logo
أخرى

توافق علامات القيامة في الحديث النبوي

توافق علامات القيامة في الحديث النبوي مع الأحداث التاريخية في ضوء الكتاب المقدس والقرآن

(الحلقة الثانية)

الدجال – قدوم المسيح الكاذب

الدجال تعني الكلمة "الكذاب الأكبر"، يعرف كذلك بلقب "المسيح الدجال"، أي "المسيح الكاذب". أما لفظ "مسيح" (من العبرية مشياح، أي "الممسوح")، فكان يطلق في إسرائيل القديمة على من يختارون من قبل الله ملوكا أو أنبياء أو كهنة، ويمسحون بالزيت رمزا للتكريس الإلهي. غير أن مفهوم المسيح تطور عبر الزمن، من مجرد شخص مكرس إلى رمز للمخلص المنتظر، انعكاسا للصراعات التاريخية وآمال الخلاص والتفسيرات الدينية. وفي هذا الإطار، يظهر المسيح الدجال بوصفه شخصية تدعي الخلاص، مستغلة توق الإنسان للخروج من معاناته وآلامه الفطرية. وهذه الحاجة إلى الخلاص لا تقتصر على جانب ديني محدد. وتشير الروايات إلى أن على جبينه سيكون مكتوبا "كافر"، مما يدل على إنكاره لله، وأن وعوده لا تستند إلى وحي أو أسس دينية. وعلى عكس "دابة الأرض" التي ترمز إلى القوة القاهرة، فإن الدجال يظهر في صورة بشر، تماما كما صورت الإمبراطورية البابلية في بعض العصور لاحقا بهيئة إنسانية.٣٤ وهذا يفهم منه أن الدجال ليس كيانا عسكريا بحتا، بل دولة قائمة على عقائد مضللة تخدع الناس بوعودها الزائفة.

هوية الدجال

أشارت الأحاديث النبوية إلى جملة من العلامات والأحداث التي تسبق ظهور الدجال، بالإضافة إلى صفاته المميزة التي تساعد على التعرف عليه.

الأحداث الممهدة لظهور الدجال

ورد في عدة أحاديث ذكر أربعة أحداث مفصلية في تاريخ الأمة الإسلامية، تعد من أبرز محطات الصراع الإسلامي– المسيحي، وتعكس في الوقت ذاته مظاهر الابتلاء الجماعي للأمة. وهذه الأحداث هي:

١- معركة اليرموك – حيث حقق المسلمون نصرا حاسما على الإمبراطورية البيزنطية (الروم).

٢- معركة أنطاكية إبان الحملة الصليبية الأولى – وقعت شمال الشام، وكانت نقطة انطلاق للهجمة الصليبية.

٣- فتح القسطنطينية – الذي مهد لرفع الراية الإسلامية فوق عاصمة البيزنطيين على يد العثمانيين.

٤- سقوط الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى – حيث انهارت الخلافة أمام قوات الحلفاء.

ورغم التباعد الزمني بين هذه الأحداث، إلا أن خيطا ناظما يربطها جميعا. فالأحداث الثلاثة الأولى ترتبط بالإمبراطورية الرومانية، بينما تتجلى في الأحداث الثلاثة الأخيرة بروز الأتراك المسلمين، الذين استقروا في الأناضول وأصبحوا محور الثقل العسكري والسياسي في العالم الإسلامي.

الحرب الكبرى بين الروم والمسلمين – معركة اليرموك (٦٣٦م)

ورد في الحديث الشريف٣٥ أن معركة ضارية ستقع مع جيش قادم من الشام، يقاتل فيها المسلمون بعزم على الشهادة أو النصر. وخلال الأيام الثلاثة الأولى، يتكبد الطرفان خسائر جسيمة دون أن تحسم المعركة. أما في اليوم الرابع، فستنقضّ فرقة من المسلمين على العدو وتكسره. ستكون المعركة شديدة إلى درجة أن الطير المحلق في السماء لن يسلم من آثارها. وفي نهايتها، سيكون القتل عظيمًا حتى إذا تم إحصاء القتلى، لا ينجو إلا واحد من كل مئة.

يشير هذا الحديث إلى المعركة العظيمة التي وقعت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي معركة اليرموك ضد البيزنطيين المسيحيين في بلاد الشام. دامت المعركة ستة أيام، خصص اليوم الأول فيها للمناوشات وتقييم الوضع، بينما شهد اليوم الخامس عرضًا للهدنة من جانب البيزنطيين، وإعادة تنظيم الصفوف استعدادًا للمواجهة الفاصلة. ولهذا ورد في الحديث ذكر أربعة أيام من القتال العنيف فقط. وشهدت الأيام الثاني والثالث والرابع من المعركة مواجهات عنيفة وخسائر بشرية فادحة. وقد لعب سلاح الفرسان المسلمين دورًا محوريًا في تثبيت الصفوف وصد هجمات العدو، وكانوا يندفعون بلا تردد في قلب المعركة. وكان على رأس هؤلاء الصحابي الجليل عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، ومعه أربعمئة من المجاهدين الشجعان الذين اندفعوا نحو الموت غير آبهين، مجسدين بذلك ما ورد في الحديث من ذكر "شرطة الموت".٣٦

