logo
أخرى

دراسة سنن ابن ماجة

دراسة سنن ابن ماجة

[الاستفسارات المتعلقة بأحاديث سنن ابن ماجة وإجاباتها ]

(الحلقة السادسة)

مطیع سید: رُوي عن الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان يرى جواز التمتع (في الحج)، بينما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمنع من ذلك. وحدث مرة أن أبا موسى جاء إلى عمر وقال له: لماذا تمنع الناس من التمتع، مع أن الحديث فيه تصريح بجوازه؟ فقال له عمر رضي الله عنه: لا يعجبني أن يضاجع الناس زوجاتهم تحت شجرة من أشجار الغَضى، ثم يأتون إلى الحج ورؤوسهم تقطر بالماء من الاغتسال.[4]

فهل يحق للحاكم أن يفرض ذوقه الشخصي بهذه الصرامة على الناس، رغم أن هناك إذنًا صريحًا من النبي ﷺ بهذا الأمر؟

عمار ناصر: هناك أمر ينبغي الانتباه إليه، وهو أن هذا المنع من قِبل عمر رضي الله عنه لم يكن بدافع فرض ذوقه الشخصي على الناس، بل لأنه كان ينظر إلى واقع الحال، وما الذي يمكن أن يترتب على هذا الوضع. لقد لاحظ أن الصورة التي بدأت تتشكل غير لائقة، وهي أن الناس بعد إنهاء العمرة وفسخ الإحرام، خلال أيام الحج، قد ينشغلون بممارسة العلاقة مع زوجاتهم تحت الأشجار، أو في أودية الجبال، أو خلف الصخور، لأن من يتمتع (أي يعتمر ثم يتحلل قبل الحج) لا تتوفر له أماكن إقامة خاصة أو مساكن مناسبة في تلك الأيام، فبطبيعة الحال سيبحث عن أي مكان متاح. وربما من هذا المنطلق رأى عمر رضي الله عنه – من باب المصلحة – أنه من الأفضل أن يمنع العمرة في هذه الأيام، حتى يظل الناس في إحرام واحد، ويكملوا الحج، ثم يتحللوا بعده. لذا، لا يمكن استنتاج من هذا الحادث أن للحاكم الحق في فرض اجتهاده أو ذوقه الشخصي على الناس.

وأمر آخر ينبغي فهمه: المسلمون في ذلك الزمان لم يكونوا يرون الخلفاء الراشدين كمجرد "حكام"، بل كانوا يعتبرونهم "قادة دينيين" أيضًا. وعمر رضي الله عنه لم يصدر هذا المنع بصفته "حاكماً"، بل لأنه كان مجتهدًا في أمور الدين منذ زمن طويل، حتى قبل أن يصبح خليفة، وكان يعبر عن اجتهاده بكل وضوح، بل أحيانًا كان يُصرّ على النبي ﷺ في بعض المسائل.ومن ذلك إلحاحه على النبي ﷺ في مسألة الحجاب لأمهات المؤمنين، حيث نزل الحكم القرآني فعلًا بناءً على ذلك الإصرار.

مطیع سيد: ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة، فليفعل، فإني أشهد لمن مات بها".[5]

ويبدو لي أن هذا القول ربما كان من أجل الحفاظ على إعمار المدينة، أي أن المسلمين كانوا بحاجة إلى البقاء فيها، ولذلك قال النبي هذا الكلام، وإلا فما الفضيلة في مجرد الوفاة في المدينة؟

عمار ناصر: بعد الهجرة، كان الناس جميعًا يأتون إلى المدينة، لذا فهذا الحديث لا يحث على الهجرة إليها. في الحقيقة، إن النبي ﷺ قال هذا في سياق رؤيته للمستقبل، حيث كان يدرك أن بعده ستحدث فتوحات كثيرة، وستنشأ مراكز جديدة، وستصبح مناطق أخرى أكثر جاذبية من حيث التمدن وتوفر وسائل الراحة، بينما لم تكن المدينة آنذاك تتمتع بتلك المزايا؛ بل كان مناخها حارًا، وكانت تعاني من بعض الأوبئة أيضاً. في هذا السياق، قال النبي ﷺ: لا تتركوا مدينتي بعدي فتخلو من الناس. والوفاة في المدينة تعني الإقامة الدائمة فيها إلى حين الوفاة، أي أن تبقى المدينة عامرة بأهلها.

