تُوصم فوراً وعالميًا بالإرهاب، وهناك اليوم إجماع دولي ضدّ الإرهاب، ومن يخرج عن هذا الإجماع دون دعمٍ دولي، يتعرّض لعواقب وخيمة.
قارنوا ذلك بحرب أفغانستان ضد السوفييت، التي نجحت لأن الولايات المتحدة وباكستان دعمتا "المجاهدين". أما غزة، فلم يكن هناك داعم حقيقي، والنتائج أمام أعين العالم.
(و) خوض المعركة بدون استعداد:
على مدى القرنين الماضيين، شهدنا أن تاريخ الأمة الإسلامية مليء بالهزائم والانكسارات، بدأً من حركة سيد أحمد الشهيد في القارةالهندية حتى نضال الفلسطينيين اليوم. ومن ثورة عبد القادر الجزائري، والإمام شامل، وعمر المختار السنوسي، إلى الحركات المعاصرة، النتيجة واحدة. في هذا السياق، يمكن أن يستنير المسلمون بتوصية إقبال:
ہو صداقت کے لیے جس دل میں مرنے کی تڑپ
پھونک ڈالے یہ زمین و آسمان ِ مستعار
اپنی دنیا آپ پیدا کر اگر زندوں میں ہے
پہلے اپنے پیکرِ خاکی میں جاں پیداکرے
اورخاکسترسے آپ اپنا جہاں پیدا کرے
سرِ آدم ہے ضمیرِ کن، فکاں ہے زندگی
(إن أردتَ أن تموت من أجل الحق، فأحيِ نفسَك وأعدها جيداً أولًا، وأحرق وجودك هذا المستعار، وابدأ ببناء عالمك من رماده. إصنع عالمك بيدك إن كنتَ من الأحياء، فالسرّ في ذات الإنسان، والحياة هي الإرادة).
ويشهد المسرح السياسي في الشرق الأوسط على ذلك فإن إيران قامت بصمود وردت على العدوان الإسرائيلي الغاشم لأنهاكانت مستعدة من قبل لخوض معركة كهذه.
في العالم، تهيمن لوبيات قوية: اللوبي الصهيوني، ولوبي "الهندوتفا". الأول يحكم العالم، والثاني يحكم الآن الهند وهو بلد كبير ذو إمكانيات اقتصادية كبيرة وتقدم تقني في البرمجةالإلكترونية و الذكاء الاصطناعي، وقد أصبحت هذه اللوبي قوية حتى في الغرب، وتربطه علاقات قوية بسياسيي أمريكا مثل أوشا فينس وتولسي غبارد أمرأة ذات كراهية شديدة للإسلام ، في عهد ترامب الراهن.
أما المسلمون، فلا يمتلكون إلا المشاعر. لا لوبي مؤثر، ولا استراتيجية موحدة. الجالية المسلمة الجنوبية الآسيوية في أمريكا مشغولة بصراعات سياسية بين باكستان والهند. نعم هناك فعالية كبيرة من الفلسطينيىن من طلاب وأساتذة ناشطين، وقد نجحوا في تغيير الرأي العام الأمريكي والرأي العام العالمي إلى حد لايُستهان تجاه قضيتهم.
(ز) التصوف السائد كمصدر للشرك والتخلف العلمي:
الكثير من مظاهر الشرك والبدع والخرافات دخلت إلى جسد الأمة عن طريق التصوف المنحرف. بعض الروايات الضعيفة والموضوعة أيضاً ساهمت في ذلك، لكن المصدر الأكبر كان التصوف. نعم، للتصوف فوائد كتهذيب النفس وتعميق نزعات العبادة، لكن له أضرارًا كبرى. أهمها: عبادة الأشخاص تحت ستار "الشيخ المربي"، وأفكار خطيرة مثل "وحدة الوجود"، التي طمست التوحيد. ثم هناك العداء للعلم: فقد كان يُقال للمريدين: (صد كتاب وصد ورق درناركن)
"ألقِ بالكتب والأوراق في النار!"
وقد شاعت هذه الثقافة. صحيح أن هناك استثناءات، فقد ازدهرت الرياضيات في مدرسة صوفيةلشاه كليم الله الجهانابادي، وبرزت العلوم الدينية في أسرة الشاه ولي الله الدهلوي، لكن هذا لم يكن هو الاتجاه الغالب.
إصلاح الحال:
وإن كنا نكتفي هنا بالإشارات بسبب طول المقال، فإن الإمام مالك قال جملة عظيمة تلخّص طريق الإصلاح:"لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها."
أي أن السبيل الأوحد هو الرجوع إلى القرآن، أن تصبح زمام الأمة في يد القرآن الكريم، فهو العلاج لكل داء. ومع ذلك، لا يزال بيننا من يحارب هذا الرجوع، ويمنع الناس من فهم القرآن بلغتهم، ويرفض دروس التفسير في المساجد. وقد قال إقبال مامفهومه:
وہ زمانہ میں معزز تھے مسلماں ہوکر
اور تم خوار ہوئے تارکِ قرآن ہو کر
"كان المسلمون في السابق أعزة بتمسكهم بالقرآن، أما أنتم، فذللتم بترككم للقرآن."
