ظاهرة كارثية في زمن الانحطاط
كتب العلامة شبلي النعماني في كتابه الفاروق (طبعة ١٨٩٨م):
"في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كانت المعيشة زهيدة والنقد عالي القيمة، ومع ذلك كانت الرواتب بحسب المراتب مرتفعة نسبيًا. فقد بلغت رواتب الولاة خمسة آلاف، وكان ما يحصل من الغنائم أمرًا منفصلًا. فعلى سبيل المثال، كان راتب أمير معاوية ألف دينار شهريًا، أي ما يعادل خمسة آلاف روبية." (ص: ٢٦٤)
ويضيف:
"لقد رفع الخليفة عمر رضي الله عنه رواتب عمال الدولة بكرم ملحوظ مقارنة بالمعايير السائدة آنذاك، وكان الهدف من هذا الترفيع تثبيتهم على الأمانة والاستقامة." (ص: ٢٦٤، ١٠٨–١١٠، عن الاستيعاب لابن عبد البر)
هذه صورة مشرقة من عصر ازدهار الإسلام. أما في زمن الانحطاط، فحال معظم المؤسسات الإسلامية مؤلم؛ إذ نراها - عن وعي أو غفلة - تبقي العاملين المخلصين لها في حالة عوز دائم، تحت غطاء مقدس من شعارات مثل: خدمة الدين، والرسالة الإلهية، والنضال من أجل الأمة، بحيث يحال دون أن يقف هؤلاء الأفراد على أقدامهم، أو يؤمنوا مستقبلهم ومستقبل أسرهم، أو يجدوا وقتًا وطاقة لبناء حياة حرة وكريمة. غالبية هذه المؤسسات واقعة في واحدة من أبشع صور الغش والخداع التي وصفها القرآن الكريم بـ"التطفيف" (سورة المطففين:٨٣) أي أخذ الحقوق كاملة عند الطلب، وإعطاؤها منقوصة عند الأداء؛ كأن تستنزف طاقات العامل ووقته دون تعويض عادل، أو تُزاد عليه المهام دون مقابل، مع التغطية على ذلك بخطاب ديني أجوف.
ومن صور هذا التطفيف الجسيم، استغلال العاملين بحجج دينية ورسالية، ثم حين يأتي وقت الإنصاف، يواجهون بسياسات داخلية جامدة، ومبررات دينية أو قانونية، دون أي مرونة أو تسامح أو اعتبار لأبسط القيم الإنسانية. من صور الظلم المقنّع في بعض المؤسسات أن يكون وقت عمل الموظف محددًا، مثلًا من الساعة السادسة صباحًا حتى السادسة مساءً، ثم يطلب منه مرارًا البقاء بعد انتهاء الدوام دون أي تعويض، بحجة الالتزام بالنظام أو العمل من أجل الدين والمشروع الإلهي. لكن إن تأخر هذا الموظف في اليوم التالي نتيجة إرهاقه، يواجه بالخصم والعقوبة، وترفع في وجهه الشعارات ذاتها التي استخدمت سابقًا لتكليفه بالمزيد من العمل.
هذا السلوك يخالف العقل والفطرة، ويتنافى مع مبادئ الدين والإنسانية، بل هو نقيض لأبسط قيم المهنية المعاصرة. فالمؤسسات التي تمارس هذا النوع من الاستغلال، والعقليات التي تبرّره، لا يمكن لها أن تنجح أو تحقق أي بركة أو أثر نافع.
في حوار دار مع أحد المتدينين ذوي النزعة "الرسالية" حول هذه الممارسات، قال: "هذا غير دقيق، فالمؤسسة قدّمت لهذا الموظف الفقير كوخًا صغيرًا للسكن، وتكفلت بعلاجه عندما أصيب في حادث، فكيف يقال إنها تستغله؟"
لكن السؤال الجوهري هو هل تكفي هذه الإعانات المؤقتة والناقصة لسد حاجات الإنسان؟ وهل تقتصر مسؤولية من يملك المال والسلطة على منحه كوخًا أو علاجه عند الضرورة، دون ضمان حياة كريمة له ولأسرته؟ أليس من الواجب الإنساني والأخلاقي أن يمنح هذا الإنسان حقه الكامل في العيش الكريم، لا أن يربط بالجميل ليستغل لاحقًا؟
وإذا كان صاحب المؤسسة متدينًا وثريًا، فإن أقل ما ينتظر منه هو أن يكون عطاؤه خالصًا لله، لا وسيلة للسيطرة والهيمنة. فالدين لا يعتبر العمل مقبولًا إلا إذا كان بنية طلب الأجر من الله، لا وسيلة لاستعباد الناس واستنزاف طاقتهم. أما الأعمال التي تقدّم بنيّة المنّ والتفضّل والتحكم، فهي ليست إلا "تجارة" خاسرة، كما وصفها القرآن الكريم (البقرة: ١٦).
