دراسة نقدية لتفسير «مفتاح القرآن الكريم»
للعلامة شبير أحمد أزهر الميرتهي
(الحلقة الرابعة)
تفسير مختلف لقوله تعالى: وماأنزل علی الملکین ببابل هاروت وماروت: وقد نوقش في هذالتفسير مفهوم الآية الكريمة (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) — البقرة: 102 —على خلاف ماذهب إليه معظم المفسرين، لأنّ حرف "ما" يُفسَّر عندهم غالبًا باعتباره مصدريًا، فيعني: "اسم السحر" أو "مادة سحر"، وتنشأ بالتالي الدلالة على أنّ هاروت وماروت كانا مَلَكين علّمهما الله السحر، قضى الله بإرسالهما إلى الأرض كامتحانٍ للناس. والمشكلة التي أثارها الميرتهي هنا أنّ هذا التأويل يوصل إلى أنّ السحر مصدره الله، وأنّه حقّ — وهو ما يتنافى مع أنّ الإسلام يعتبر السحر كفرًا.وعادةً يجيئون بتأويلات بعيدة لهذه الإشكال الكبير.
ومن أجل هذه الحيرة، عمد العلامة الميرتهي إلى تأويل مختلف لهمفاده: "ما" هنا نافية، فيكون معناه إذاً "ولم يُنز ل في الحقيقة على ملكين هاروت وماروت السحر في بابل"، فهذا نفي. وقد زاد في تفسيره أن رجُلين في أرض بابل — أقاما في أطراف صحرائها المهجورة — اشتهرا بالسحر وجعلا لأنفسهما سمعة غامضة وغربة طارئة. وكان من عادة ممتهني السحر أن لا يروّضوا إلا طالبًا جازمًا بالأخذ فيختبرونه بالتجربة، فإذا ثبُتَ استحقاقه صار من تلامذتهم. وأغلب الظنّ أنهما كانا من نسل العبرانيين، لأنّ هذين الاسمين من أصول عبرانية.( 34)
التفسيرالصحيح لقوله تعالى: لولاکتاب من الله سبق لمسکم : كما أنه جاء في شرحه للآية الكريمة (لولا كتاب من الله سبَق لمسكم فيما أخذتم فيه عذابٌ عظيم) — الأنفال: 68 —بقول مخالف لماهو شايع ،فقال إن التفسير الشائع الذي يقول إنّ الآية نزلت بسبب الإفراج عن سبعين أسيرًا من المشركين في معركة بدر على فدية، باعتبارها نوعًا من العتاب الإلهي لايتماشى مع المنطق السليم والدليل النقلي والعقلي،
ولذا فإن المفسراالميرتهي مال إلى أن المعنى هو بناء تشريعي للمسلمين وعليه فمفاد الآية إذا: "إنّ الله قد قرر سابقًا مشروعيّة غنيمة الكافرين وأصدر حكمًا بذلك، فلو لم يكن هذا الأمر الشرعي واضحًا مسبقًا، لكان ترككم قتلهَم واقتصاركم على أخذ الغنيمة دون القتال نتيجة ميلٍ إلى الدنيا ـ مما يستدعي عذابًا شديدًا. لكن الخطأ قد غُفر، فخذوا أموال الخمس التي لكم وانصرفوا."ويقول اضافةً إلى ذلك:
"لقد أخطأ بعض المفسرين في فهم المعنى الصحيح لهذه الآيات بسبب بعض الروايات. فقد ظنوا — وبلّغوا الناس ذاك الفهم الظني — أن العتاب الوارد في هذه الآيات كان بسبب الأسرى السبعين من كفار قريش الذين أُسروا في غزوة بدر، والذين أطلق النبي ﷺ سراحهم مقابلَ الفداء بعد مشورة أبي بكر رضي الله عنه وغيره. فحسبوا أن الآيات تشير إلى أن الأصلح والأولى كان قتل الأسرى لا إطلاقهم مقابل الفداء. ولكن لو أن المفسرين تدبروا هذه الآيات على وجهها الصحيح، ووزنوا تلك الروايات بميزان التحقيق والنقد، لما وقعوا في هذا الفهم الخاطئ." (٣٥)
وفي هذالسياق قد أنكر العلامة الميرتهي أيضًا الرواية التي تقول إنّ الله أعطى للمسلمين اختيارًا بين قتل الأسرى أو إطلاق سراحهم مقابلَ فدية. يقول إنّ هذه الأثر رواية ضعيفة جاءت من رواة ضعاف مثل الواقدي والسدي، وأنّ الإمام البخاري والمسلم لم يروياها. ويستغرب كيف يُعاب ويلام المسلمين من أخذ الفدية، في حين أنها إن كانت مشروعةً من البداية، فلا مشاحة فيها ولالوم "(36).