مطیع سید: قال النبي صلى الله عليه وسلم مامفهومه: من كان له سعة ولم يضح، فلا يقربنّ مصلانا[6]."

في هذا الحديث يوجد تشديد كبير، ولا يبدو أن هناك مجالًا للتيسير فيه، ومع ذلك فإن جمهور الفقهاء، ما عدا الأحناف، لا يرون الأضحية واجبة، بل سنة. فهل لدى الأئمة الآخرين أحاديث أخرى اعتمدوا عليها جعلتهم لا يرون الأضحية واجبة، وإنما سنة فقط؟

عمار ناصر: عند الفقهاء – ومنهم الأحناف – قاعدة عامة في استخراج الحكم الفقهي من الحديث، وهي أنه لا بد من النظر إلى جميع الأحاديث المتعلقة بالموضوع لتحديد ما إذا كان الحكم واجبًا أو سنة. وإذا ظهر في نصٍّ معين جانب يبدو مختلفًا عن دلالة بقية النصوص، فيُحاول الفقهاء تحديد موقع هذا النص بشكل دقيق، أو فهم سياقه الخاص الذي ورد فيه هذا الكلام.

فمثلًا في مسألة الغُسل يوم الجمعة، وردت فيها أحاديث فيها تشديد، بل وردت فيها ألفاظ تفيد الوجوب، ولكن عند النظر إلى الأدلة مجتمعةً لا يُفهم منها أن الغُسل واجب بمعنى أن من لم يغتسل لا تصح له الجمعة، أو أن يكون آثمًا.

وبالمثل، الحديث المتعلق بالأضحية يحتوي على أسلوب تأكيد وتشديد، ولكن في أحاديث أخرى وردت عبارات مثل:"من أراد منكم أن يضحي..."، أي من كان ينوي الأضحية. فمن خلال هذه الأحاديث الأخرى يمكن فهم أن المقصود هو التأكيد على أن من لديه القدرة، فالأفضل له أن يضحي.

وقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم، كما فعل أحيانًا في موضوعات أخرى، قد شدد في هذا الحديث من باب الترغيب، كما قال في بعض المرات:"لا تمسكوا لحوم الأضاحي أكثر من ثلاثة أيام"، وكان ذلك لتشجيع الناس على التصدق، وليس حكمًا دائمًا.وبالمثل، إذا لاحظ النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض الناس يقدرون على الأضحية لكنهم يتهاونون فيها، فقد يكون قال هذا الكلام للتشديد عليهم حتى لا يتركوا هذا العمل الخير.فأسلوب التشديد هذا في الحديث لا يعني بالضرورة أن الحكم واجب شرعًا، بل قد يُستخدم هذا الأسلوب للتأكيد على أهمية فعل مستحب.

مطيع سيد: ولكن الأحناف يرون وجوب الأضحية. فقد أخبرتني فتاة أنها كانت تدخر بعض الأغراض لجهازها، لكن أحد المشايخ قال لها: بيعي بعض تلك الأغراض وقومي بها بالأضحية.

عمار ناصر: هذا أمر يثير تعجبي أيضًا، لأن المنهج العام للأحناف يبدو مختلفًا بعض الشيء عن هذه الرأي. فالأحناف، على وجه الخصوص، يقررون أنه في المسائل التي من طبيعتها أن تكون عامة البلوى – أي تلك التي يواجهها كل الناس – لا يمكننا إثبات الوجوب فيها بخبر الواحد. لذا، فالسؤال جدير بالتأمل: ما هي الأسباب التي دفعت الإمام أبا حنيفة إلى هذا الاتجاه، حيث لم يرَ الأضحية مجرد مستحب بل أوجبها على كل فرد؟ ثم إن مسألة القدرة على الأضحية قد ربطها فقهاء الحنفية بنصاب الزكاة، مما زاد من صعوبة الأمر على المسلم العادي.