إنّ الإنسان قد يخدمك بإخلاص ومحبة، بدافع الوفاء أو الحياء أو حسن الظن، لكن أن تحوّل هذا الإخلاص إلى فخ دائم لابتزازه واستغلاله، فهذا لا يعدّ من الدين ولا من المروءة. وهذه الحيل الماكرة وإن بدت ذكية، فلن تثمر خيرًا، لا في حياة الأفراد ولا في مستقبل الجماعات. في إحدى مدن ولاية "أتر برديش" بالهند، أخبرني رجل متديّن ذو مكانة اجتماعية أنه يعاني في هذه الأيام من مرضٍ عضال، ويضطر شهريًّا إلى شراء حقنة علاجية بقيمة خمسين ألف روبية. ومع ذلك، فإن أحد عمّاله الفقراء، الذي يلازمه ليلًا ونهارًا، ما زال بلا مأوى. ولو أنه هيّأ له مسكنًا خالصًا لوجه الله تعالى، لربما نال معونة خاصة من الله، ووقاه من هذه المحنة الثقيلة التي أصابته.
وفي حادثة مشابهة بولاية "كرناتك"، قام رجل متدين وميسور الحال بتنظيم حفل زواج لابنه وابنته في وقت واحد ليعفي نفسه من أعباء الزواج دفعة واحدة. وخلال هذه الفترة، احتاج أحد عماله الفقراء إلى مبلغ بسيط لعلاجه، فقدم له المال على شكل قرض، مع شرط أن يخصم من راتبه الشهري القليل شيئًا فشيئًا. ولو أنه تكرّم عليه بذلك المبلغ صدقةً لله، لكان حريًّا أن تحلّ عليه رحمة الله ويعان في أمره، لكن ما حدث هو أن برنامجه كله انهار في اللحظة الأخيرة، ودخل في دوامة من التوتر والألم النفسي.
وفي واقعة أخرى تتعلق بمؤسسة دينية، تم حجز مبلغ ثلاثة آلاف روبية ظلمًا من أرملة تعمل لديهم. ولم تمض فترة حتى اضطر القائمون على المؤسسة إلى إنفاق ثلاثة ملايين روبية في قضية قانونية.
إنّ الصدقات الصغيرة، إن كانت نابعة من الإخلاص، تحفظ الإنسان من الابتلاءات العظيمة، ولكن حين يغفل الإنسان عنها، فهو بذلك يلقي بنفسه في شراك المصائب والهلاك. ومثل هذه الحوادث تتكرر كثيرًا في واقعنا. ومن ذلك ما وقع لرجل ثري، متدين، وناشط ديني، حيث قام ببناء غرفة صغيرة لسكن امرأة فقيرة، ثم جعلها تعمل في بيته بلا مقابل، ربما لأنه ظن أنه قد "أدى حقها" ببناء الغرفة، فلم يبق له إلا أن يسترد منها "حقه" في الخدمة. وإنّ الحقيقة الكاملة لمثل هذه الوقائع لا يعلمها إلا الله رب العالمين، غير أنّ في هذه الدنيا قانونًا ربانيًّا لا يتغير ولا يتبدل، وهو قانون "جزاء الأعمال"، الذي لا ينجو منه أحد. لذا ينبغي لكل شخص، مهما علا شأنه أو صغر، أن يكون في غاية الحذر والانتباه في هذا الباب. وقد عبّرت عنه الحكماء بقولهم: "كما تزرع، تحصد"
Whatever you sow, you shall reap أوWhat goes around, comes around
وقال شاعر فارسي:
از مکافات عمل غافل مشو گندم از گندم بروید، جو ز جو
ترجمة: "لا تغفل عن جزاء الأعمال؛ فمن زرع قمحًا، حصد قمحًا، ومن زرع شعيرًا، حصد شعيرًا."