وفي اليوم السادس، الذي كان في حقيقته اليوم الرابع من القتال الشديد، شنّ المسلمون هجومًا حاسمًا، فأيدهم الله بنصره، وتكسّرت صفوف الروم بالكامل. وقد تكبّد المسلمون أيضًا خسائر جسيمة. وأما ما ورد من وصف الطيور التي لا تقدر على الطيران فوق أرض المعركة، فهو إشارة إلى كثافة السهام المتطايرة والغبار المتصاعد، مما يعكس شدة القتال. وتعدّ هذه المعركة نقطة تحوّل مفصلية في التاريخ، حيث أرست دعائم السيطرة الإسلامية على بلاد الشام.

نزول الروم في دابق أو أعماق ومواجهتهم للمسلمين – معركة أنطاكية في الحملة الصليبية الأولى (١٠٩٨م)

ورد في الحديث الشريف٣٧ أن الروم سينزلون في دابق أو أعماق، فتخرج لملاقاتهم جيش من خيار أهل المدينة، ويطالب الروم بإطلاق سراح أسرى لهم في يد المسلمين، فيرفض المسلمون، فتقع المعركة. ويقسم المسلمون فيها إلى ثلاثة أقسام: ثلث يفرّ فلا يقبل الله توبته أبدًا، وثلث يقتل ويكون من أفضل الشهداء، وثلث يثبّتهم الله فلا يصيبهم ابتلاء. وقد تجلى هذا المشهد التاريخي بوضوح خلال الحملة الصليبية الأولى، حينما استنجدت الإمبراطورية البيزنطية بالقوى المسيحية الأوروبية ضد السلاجقة الأتراك. وكان من أبرز أهداف تلك الحملة تحرير الأماكن المقدسة المسيحية، وعلى رأسها القدس، من قبضة المسلمين. وتصور الأحاديث هذا الطموح الصليبي وكأنهم يرون أن هذه المواقع محتجزة لدى المسلمين، ويجب استردادها بأي ثمن. بعد سلسلة من الانتصارات في الأناضول، اتجه الصليبيون نحو شمال الشام، وكان هدفهم الأول مدينة أنطاكية، وهي من أهم مدن تلك المنطقة. ومن الشمال، تقدموا عبر جبال مرعش حتى نزلوا في أعماق،٣٨  /٣٩  /٤٠  /٤١ وهو الميدان ذاته الذي ورد ذكره في الأحاديث. وعقب سقوط أنطاكية في يد الصليبيين، خرج جيش مسلم عظيم بقيادة القائد التركي كربوغا، أتابك الموصل، لمحاولة استعادتها. وقد تألف هذا الجيش من خيرة المقاتلين المسلمين المتمرسين في الحروب. ووفقًا للمؤرخ ابن الأثير، نزل هذا الجيش أولًا في دابق، ثم تقدم نحو أنطاكية.٤٢ وتشير عبارة "جيش يخرج من المدينة" في الحديث إلى رمزية جيوش المسلمين عمومًا، إذ كانت المدينة المنورة مقر القيادة الإسلامية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها كانت تنطلق الجيوش.

وتتحدث الرواية النبوية عن ثلاثة أقسام من المسلمين:

١. ثلث يفرّون من أرض المعركة: يذكر ابن الأثير أن معظم الجيش الإسلامي فرّ خلال المعركة، ولم يبق إلا فصيل صغير فقط.٤٣ وهؤلاء هم الذين لن يغفر لهم، كما ورد في الحديث.

٢. ثلث يقتلون في سبيل الله: بحسب ابن الأثير، فإن قلة من المجاهدين، من أهل البلاد المقدسة، ثبتوا في المعركة وقاتلوا طلبًا لرضا الله والشهادة، وقد قتل الآلاف منهم على يد الصليبيين.٤٤ وهؤلاء هم الذين وصفهم الحديث بـ"أفضل الشهداء".

٣. ثلث لا يبتلون أبدًا: أي أولئك المسلمين من الأتراك الذين لم يشاركوا في الحملات الصليبية التسع الأولى (١٠٩٦ - ١٢٧٢م)، والتي كانت تهدف إلى الاستيلاء على المقدسات المسيحية. وتمثل هذه التقسيمات صورة حية للهزيمة التي مني بها المسلمون في معركة أنطاكية. وكانت لهذه المعركة آثار بعيدة المدى، إذ كانت جيوش المسلمين حينها أكثر عددًا وأفضل تجهيزًا من جيوش الصليبيين. إلا أن هذه الهزيمة غير المتوقعة منحت الصليبيين دفعة معنوية كبيرة، دفعتهم لاحقًا في عام ١٠٩٩م إلى مهاجمة القدس، وتمكنوا في النهاية من انتزاعها من الفاطميين.