مطيع سيد: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، أنه قال: أعطاني النبي ﷺ غنمًا أضحي بها، فقسمتها بين أصحابي، فبقي لي جدي (تيس صغير) لم يبلغ السنة. فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: "ضحِّ به، ولن يُجزئ عن أحد بعدك."[7] 

عمار ناصر: في هذا الحديث، قال النبي ﷺ إن هذا يكفيك، ولكنه لا يكفي لمن يأتي بعدك، مما يدل على أنها كانت رخصة استثنائية خاصة بعقبة رضي الله عنه. ومع ذلك، فإن بعض الفقهاء يرون أن الجدي إذا كان دون السنة لكنه ممتلئ الجسم وحسن الهيئة، فإن هذه الرخصة تُعمم على غيره أيضًا. وهناك روايات أخرى تدعم هذا التعميم وتمنح مجالًا أوسع للأخذ به.

مطیع سید: الفقهاء يتحدثون عادةً عن صحة الأضحية ونحوها، ولكن في هذا الحديث نرى أن الصحابي كانت له حالة خاصة، ويبدو أن النبي ﷺ منحه الإذن في ضوء وضعه الفردي.

عمار ناصر: نعم، من ظاهر الحديث يبدو أن النبي ﷺ منحه إذنًا خاصًا على نحو فردي. ولكن في الاجتهادات الفقهية هناك مجال واسع للتأويل والتفسير للنصوص. الفقيه في هذا السياق ينظر إلى مختلف جوانب النصوص وإلى المبادئ العامة للشريعة، ليرى إن كان الاجتهاد الذي يتوصل إليه معقولاً ومبنيًا على أسس صحيحة. ليس من الضروري أن ينطبق نص معين على اجتهاد معين بنسبة مئة في المئة.

مطیع سید:رويعن الصحابي الجليل سعيد الخدري رضي الله عنه أنهقال: اشترينا كبشًا لنضحي به، فجاء الذئب فأكل أذنه وفخذه. فسألنا النبي ﷺ عن ذلك، فقال: "ضحوا به".[8] 

ومع ذلك، فإن بعض العلماء يقولون إنه في مثل هذه الحالة يجب شراء أضحية جديدة.

عمار ناصر: ينبغي النظر في الآراء الفقهية، ولكن الأصل في الشريعة أن الشخص حين يشتري أضحية، فلا ينبغي أن تكون معيبة، لأن ذلك في نطاق قدرته. أما إذا اشترى حيوانًا سليمًا ثم أصيب بعارض بعد ذلك، كما في هذا الحديث – حيث أكل الذئب منه أو أصيب أو سقط فانكسروجُرح – فهنا لا بد من النظر في استطاعة الشخص. في هذا الحديث، رأى النبي ﷺ أن هذا الرجل لا يستطيع توفير أضحية جديدة، وأن العيب الذي أصاب الأضحية لم يكن بسبب تقصير منه، فأذن له بأن يضحي بها. وفي رأيي، هذا يتفق تمامًا مع روح الشريعة. أما إذا كان الشخص غنيًا وبوسعه شراء أضحية جديدة، فعليه أن يفعل ذلك، ولا يتمسك بالرخصة. فإذا كان الفقهاء يشترطون شراء أضحية جديدة في حق الغني، فهذا صحيح. أما إذا ألزموا بذلك الفقير غير القادر، فهذا يخالف روح الشريعة ويتعارض مع هذا الحديث أيضاً.

مطیع سید: أحيانًا يُتَّهَم بعض رواة الحديث بأنهم كذّابون، مثل قولهم: "جابر الجعفي كذّاب". فهل يُقصَد بذلك أنه كذّاب في رواية معيّنة فقط، أم أن المقصود أنه كذّاب عامّةً؟

عمار ناصر: حين يُوصَف الراوي بصفة كهذه، فلا يكون ذلك في سياق رواية مخصوصة، بل يكون توصيفًا عامًا لشخصيته وسلوكه العام في الرواية.