ولايُراد ب"فاسق" الوليد بن عقبة: وفي شأن نزول الآية (وإذا جاءكم فاسق بنبإ فتبَيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة) — الحجرات: 6 —قد علق الميرتهي على تأويل بعض المفسرين بأنّ الفاسق هو وليد بن عقبة، وهي رواية مشهورة سائدة، فقال إنّ هذه الآراء ساقطة، وأورد نقدًا علميا حديثياً لتلك الأسانيد والآثاركلها المنقولة في كتب التفسير وخلص من كل أنها روايات واهية فضولية.( 37)
وبالنسبة لمسألة تحويل القِبلة، فقد رفض المفسر الميرتهي الروايات الشائعة حول تحويل القبلة وقال إنه لم يتم تحويل القبلة أبداً بل كان دائمًا التوجّه إلى الكعبة. واستند إلى الفعل “ولّی” لها دلالات إعطاء الغلبة والاستيلاء على الكعبة المشرفة، لا الإشارة إلى الاتجاه)، واستدل بأن الآثار المعمارية للمسجد النبوي نقلت بالتواترولاتنقل أي تحويل للقبلة فيها، وكذلك يقول إن هناك عديد من المساجد التاريخية والتي أُنشئت قبل المسجد النبوي وبعدها مثل مسجد الصخرة ومسجد سييدنا نوح ،وهي كلها متجهة إلى الكعبة ويجدربالذكر أن الإمام أب العالية الرياحي من التابعين وأبامسلم الاصفهاني من المعتزلة أيضا لم يقبلا الرأي السائد في تحويل القبلة ،وغيرها من الأدلة التي جمعها في نحو 20 صفحة بحثًا وتحليلًا.(38)
ترجمات وتفهيمات خاصة
كما أن المفسر الميرتهي له ترجمات خاصة لبعض الآيات مثل آية المائدة: رقم (48) لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً"
فترجمه وشرحه بقوله :إننا وضعنا لكل أمة منكم شرعةً واحدة ومنهاجاً واحدا فقط—(والمقصود هو القرآن والسنة) مخالفًا لرأي القائلين بأنّ لكلّ قوم دينًاوطريقة أخرى مستقلة.(۳9)
كما أن له رأي آخرفي قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنَّ أمّ الكتاب، وآخرى متشابهات) — آل عمران: 7 —فقال إنّ القرآن كلهم حكم، وأطلق كلمة "متشابه" هنا على الكتب السماوية السابقة. فوضع كلمة "هن أم الكتاب" بمستقلّة، ثم "وآخر متشابهات" كجُملة وصفية لكتب التوراة والإنجيل، خلافًا للرأي الشائع الذي يفرق بين آيات القرآن إلى المحكم والمتشابه.