فتح المسلمين للقسطنطينية (١٤٥٣م)

في الحديث الشريف،٤٥ ورد ذكر فئة من المسلمين الذين لم يُبتلوا أبدًا، وأنهم سينتصرون ويفتحون القسطنطينية. ويمثل هؤلاء الأتراك المسلمين الذين لم يشاركوا في الحملات الصليبية التسع الأولى (١٠٩٦–١٢٧٢م)، والتي خيضت في الأساس من أجل السيطرة على المقدسات المسيحية. وقد تمكن هذا الفريق من إسقاط الإمبراطورية الرومانية الشرقية بفتحهم للقسطنطينية عام ١٤٥٣م تحت راية الدولة العثمانية.

تعليق السيوف وظهور الدجال – استسلام الدولة العثمانية (١٩١٨م) وقيام الاتحاد السوفيتي (١٩٢٢م)

في الحديث الشريف،٤٦ جاء أن المسلمين سيعلّقون سيوفهم على أشجار الزيتون بينما هم يقتسمون الغنائم، فينادي الشيطان: "المسيح قد دخل دياركم!"، فينطلق المسلمون مسرعين، لكنه يكون كذبًا. ثم ما إن يصلوا إلى الشام ويتهيؤوا للقتال، حتى يظهر الدجال. والمقصود بـ"تعليق السيوف" هو استسلام الدولة العثمانية بموجب معاهدة مودروس عام ١٩١٨م، بينما ترمز "قسمة الغنائم" إلى تقاسم القوى المنتصرة — بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، واليونان — لأراضي الدولة العثمانية وثرواتها. في هذه الأثناء، برزت الشيوعية كقوة عالمية صاعدة، واستولى الشيوعيون عام ١٩٢٠م على أذربيجان، أرمينيا، وعدة مناطق عثمانية سابقة. وهذا ما يشير إليه الحديث بصورة رمزية بنداء الشيطان: "المسيح قد دخل دياركم!"، وهو في الحقيقة تجسيد للدعاية الشيوعية التي قدّمت الدولة الشيوعية على أنها المخلّص، القادر على تحرير الشعوب من الاستغلال الرأسمالي والإقطاعي، وبناء مجتمع اشتراكي قائم على المساواة. وكانت بلاد الشام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تحت الحكم المسيحي، لذا فإن توجه المسلمين نحو الشام يحمل دلالة رمزية على ما حدث عام ١٩٢٠م في معاهدة سيفر، حين استولت القوى الأوروبية المسيحية رسميًا على أراضي الدولة العثمانية. أما "اصطفاف المسلمين" الوارد في الحديث، فهو يرمز إلى التشكيل السياسي الجديد في تركيا، حين أعلنت الجمعية الوطنية الكبرى في نوفمبر ١٩٢٢م نهاية السلطنة العثمانية، وفي الشهر التالي، ديسمبر ١٩٢٢م، أعلن رسميًا عن قيام الاتحاد السوفيتي، وهو الوقت الذي تحدّثت فيه الروايات عن ظهور الدجال.

(يتبع ...)

الهوامش:

(٣٤ Daniel 7:4:

https://www.bible.com/bible/111/dan.7.4.NIV

(٣٥ Sahih Muslim 2899a:

https://sunnah.com/muslim:2899a

٣٦) أكرم، أ. آي.، سيف الله: السيرة الذاتية لخالد بن الوليد

(٣٧ Sahih Muslim 2897:

https://sunnah.com/muslim:2897

(٣٨ 

https://www.britannica.com/place/Amuq

(٣٩

https://en.wikipedia.org/wiki/Amik_Valley

٤٠) ياقوت الحموي (توفي ٦٢٦هـ / ١٢٢٩م) في كتابه "معجم البلدان"، في مادة "العمق" أو "العميق". اسم يطلق على مواضع متعددة، من أقدمها موضع يقع قرب أنطاكية.

٤١) توماس آسبريدج، "الحملة الصليبية الأولى: تاريخ جديد" (٢٠٠٤م) – يشير إلى أنه بحلول ١٠ أكتوبر ١٠٩٧م، كان الجيش الصليبي قد وصل إلى مرعش، الواقعة على طرف العماق... \[وهو] الطريق المؤدي إلى أنطاكية، ثم انحدروا بعد ذلك إلى منطقة العماق.

٤٢) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، جـــ ٨، المكتبة الشاملة

٤٣) نفس المرجع

٤٤) نفس المرجع

(٤٥ Sahih Muslim 2897:

https://sunnah.com/muslim:2897

(٤٦ Sahih Muslim 2897:

https://sunnah.com/muslim:2897

ـــــــــــــــــــــــــ