مطیع سید: هل يمكن أحيانًا من خلال متن الحديث نفسه أن نتبيّن ما الذي قد يدفع الراوي إلى اختلاق هذا الحديث؟

عمار ناصر: ليس من الضروري تلازم الأمرين. فالمحدّثون يراعون ذلك، فإن بدا من متن الحديث نفسه أنه موضوع، وكان الراوي كذلك موصوفًا بالكذب، فإنهم يقيّمون الرواية من هذا المنطلق. أما إذا لم يظهر من المتن ما يدل على الوضع، ولكن في السند راوٍ كذّاب، فإنهم ينظرون: إن وُجدت قرائن أخرى تؤيّد الرواية، فقد يقبلونها على سبيل التأييد أو الاستشهاد، لا على جهة الاحتجاج الأصلي.

مطیع سید: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحّي، فلا يمسّ من شعره ولا من بشره شيئًا".[9] 

وقد ذهب الإمام داود الظاهري ومحمد بن إسحاق وغيرهما إلى أنه يحرم عليه ذلك.
عمار ناصر: هؤلاء العلماء أخذوا الحديث على ظاهره، فحملوه على الوجوب، لكن جمهور الفقهاء حملوه على الاستحباب.

مطيع سيد: الفقهاء حين يرَون حديثًا للنبي ﷺ، يحاولون أن يستنبطوا منه المقصود، بينما عندما كان النبي ﷺ يوجّه الحديث إلى الصحابة، فإن طريقة كلامه، ونبرة صوته، وأسلوبه، كل ذلك كان يحدّد ما إذا كان الحكم واجبًا أو مستحبًا أو أن النهي فيه تحريم أو كراهة. فإذا نظرنا إلى هذا الجانب، فإن فهم الصحابة للحديث يصبح أمرًا بالغ الأهمية. فهل يُعطى هذا الفهم مكانته اللائقة؟

عمار ناصر:  بالتأكيد يُعطى هذه المكانة. ولهذا السبب هناك نقاش في أصول الفقه حول مدى اعتبار فهم الصحابة، وخصوصًا الصحابي الذي يروي الحديث، في تفسير ذاك الحديث. وقد تناولتُ هذا الموضوع في فصل مفصل من كتابي: "المنهج الأصولي للأحناف في فقه الحديث".

مطيع سيد: هل هذا المنهج خاص بالأحناف فقط، أم أن جميع الفقهاء يأخذون به؟

عمار ناصر: لا أحد من الفقهاء أو المحدثين يعتبر فهم الصحابي حجة بشكل مطلق. جميع المدارس الفقهية تعطيه أهمية من جوانب معينة، بينما تترك مجالًا للاجتهاد والاختلاف في جوانب أخرى. فمثلًا، إذا تجاوز الصحابي المعنى الظاهر للحديث واستنبط منه حكمًا، فإن هذا يُعدّ اجتهادًا فقهيًا، ويمكن أن يُخالف اجتهاد الصحابي في ذلك. ولكن الأحناف في بعض المواضع يذهبون إلى أبعد من ذلك؛ فحتى إذا فسّر الراوي الحديث بمعنى معين، قد يتركون هذا المعنى، بينما يرى المحدثون أن الراوي الذي سمع الحديث، وفهمه في ظل الملابسات والسياق، يكون فهمه هو الأقرب للصواب. وتوجد أمثلة كثيرة عند الحنفية تُظهر أنه إذا لم يتوافق الفهم الظاهر للحديث مع الأطر الفقهية لديهم، فإنهم قد يقولون بأن الصحابي ربما أخطأ في الفهم. وهذا يبدو أمرًا مستغربًا بعض الشيء. وقد كتب العلامة أنور شاه الكشميري أن الصحابة كانوا أذكياء، فليس من المنطقي أن نظن أنهم لم يفهموا مراد النبي ﷺ من الحديث.

مطيع سيد:  السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تقول: "نحرنا فرسًا في زمن رسول الله ﷺ وأكلنا لحمه". فلماذا نجد أن كثيرًا من الروايات التي يعتمد عليها الأحناف تكون ضعيفة عند المحدثين، وغالبًا ما وُجّهت النقدات الجارحة.