وتفسيره هذا امتدّ إلى نقدٍ لمصدرية التوراة والإنجيل من منظور تاريخي ونقد نصي، حيث استدلّ بمراجع مثل الموسوعة البريطانية الشهيرة ليبيّن تشابك الحقّ والباطل فيهما، وأنّ ما جاء في القرآن هو أكثر صحة ونزاهةً.(40)
التفسير الصحيح لآية "هذا ربي هذا أكبر": وردت كلمة " هذا ربي " في عدة مواضع من الآيات لسورة المائدة، وأخذت باعتبارها قول إبراهيم عليه السلام، وهو ما اتفق عليه المفسرون عمومًا، ورُفِضَت الاعتراضات عليه، حول كيفية تفوُّه نبيٍّ بمثل هذه العبارة الشركية. وقد وصف المولانا المودودي هذا بأنه قول إبراهيم في فترة بحثه عن الحقيقة، لكن السؤال هو: هل يمر الأنبياء بهذه الفترة؟ إنهم يكونون تحت رقابة الله تعالى في كل مرحلة من مراحل حياتهم، وإن كانوا غافلين عنها.
وقد فسَّر العلامة الميرتهي الآية: " فلماجن علیه اللیل رأ کوکبا قال هٰذاربی فلما أفل قال لا أحب الآفلین فلمارأ القمر بازغا قال هذاربی، فلما أفل قال لئن لم یهدني ربي لاکونن من القوم الضالین، فلما رأ الشمس بازغة قال هذاربي هذا أکبر، فلما أفلت قال یا قوم إني بريء مما تشرکون (الأنعام:76تا78): أي فلما جن عليه الليل رأى آزر كوكبًا في السماء فقال هذا ربي فلما توارى قال إبراهيم لا أحب المتوارى، فلما رأى آزر القمر قال هذا ربي أعبده، فلما توارى قال إبراهيم أقسم بالله لئن لم يهدني ربي لأكونن من الضالين، فلما رأى آزر الشمس أشرقت قال هذا ربي هذا الإله الأكبر فلما توارت قال إبراهيم يا قوم إني بريء مماتشركون من أصنامكم.
ثم أضاف قائلاً: "في هذه الآيات، فاعل الفعل "رأ" وقائل هذا ربي هذا اكبر" هو آزر والد إبراهيم لاإبراهيم نفسه كما أوضحت في الترجمة، لأن هذه الآيات سرد فيها الحوار بين إبراهيم وآزر. وفي اللغة الفصيحة تُرجع كل عبارة إلى مصداقها بأدنى تأمل وتروّ فيها". ثم استشهد بمقارناتها من القرآن الكريم. وقد تبيّن أيضًا أن هذا الحوار البليغ بين الأب والابن لا بد أن يكون قد جرى في أزمنة وأماكن مختلفة. ويُعتقد أن هذا الحوار لا بد أن يكون قد جرى في معابد فينوس، إلهة القمر، وإله الشمس، التي كان يعبدها قوم إبراهيم. وقد كان كذلك بناءً على الترتيب الظاهري للنصوقرينة الخطاب. (42)
حدث الإفك العظيم: وجادل المفسرالميرتهي في حادث الإفك، واعتبر أن الروايات الواردة ضعيفة وموضوعة اختلقها بعض الرواة للطعن في السيدة عائشة رضي الله عنها كالروافض ، وأنه كان هناك محاولة من المنافقين لبث أكاذيب وافتراءات حول النساء المؤمنات الطاهرات العفيفات لخلق أجواء الفضيحة في المدينة المنورة ولاتمت بصلة إلى حدث حدثَ مع السيدة عائشة رضي الله عنها(43). ويرى هذا الكاتب: نعم قد يمكن أن تكون الأحاديث والآثار المروية في ذلك ضعيفة مختلقة، ولكن بما أن الآية تطلب أربعة شهداءعلى إفك كهذا ما يدل على وقوع حادثة كبرى بعينها، وإلافلامعنى لطلب أربعة شهداء على فضيحة عامة في أجواء المدينة.
