logo
أخرى

تحقيق حديث المسلسل بتحريك الشفتين

تحقيق الحديث المسلسل بتحريك الشفتين

(الحلقة الثانية والأخيرة)

(مقطتف من شرحه الحافل للجامع الصحيح البخاري تحفة القاري بشرح صحيح البخاري)

]المختارات هو قسم مخصص لاختيارات من كتابات المؤلفين القدماء والجدد، وهدفه تقديم الفكر والنظر للماضي والحاضر أمام القراء والدار سين. ويتم فيها اقتباس مقاطع من تصانيف ممثلة لعلماء الماضي والتي تسلط الضوء على أفكارهم وأساليبهم، وكذلك تُضاف كتابات المؤلفين الجدد الفعّالة والموثوقة. وليس بالضرورة أن يتفق مدير التحرير والمؤسسة مع محتويات هذا القسم. الإدارة[

وإن حملنا هذه الروايات على المعنى الذي رواه سعيد بن جبيرعن ابن عباس لزم انفكاك النظم ولم يبق لها ربط بماقبلها ومابعدها، ولزم أن يعود الضميرإلى مرجع لم يجرله ذكرقبلُ. وذلك لأن الله تعالى افتتح هذه السورة -سورة القيامة-وظن المكذوب به الكافرأن ذلك اليوم لن يأتي أبداً، ولن يبعثه الله حياً بعد موته ولن يجمع عظامه بعد رِمتها وانتشارها.فقال :لاأقسم بيوم القيامة ولاأقسم بالنفس اللوامة، أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه" فرد على المكذب ودفع استبعاده فقال: بلى قادرين على أن نسوّي بنانه" ثم إن الكافر المكذب بيوم الدين إنما يريد بتكذيبه أن يتمادى في طغيانه وعدوانه ويلج في فجوره وعصيانه ظناً منه أنه لايُسئل عما يفعل فقال: بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسئل أيان يوم القيامة" ثم ذكربعض أحوال يوم الآخرة وأهواله وبرهَن على ضرورة وقوعه فقال: فإذا برق البصروخسف القمروجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يوم أين المفر كلا، لاوزر إلى ربك يومئذ المستقر يُنبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخربل الإنسان على نفسه معاذيره"ثم قال: لاتحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينابيانه". فإن قلنا في هذه الآيات الأربع: لاتحرك به الآيات، بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وزعمنا أن الخطاب في قوله تعالى: لاتحرك به لسانَك لتعجل به"للنبي صلى الله عليه وسلم والضمير المجرور-به- للقرآن انفك النظم لفظاً ومعناً لأن القرآن لاذكرله في ماقبلها فكيف يسوغ عود الضمير إليه؟ فإن قلت قد عاد الضمير إلى القرآن في قوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر وقوله "وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد (طه) قلت ذكر الإنزال قرينة تهدي القارئ والسامع إلى الجزم بأن الضمير عائد إلى القرآن في قوله تعالى في كلا المقامين، ولاقرينة في هذه الآيات من سورة القيامة، والذي لايعلم حديث ابن عباس هذا إذا قرأ أو سمع هذه الآيات لن يفهم أبدا أن الضميرعائد فيها وراجع إلى القرآن.

والحق أن حديث سعيد بن جبير هذا قد أضل المفسرين عن فهم هذه الآيات وأبعدهم عن درك معناها. فإنهم فسروها بهذا الحديث. والحمد لله الذي أرشدني إلى التأويل الصحيح الذي يدل على صحته سياق هذه الآيات وسباقها، وهو أن الخطاب في قوله تعالى: لاتحرك به" للإنسان الكافرالمكذب بيوم القيامة القائل "أيان يوم القيامة" "أيان مرساها" الذي إذا قيل له "يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم"قال متى هذاالوعد إن كنتم صادقين، الذي سخرمن عذاب الله إذا أنذربه فقال: أللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم- وهذالخطاب بطريق الالتفات من الغيبة إلى الحضور فقد جرى ذكر الإنسان المكذب، فقال الله تعالى مخاطباً إياه أيها الإنسان المستبعد ليوم القيامة يومَ تُجزى بأعمالك وتعاقَب على ماقدمتَ وأخرتَ المجترئ على الله باستعجال يوم القيامة أسكُت ولاتحرك باستعجاله لسانَك فإنه آتٍ على موعده وحدّه لامحالة، فإذا اتاك ذلك اليوم العظيم لميعاده قرأنا عليك ماجمعنا وأحصينا من ذنوبك في كتاب لايغادرصغيرة ولاكبيرة إلا أحصاها.وهذا الجمع والقراءة  التزمناهما شأن الحاكم يحكم على المجرم فيقرء عليه سجل جرائمه. فإذا قرأناه عليك لم يكن لك إلااتباعه لامحيد لك عنه ولامناص. وقد كنت تحيد في الدنياعن اتباع كتاب الله .ثم اعلم أننا مبينون جزاءك كما وكيفاً فتجزى حسب بياننا لايقدر أحد أن ينقص منه أو يزيد فيه.والكافرالذي يكذب بيوم الدين لايكذبه لأنه أمرخارج عن الإمكان عنده ويستبعد عقله وقوعَه. كلا إن العقل لايأبى عن الاعتقاد به ،ولكن لماكانت هذه العقيدة تنكرعلى الإنسان إقباله بالكلية على المنافع واللذائذ العاجلة الحاصلة في الدنيا وتحمله على الإقبال على الآخرة والسعي لها ،بترك المعاصي والذنوب والكافر لخسته وقصورنظره لايريد أن ينزع يده عمازينته له نفسه من لذائذ العاجلة. فمن أجل ذلك يتجاسرعلى التكذيب بالآخرة، وهذا معنى قوله خطاباً بالمكذبين :كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة. فالخطاب في قوله لاتحرك به لسانك لتعجل به "متوجه إلى الإنسان الكافرالمكذب كما توجه الخطاب إليه بعد آيات في قوله تعالى: ﴿اَوْلٰى لَكَ فَاَوْلٰى ثُمَّ اَوْلٰى لَكَ فَاَوْلٰى﴾ -