وقال شاعر أردي:
ازل سے ہے مکافاتِ عمل کا سلسلہ قائم
رُلایا جس نے اوروں کو، کبھی وہ خود بھی روئے گا
ترجمة: "منذ الأزل وسنّة الجزاء جارية، من أبكى غيره، سيبكي يومًا بلا شكّ!"
مثل هذه الوقائع التي تمّ ذكرها، أعرفها شخصيًّا معرفة مباشرة، وهي كلّها من صور مكافأة الأعمال. يا لغرابة أولئك الذين، رغم ما لديهم من مال وجاه، يتعاملون مع الآخرين بهذا القدر من السطحية والقسوة! إنهم أناس لا يمكن أن يكونوا مستحقين لرحمة الله. فأمثال هؤلاء من القساة، سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات، سيظلون، رغم كل دعاواهم العريضة، وبرامجهم اللامعة، محرومين دائمًا من البركة الحقيقية.
نواح على آلام الأمة، وشعائر دينية مهيبة، وكثرة الحركة والنشاط، والفعاليات المستمرة حضورًا وافتراضيًا، والندوات والخطب، وضجيج اللقاءات والمؤتمرات، والشهرة الواسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، والعائدات المالية الضخمة، والمشاريع الدعوية والدينية، وصخب الكلمات، وسحر الكتابات، ومكاتب الكتب، وأكوام المجلات والنشرات الدينية، وسيل لا ينقطع من الأدبيت؛ كل ذلك لن يكون كافيًا لحمايتهم من غضب الله أو خلاصهم من عقابه. وهذه هي الحالة الخطيرة التي أشار إليها النبي ﷺ حين قال:
"وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم" (صحيح ابن حبان، رقم ٢٥٧)
أي إنّ الإنسان، من دون الوفاء بالمتطلبات الحقيقية للإيمان والأخلاق، لا يعدّ عند الله مؤمنًا صادقًا، حتى لو تمسّك بالمظاهر الدينية الخالصة، وادّعى الانتماء إلى الإسلام. فمثل هذه الازدواجية في الممارسات، وهذه الأعمال الخالية من الروح، لا تعتبر عند الله من الأعمال الصالحة التي تقتضي الرضا والرحمة والنصرة الإلهية. وقد جاءت كلمتا الصوم والصلاة في هذا الحديث بصفتهما رمزين، يشملان سائر الشعائر والممارسات الدينية، التي تؤدّى في الظاهر باسم الدين. فإذا كانت هذه الأعمال خاوية من روح الإيمان، وفارغة من معاني الأخلاق، فإن صخبها وضجيجها لن يجعل منها أعمالًا مرضيّة عند الله، مهما بدت جذابة. أما إذا أنجزت هذه الأعمال بروح إيمانية صادقة، ومصحوبة بمبادئ الأخلاق وحقوق العباد، فهي حينئذ تصبح من أعظم ما يقرّب العبد إلى ربه، ويصونه من سخطه؛ كما في الحديث:
"الصدقة تطفئ غضب الرب" (سنن الترمذي، رقم ٦٦٤)
وهي من الأعمال المؤكّدة التي تقي الإنسان من خاتمة السوء، كما في الحديث:
"عليكم بصنع المعروف، فإنّه يمنع مصارع السوء"
(صحيح الجامع، رقم ٤٠٥٢).
من خلال الأمثلة السابقة، يمكننا أن ندرك ما المقصود بــ العقلية المنهارة، وكيف أصبحت عائقًا كبيرًا أمام رفاهنا الفردي والجماعي. إن المصائب والابتلاءات لا تصيب الإنسان عبثًا، بل تأتي لتوقظه من غفلته، لا ليجزع منها جزعًا مجبرًا، بل ليقف عندها متأمّلًا، فيراجع نفسه، ويتوب إلى الله توبة صادقة، ويحاسب ذاته على ما مضى من تقصير، كما تشير الآيات:
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ...﴾ (الأنعام: ٤٢–٤٤)، و﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾(التوبة: ١٢٦). لكن للأسف، فإن الإنسان يحيي كل سنن الغفلة والإعراض، ويغضّ الطرف عن هذه الآيات والعبر التي يرسلها الله، ويمضي دون أن يستفيد منها أو يراجع حياته على ضوئها.
أفلا يوجد من يتفكّر؟! أفلا يوجد من يتّعظ؟!
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: ٣٧).