ويقول كذلك بالفارسية مامعناه:
گرتومی خواہی مسلماں زیستن نیست ممکن جز بقرآن زیستن
"إن أردتَ أن تحيا كمسلم، فلا حياة لك إلا بالقرآن."
وثانيا:الإصلاح لا يأتي بشعارات أو اختصارات، بل بتخطيط طويل المدى، عبر التعليم، والتعليم فقط. ثالثا: يجب أن تتقدم الأمة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وعلى المستوى السياسي، ينبغي تبني النمط الديمقراطي مع تعديلات تناسب الواقع، لكن لا يمكن بعد اليوم القبول بالملوكية، أو الدكتاتوريات العسكرية، أو الاستبداد الفردي.
يجب أن تنهض حركة شعبية في الأمة ضد هذه "اللعنات". على العلماء والمفكرين أن يتحركوا، وألا يظلوا أسرى المصالح أو عبيد الملوك. ينبغي أن تُطلق حملات ضد البدع والخرافات، ويُعمل على توحيد صفوف المسلمين، ويُمارَس ضغط شعبي على الحكام. كما يجب إنشاء لوبيات سياسية واقتصادية قادرة على التأثير الدولي.
وأما عن القضية الفلسطينية
ينبغي تشكيل حركة شعبية عالمية سلمية تستثمر الوسائل الحديثة لتوصيل الرواية الفلسطينية للعالم. هذه الحركة بدأت بالفعل على أيدي طلاب الجامعات في أنحاء العالم والناشطين للحقوق الإنسانية، ويجب أن تُدعم وتُوجّه. أما الحركات المقاومة، فعليها مراجعة استراتيجياتها. وتجول بخاطري فكرة لو كانت العمليات الكفاحية المسلحة داخل إسرائيل بدلًا من غزة، لما تمكن الاحتلال من تدمير القطاع بهذه البشاعة وبهذا الإفلات الكامل من العقاب.
كلمة الختام
اليوم، يبدو أن الإسلام السياسي، أو الإسلام الحركي، يتراجع. البداية كانت بإسقاط حكومة محمد مرسي عبر مؤامرات خليجية. في المقابل، كان لانتفاضة الطلاب في بنغلادش تأثير معاكس إيجابي. أما "التصوف السائد " فهو يروق لقوى الاستعمار، و"السلفية" أصبحت خادمة للملوك، وتخلّت عن فكر ابن تيمية.وفي ظل هذا الفراغ، لا يلوح في الأفق بديل حقيقي. العلماء التقليديون ما زالوا أصحاب النفوذ في المجتمعات المسلمة، لكن من يواكب منهم العصرالحاضر قليل. فإذاً نحن بحاجة إلى جيل جديد من القادة، من أصحاب الفكر والوعي، الفعّالين والمؤهلين، ليتصدّروا المشهد ويقودوا الأمة نحو المستقبل إن شاء الله تعالى.
لقد أظهرت دولة إيران الإسلامية الشقيقة، ومعها المجاهدون الحوثيون من اليمن، وإخواننا الفلسطينون المنكوبون الصامدون الصابرون وقوى المقامة فيهم- رغم قلة الإمكانيات ووطأة الحصار الاقتصادي الجائر، ورغم الهجمات الإرهابية الآثمة التي تشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها من قوى الاستكبار الغربي والاحتلال الصهيوني، شجاعة نادرة وعزيمة صلبة في التصدي للأعداء المستكبرين: العدو الصهيوني الماكر، والعدو الصليبي الحاقد المتعصب. وإننا لنعقد الأمل على أن هذه الأطراف سوف ينجحون، بإذن الله، في كسر شوكة هذا المشروع الخبيث الذي يسمى بـ"الشرق الأوسط الجديد"، وهو الحلم المسموم الذي يراود الطاغية نتنياهو وتدعمه بقوة الإدارة الأمريكية المتغطرسة، التي لا تقيم وزنًا لأي قانون أو مبدأ أخلاقي دولي.وماذلك على الله بعزيز.
في رحاب العدد السابع
بحمد الله وفضله، نضع بينأ يديكم العدد السابع من مجلة الإشراق، جادين على المسيرة التي بدأناها في خدمة الفكر والوعي، وماضين في تقديم مختارات مترجمة منا لنسخة الأردية للإشراق لعدد يوليو ٢٠٢٥م، إلى جانب دراسات وتحليلات أصيلة تسعى إلى تعميق النظر وتوسيع الأفق.
لقد التزمنا منذ انطلاقة المجلة بأن تكون منبرًا حرًا للفكر المسؤول، ومجالًا رحبًا للتأمل الرصين، تجمع بين صدق المقصد ودقة الطرح، وبين رصانة المحتوى وجِدّية التناول.
وإذ نقدّم هذا العدد، فإننا نفتح قلوبنا وصدورنا لملاحظات قرّائنا الكرام وآرائهم السديدة، فهي زادنا في درب التطوير، وعونناعلى بلوغ التميّز.
نسأل الله أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع بها لقرّاء والباحثين، وأن يكتب لها لقبول في الأوساط العلمية والأدبية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم في الدين،
أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي
(١4 يوليو /تموز ٢٠٢٥م، علي كره)