عمار ناصر:  هذا يرجع إلى اختلاف المنهج. فالمحدثون يقولون: نحن نحقق في الأحاديث، ونأخذ فقط ما ثبت بسند صحيح وموثوق. أما الأحناف، فهم لا يبدؤون من هذه النقطة، بل لديهم منهج مختلف، إذ ينظرون إلى أشياء أخرى: أن لا يكون الحديث مخالفًا للقرآن، ولا مخالفًا للعمل المعروف، ولا لما نُقل عن كبار الصحابة من الفهم والعمل، ولا يعارض قياسًا قويًا. هذه الأمور يُعطونها أهمية أكبر. ولذلك قد يأخذون أحيانًا بروايات تُعدّ ضعيفة وفقًا لمنهج المحدثين، لكنها تناسب الإطار الفقهي عند الأحناف. ومثال على ذلك: هل يُساوى بين المسلم وغير المسلم في القصاص والدية؟ الأحاديث الأقوى سندًا تؤيد موقف المحدثين، أما الأحاديث الأضعف نسبيًا فهي مع الأحناف، ولكن الأحناف يقولون: إن منهجنا الأصولي يدعم هذه الأحاديث، ولذلك نرجّحها.

مطیع سید: إذًا، هل يعني ذلك أن المنهج الأصولي عند الأحناف أكثر اتساعًا وعمقًا؟
عمار ناصر: نعم، بالتأكيد. المنهج الأصولي لدى الأحناف يوفّر لك مساحة واسعة في مجال التأويل والاجتهاد.

مطیع سید: وهل يعني ذلك أن الأحناف لا يواجهون نفس الإشكال في أسانيد الروايات كما هو عند المحدّثين الذين يضعون معيار الصحة والضعف في السند في المقام الأول؟

عمار ناصر: صحيح. اعتبار صحة السند ليس هو المعيار الأساسي عند الأحناف. فهم غالبًا ما ينظرون إلى تعامل الصحابة مع المسألة التي يتحدث عنها الحديث أو إلى المزاج العام للشريعة، أو إلى ما تدل عليه الأحاديث المشهورة والمعروفة. أما الأحاديث الغريبة، فهي تقلّ أهميتها كثيرًا في منهجهم ضمن سلّم الاعتبار.

مطیع سید: ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن الجهد العظيم الذي بذله المحدّثون في التحقق من حال الرواة لا تكون له تلك الأهمية نفسها في نظر الأحناف؟

عمار ناصر: من الناحية التاريخية، فإن لهذا العمل قيمة عظيمة جدًا. فمن حيث التوثيق التاريخي، حينما ننظر إلى كثرة الأقوال المنسوبة إلى النبي ﷺ، نحتاج إلى التمييز بين ما هو موثوق به منها وما هو دون ذلك. ومن هذا الجانب، فإن جهود المحدّثين تساعد كثيرًا. أما إذا كان الحديث متعلقًا بتأويل معيّن، وكيفية فهمه في ضوء الأدلة الأخرى، فذلك مجال مختلف.

مطیع سید: ورد حديث عن الجراد مفاده أنك ﷺ دعوت عليه، وأنه مخلوق من عطسة الحوت.[10] هل هذا الحديث ضعيف؟

عمار ناصر: هذه رواية ضعيفة، ولا تستحق كثير نقاش أو اعتماد.

مطیع سید: وقد ورد الأمر بقتل الوزغ، فما السبب في ذلك؟[11]

عمار ناصر: جاء في الحديث لفظ "الوزغ"، سواء كان يقصد به الوزغ المعروف (الوزغة أو السحلية) أو غيره من الزواحف المشابهة. والمبدأ في قتله هو ما ورد في الحديث من أنه من الحيوانات المؤذية، والتي يمكن أن تُسبّب ضررًا، أو أن وجودها في البيوت يخلّ بالنظام المعتاد. ولذلك يجوز قتلها.