فبهذا التفسير تلتئم هذه الآيات بماقبلها ومابعدها بدون تكلف وتعسف، والله هو الموفق للصواب،وأقضي العجب مماذكره أبو عوانة في حديثه من تحريك سعيد شفتَيه وتحريك ابن عباس شفتَيه حكايةً لتحريك النبي صلى الله عليه وسلم شفتيَه. قال موسى بن أبي عائشة إن سعيد بن جبيرقال لي أنا احرك لك شفتيّ كما حرك لي ابن عباس شفتَيه وإن ابن عباس قال لسعيد أنا أحرك لك شفتيّ كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرك شفتَيه في أوائل الوحي- وهذا كذب محض، فمتى رأى ابن عباس رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه ليتلقى الوحي يقرء كلمةًكلمةً مع جبريل؟ إنه لم يكن ولد إذ نزلت سورة القيامة وكان ابن ثلاث إذ هاجررسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأول مارأى ابن عباس رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة إذ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة لعمرةالقضاء وقد بلغ من عمره عشر سنين. فكيف ساغ لابن عباس أن يحكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مالم يره ويقول رأيته يفعله؟ كلا.ماكان ابن عباس ليجترئ على هذالكذب وإنما هو من تزويرموسى بن أبي عائشة فهذا الحديث مفترىً على ابن عباس من أوله إلى آخره،وإن أخرجه البخاري ومسلم وإن سماه المحدثون الحديث المسلسل بتحريك الشفتين.

(التنبيه) وقد أخطأ المفسرون إذ فسروا قول الله عزوجل في سورة طه" ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه وقل ربِ زدني علماً"بحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس هذا.ووجه الخطأ أنهم زعموا أن وحيه نائب الفاعل لقوله يُقضى، والصواب في تفسيره أن كفارمكة طعنوا في تنزيل القرآن نجماً نجماً وقالوا: لولا نزّل عليه القرآن جملةً واحدةً" (الفرقان:32) فقال الله تعالى مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم "فتعالى الله الملك الحق ولاتعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى" يعني أن الله تعالى هوالملك الحق فيُصدر لرعيته تعاليم وهدايات حسبما تقتضي المصالح، تعليماًبعد تعليم وهدىً إثرَ هدىً وإنه قدرلتكميل نزول القرآن أجلاً، فدع الطاعنين ولاتصغِ إلى قولهم ولاتتمنَ أن ينزل عليك القرآن جملة واحدة كما يقولون حتى يتم الله نعمته هذه بالتدريج ويكمل نزوله-وانت خاتم النبيين، لايتشرف بوحي القرآن أحد سواك. إليك وحيهُ لاإلى غيرك،وادع ربك أن يزيدك علماً- فالضميرمستترفي قوله يُقضى راجع إلى القرآن، ثم إليك وحيهُ جملة مستأنفة،إليك خبرمقدم ووحيهُ مبتدأمؤخر-قد بينت ذلك بياناًشافياً في تفسيري مفتاح القرآن (باللغة الأردية المجلد الثالث ص 613 الطبعة الأولى صدرت من مؤسسة الدراسات الإسلامية بنيو دلهي) وأقمت دلائل قاطعة على بطلان من فسره بما روى سعيد بن جبيرعن ابن عباس، والحمد لله على ما انعم وعلم وهو المرشد الملهم للصواب.