دراسة الكتب السماوية: درس المفسر الكتب السماوية الأخرى، كالإنجيل والتوراة، بعمق، واستفاد بها في تفسيره. قارن قصة سليمان وداود (عليهما السلام) في القرآن الكريم بأحاديث الكتاب المقدس، وقال: "كان داود وسليمان (عليهما السلام) عبدين صالحين من الربانيين وأنبياء لله، وفي الوقت نفسه ملكين عظيمي المجد والقوة. ومملكتهما قدوة حسنة لجميع الحكام. لم يستخدما السلطة التي منحهما الله إياها إلا في نشر الدين الحق. ولكن إذا قرأت ذكر داود وسليمان في كتب بني إسرائيل، فلن ترى فرقًا بينهما وبين غيرهما من طغاة العالم. كما ورد ذكر مجيء ملكة سبأ للقاء سليمان (عليه السلام) في كتب بني إسرائيل، ولكنه مشوب بأمور باطلة وقذرة. لا يوجد ذكر للهُدهد، ولا لعبادة الملكة للشمس، ولا لعرش الملكة، ولا لرسالة سليمان. وكتاب ربيون يحتوي على كل هذه الأمور، ولكنه لا يذكر شيئًا عن التوحيد، أو عبادة الله، أو شكره. فصحيفة ربيون تؤكد أن سليمان، والعياذ بالله، زنى بالملكة بلقيس وحملت. ومن نسل هذا الحمل غير الشرعي، وُلد ملك بابل، بخت نصر "(الموسوعة اليهودية، المجلد 11، ص 443). في الصفحتين 439 و441 من الكتاب نفسه، ذُكرت اتهامات ضد سليمان بمخالفة أوامر التوراة، وقهر الحكومة، وغطرسة العقل، واتباع الزوجات، والترف، والشرك، وعبادة الأصنام. وفي سفر الملوك من التوراة، مكتوب أن "سليمان كان ضائعًا في حب النساء المشركات، وانحرف قلبه عن الله واتجه إلى آلهة أخرى من دون الله". وقد أظهر الله تعالى السيرة الطاهرة لسيدنا داود وسليمان (عليهما السلام) على الملأ من خلال القرآن الكريم، وغسل كل التهم التي وضعها اليهود الكاذبون على سيرة هذين الرجلين العظيمين". (44)
المراجع والهوامش
33 -مفتاح القرآن، تفسير سورة الفاتحة، الجزء الأول، الصفحة23
34- شبير أحمد الميرتهي، مفتاح القرآن: تفسير سورة الفاتحة، المجلد الأول، ص224–227.
35-شبير أحمد الميرتهي، مفتاح القرآن: تفسير سورة الأنفال، المجلد الثاني، ص636.
36 -المصدر نفسه، ص637.
37- المصدر نفسه، ص638.
38 -شبير أحمد الميرتهي، مفتاح القرآن: تفسير سورة الحجرات (مسودة)، ص553–561؛ وانظر كذلك بحث: "سبب نزول الآية: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ – هل كان الوليد بن عقبة فاسقًا؟ لكاتب هذه السطور، مجلة إشراق، أمريكا، يناير–فبراير 2025.
39-شبير أحمد الميرتهي، مفتاح القرآن، المجلد الأول، الطبعة الثانية، ص293–308
40- المصدر نفسه، ص589.
41 -المصدر نفسه، ص590.
42-شبير أحمد الميرتهي، مفتاح القرآن، المجلد الثاني، ص393.
43 -شبير أحمد الميرتهي، مفتاح القرآن: تفسير سورة النور، المجلد الرابع، ص5–32؛ وانظر أيضًا: حكيم نياز أحمد، [عنوان الكتاب غير مذكور ]، حيث أفاد من تحقيق الميرتهي دون الإشارة إلى مصدره.
44 -شبير أحمد الميرتهي، مفتاح القرآن: تفسير سورة النمل، الآيات 15–44، المجلد الرابع، ص164.
(يتبع ...)