مطیع سید: قيل:"كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية زوجة فرعون."[12] فما المقصود بالكمال هنا؟ وما هو معيار الكمال؟

عمار ناصر: المقصود بالكمال هو بلوغ درجة عالية من القرب من الله، ومن الروحانية، ومن الإيمان والتقوى. أما معيار الكمال الحقيقي، فالله وحده يعلم حقيقته.
مطیع سید: ولماذا لم يظهر هذا الكمال في النساء كما هو في الرجال، مع أن في النساء من هنّ صالحات بل وأنبياء قد وُلدوا من أرحامهن؟

عمار ناصر: أعتقد أن الأمر يرجع إلى أن الكمال المقصود هنا هو من ذلك النوع المرتبط بدرجة النبوة والرسالة، وهذا المقام لم يُعطه الله للنساء. ولو شاء الله أن يجعل النبوة فيهن، لفعل، لكنه سبحانه لم يفعل. فالأمر يدخل ضمن مشيئة الله وحكمته.

مطیع سید: قرأت في مكانٍ ما أن ابن رشد أو ابن خلدون ينكرون الأحاديث المتعلقة بالطب، ويقولون إن النبي لم يُبعث ليعلّم الناس هذه الأمور، بل إن مهمته هي تصحيح العقائد والأخلاق. ومن هذا المنطلق ينكرون تلك الأحاديث، رغم أن المحدثين قد أوردوا في كتبهم بابًا خاصًا تحت عنوان "كتاب الطب"، يتضمن روايات كثيرة في هذا الشأن.

عمار ناصر:  لا، ليس الأمركذالك، أنهم لايرفضون هذه الأحاديث أو يقولون إنها غير صحيحة، بل يتناولون طبيعة هذه الأحاديث وماهيتها. وهذه النقطة قد تحدث عنها كل من ابن خلدون والشاه ولي الله، إذ يؤكدان أن النبي لا يكون منقطعًا عن ثقافة عصره وبيئته، ولا يقتصر على نقل تعاليم الدين فحسب، بل هو جزء من مجتمعه، ويعبّر أيضًا عن التجارب الإنسانية العامة التي سادت في قومه ومحيطه.

يقول ابن خلدون إن هذه الأمور لا تدخل في صميم وظيفة النبوة، ولا يشترط أن تكون بوحي، لكن كونه نبيًا لا يعني أن يعزل نفسه عن التجارب المعروفة في قومه. فهو يوضح أن كثيرًا مما ورد في الأحاديث النبوية في موضوع الطب ما هو في الحقيقة إلا من "طب العرب"، أي من تجاربهم الطبية المتداولة، ولم يكن وحيًا إلهيًا، بل هو انعكاس للمعرفة الطبية السائدة في البيئة العربية آنذاك. ورأي شاه ولي الله في هذه المسألة شبيه بذلك.

مطیع سید: ما سبب تخصيص النبي ﷺ بعض الأيام بالحجامة؟ فقد ورد عنه قوله أن يتجنب المرء الحجامة في يوم السبت ويوم الأحد؟[13]

عمار ناصر:  أظن أن وراء ذلك بعض التجارب أو الاعتبارات المصلحية. فقد تكون هنالك ملاحظات طبية أو خبرات متراكمة في المجتمع آنذاك ترتبط بهذه الأيام.

مطیع سید: النبي ﷺ نهى عن الكيّ وأعرب عن كراهيته له لأمته، ومع ذلك عندما مرض أُبيّ بن كعب رضي الله عنه أرسل إليه النبي طبيبًا، فقام بعلاجه بالكيّ. وكذلك عولج سعد بن معاذ رضي الله عنه بالكيّ أيضًا. [14]

عمار ناصر:  نعم، هذه من الأمثلة التي تُطرح في سياق التعارض الظاهري في الأحاديث؛ ففي بعضها نجد مدحًا للعلاج بالكّي، وفي البعض الآخر نجد النهي عنه. وقد قام المحدثون بالتوفيق بينها بأن النهي هنا ليس شرعيًا بالمعنى الفقهي، بل هو نابع من الرحمة والرأفة. أي أن هذا النوع من العلاج قد يكون فعّالًا، وربما لم يكن له بديل في بعض الحالات، لكنه مؤلم بطبيعته، إذ أن الكّي يتضمن الحرق والإيذاء الجسدي، ولهذا السبب لم يكن محبوبًا للنبي ﷺ من الناحية الشعورية.

(للحديث صلة ...)