الذكر الدائم
لقد أثنى الله تعالى في كتابه الكريم على عباده المؤمنين والمؤمنات بصفة عظيمة، هي كثرة ذكره، فجعل "الذاكرين الله كثيرا والذاكرات" في مصاف من أعد لهم مغفرة وأجرا عظيما، فقال عز من قائل:
﴿وَالذّٰكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّٰكِرَاتِ أَعَدَّ اللهَ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
(الأحزاب: ٣٥)
وقد ورد هذا الوصف في ختام سلسلة من الصفات التي تجسد كمال العبودية في مختلف الأحوال. والذكر الكثير لم يأت في القرآن فقط كصفة للمتقين، بل جاء الأمر به صريحا في مواضع متعددة، منها قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللہَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الأحزاب: ٤١ - ٤٢)
ولندرك منزلة الذكر وأهميته في حياة المؤمن، يكفي أن نرى كيف خوطب به النبيّان موسى وهارون عليهما السلام في مهمة الرسالة، حيث قال الله تعالى لهما:
﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ (طه: ٤٢)
وهذه التوصية نفسها تتكرر مع نبي الله زكريا حين طلب آية، فجاءه الجواب الإلهي:
﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا، وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا، وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (آل عمران: ٤١)
وهكذا يتبين أن الذكر ليس مجرد عبادة لفظية، بل هو حياة القلب ونور الروح، وهو الصلة الدائمة بين العبد وربه، لا تنقطع صباحا ولا مساء، بل تبقى متصلة على امتداد الوقت والزمان.
ما هو الذكر؟
لقد عرض القرآن الكريم معنى الذكر بأساليب متعددة، وبيّن أحواله الظاهرة والباطنة. فعندما يوقن الإنسان بأن له خالقًا ومالكًا واحدًا، يتولى أمره، ويدبّر شأنه، وسيعيده يومًا ما ليحاسبه على أعماله، يقع في نفسه انقلاب جذري. تصبح غايته الكبرى هي نيل رضا ربه، ويطلب عونه بقلب ممتلئ بخشية الله. يتوكل عليه بثقة نابعة من إيمانه بقدرته وقوته وعظمته. يجتنب المعاصي حرصًا على رحمته، ويسارع إلى الطاعات رجاءً في ثوابه. تتحول التوبة والإنابة، والخشوع والخضوع، والذكر والتفكر، والتفويض والتوكل، والرضا والتسليم، إلى صفات ظاهرة وباطنة في كيانه. وأعظم ما يعبّر عن هذا الحال هو ذكر الله، ذكر الإله الحكيم القدير، كما قال تعالى:
﴿الَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللہَ قِيٰمًا وَّقُعُوْدًا وَّعَلٰي جُنُوْبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُوْنَ فِيْ خَلْقِ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هٰذَا بَاطِلًا سُبْحٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
(آل عمران: ١٩١)
وحين يقع أولئك العباد في المعصية نتيجة غفلة أو اندفاع عاطفي، فإنهم ما إن يتذكروا الله حتى يسارعوا إلى الاستغفار وطلب المغفرة، ولا يُصرّون على الذنب، لأنهم يعلمون أنه لا يغفر الذنوب إلا الله:
﴿وَالَّذِيْنَ اِذَا فَعَلُوْا فَاحِشَةً اَوْ ظَلَمُوْا اَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللہَ فَاسْتَغْفَرُوْا لِذُنُوْبِهِمْ وَمَنْ يَّغْفِرُ الذُّنُوْبَ اِلَّا اللہُ وَلَمْ يُصِرُّوْا عَلٰي مَا فَعَلُوْا وَهُمْ يَعْلَمُوْنَ﴾
(آل عمران: ١٣٥)
فالمؤمن بما أنه يعيش في ظل عبودية الله، قد يخطئ، لكنه لا يتمادى، ولا يكون فاسقًا أو فاجرًا. ذكر الله يوقظه، ويبعث في نفسه الندم، فيسارع إلى التوبة، لأنه يدرك أنه لا ملجأ من الله إلا إليه. وهذه الآية تصور حالًا من أحوال الذكر وبركته في حياة المؤمن. وعندما يذكر الله أمام المؤمن، ترتجف قلوبهم من خشيته، كما وصفهم الله تعالى:
﴿الَّذِيْنَ اِذَا ذُكِرَ اللہُ وَجِلَتْ قُلُوْبُهُمْ وَالصّٰبِرِيْنَ عَلٰي مَا اَصَابَهُمْ وَالْمُقِيْمِي الصَّلٰوةِ وَمِمَّا رَزَقْنٰهُمْ يُنْفِقُوْنَ﴾ (الحج: ٣٥)
توضّح هذه الإشارات القرآنية أن المؤمن يعيش دائمًا في حالة وعي ويقظة قلبية تربطه بالله تعالى. فعندما يكون قلبه ممتلئًا بذكر الله، تظلّ لسانه رطبًا بكلمات الحمد والتسبيح. فإن أصابته نعمة، انطلقت من فمه كلمات الشكر. وإن نزلت به شدة أو ضيق، لجأ إلى الله طالبًا النجاة، وبدأ في محاسبة نفسه، راجيًا أن يتدارك غفلته وتقصيره، ويجتهد في الطاعات لعلّ رحمة الله تحفّه وتدركه. وإذا أراد أمرًا، قال "إن شاء الله"، معترفًا بأن إرادة الله هي العليا على كل إرادة. وإذا رأى أحدًا في نعمة، قال "ما شاء الله"، مقرًّا بقلب راض بأن ما شاءه الله قد كان. وإذا بدأ عملًا، افتتحه باسم الله، راجيًا أن يصاحبه فضله وتوفيقه. وإن ساوره خوف أو وسوسة، استعاذ بالله، ولجأ إلى حماه. يركب مركبًا، أو ينام على فراشه، أو يستقبل صباحًا، أو يقبل على مساء، أو يدخل بيتًا، أو يخرج منه، أو يشتري ويبيع، في كل هذه الحالات، تلهج لسانه بكلمات الحمد والتسبيح، والدعاء والمناجاة، والإيمان واليقين، والاستمداد والاستعانة. والأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ تجسّد هذا المعنى، فهي لوحات روحانية مفعمة بمعاني معرفة الله، وشعور العبد بضعفه وحاجته إليه، وطاعته وتسليمه لأمره. وإنما تكمن قيمة هذه الأدعية في كونها صورة نقية من صور الذكر الدائم، والتفويض الكامل، والتوكل الصادق على الله عز وجل. فما بيّنه القرآن عن كون عباد الله من الذّاكرين والذّاكرات، جاءت هذه السطور شرحًا وتوضيحًا لذلك المقام الرفيع، حتى يتبيّن للقارئ ما هو المقصود الحقيقي من أن تجري كلمات الذكر والتسبيح على الألسنة، وما تعنيه في جوهرها وعمقها.
