مقامات
(الحلقة السادسة)
مدرسة شبلي الفكریة
قال الشاعر الفارسي ما مفھومه:
أیھا الناس تعالوا واصنعوا الحلقة حولي فإنی أحوز في صدري إحتراقا ورثته من آباءكم واسلافكم.
إنه قد مضی ثلث اللیل وأنا عاكف علی طاولة دراستی. وقد ألقت آلة التكییف كل الحر للحجرة إلی الخارج ولكن كیف تجد الطریق إلی حرقة الصدر التي مازالت تشتعل مدفئتھا منذ أعوام طویلة. وقد کان مراراً وتكراراً أن ألقي بعض شعلاتھا في الرماد الخامد ھنا وھناك كی حصل لي بعض القرار ولكن ھل تقل من ذلك حرارة الشعلة الفائرة؟
وقد قلت شعراً غزلیا برجاء لعلني جاءني القرار ھكذا إلا أنه لا تقل شدة حرقة الشعلة بفتور شرارتھا.
غیر أن ھذه الشرارات مندفعة جیاشة الیوم إلی أن تشارك بهذه النار مع الآخرين كما صور ذلك الشاعر الفارسي بقول مامفھومه:
تجیش وتندفع شعلة من قلوبنا المحترقة المفترقة فإن النار قد جاشت الیوم واندفعت من قلوبنا الفائرة.
فإن عام ١٨٥٧م عام حیث غربت شمس السیادة الإسلامیة في القارة الھندیة ومع ذلك فھو عام أیضا، حیث طلعت شمس آخر علی مطلع الأمة الإسلامیة فقد ولد الشیخ الشبلي في نفس العام. فھو كما قال تلمیذه الرشید العلامة السید سلیمان الندوي: ولد في اضطراب الشرق وودع الدنیا في اضطراب وفوضی الغرب في سنة ١٩١٤م. فھذا ھو عھده الذي فیه قد تعرفنا علی الحضارة الغربیة تعرفا ملموسا مشھودا لأول مرة وكانت النتیجة أن افترقت الأمة إلی فئتین مختلفتین تماما. فإن الفئة الأولی منھما قد أصرت وألحت علی أنه لایمكن فھم القرآن والسنة وتفھیمھما منعزلا عن أصول ومبادئ لمدرستنا الخاصة وحیاداً علی أراء ومذاھب أكابرنا في جانب ولا تستحق الحضارة الغربیة وعلومھا ولاتجدر أن ینظر إلیھا أھل الدین والملة ویدرسونھا في جانب آخر. وكان من أعاظم رجال ھذه الفئة من أمثال قاسم النانوتوی ورشید احمد الكنكوھي ومحمود حسن الدیوبندي وأنور شاه الكشمیري وحسین أحمد المدني وأشرف علی التھانوي وشبیر أحمد العثماني وآخرين. وكانت ھناك طائفة أخری، تعطي كل الاعتبار لھذه الحضارة وعلومھا وتعتبرھا معیاراً للحق والباطل. وكان یتزعمھم ذلك الشیخ المبجل الذي قال شبلي نفسه:
یحوز بقلیل من الإعوجاج في ظھره بسبب الشیخوخة وھو متسجد كله في التوقیر والتبجیل.
وصار شبلی مؤسساً لمدرسة فكریة ثالثة بالمقارنة لكلتيھما. ابتنیت علی مبدأین: مبدأ الرجوع إلی عصر الرسالة حین ینزل القرآن وكان الرسول بنفسه یدعو الناس إلی الإسلام والثاني أنه من مقتضیات ومتطلبات القدیم أن نطلع علی الجدید أیضاً اطلاعَنا علی القدیم وكان من رجالات الفكر لھذه المدرسة أمثال السید سلیمان الندوي، ابوالكلام آزاد، ابوالاعلی المودودي وحمید الدین الفراھي وأمین أحسن الإصلاحي. ألقب ھذه المدرسة "بمدرسة شبلي". وكان اقبال أیضا منتمیا إلی ھذه المدرسة في أكثر الأحایین. وكان صوته صوتاً ما أجمله وما أروعه. وشعرہ یُعد من الأدب العالي ولكن بسبب انتماءہ إلی الفلسفة والتصوف كان كما رأیناه مثلا في تاریخنا العلمي قبل ذلك عند الغزالي. أنه شغف قلبه غزال جمیل وأراد اصطیاده فلما أخرج نبله من كنانته ووضعه في قوسه ورمق صیده فإذا به قد أخطأ ووقع النبل في صدر صید آخر وكان كما قال الشاعر الفارسي:
الیوم كنت أحوز في قوسي نبلاً بتوفیق من الله ووقع نظري علی غزال جمیل جدا وأخطأت.
وكان السید سلیمان الندوي قد خلف شبلي لكن من الحقیقة أنه كان من الفئة الأولی فقد أثبت فعلاً ھذا الأمر أن بایع الشیخ أشرف علي التھانوي. وربما نعتقد أن الشیخ عبد الماجد الدریابادي أیضاً كان فرداً من مدرسة شبلي ولكن قصة حیاته تحكي لنا حكایة أخری فإنه خرج من مدرسة الإلحاد وبلغ رأساً إلی زاویة تھانه بھون، وكان أبوالكلام آزاد عبقریا لھذا العصر فقد تأثر بكتابته وخطابته زمانه تأثراً كبیراً. فكان شأنه إذا طلع في مسرح الوقت أن قد طویت له وسعات الصحاري وانكسرت کذلك امواج الأنھار في وجھه غیر أن ناقة علمه وفضله قد فقدت في غبارھا ھي.
وكان أبو الأعلی عالماً كبیراً كما كان كاتباً قدیراً وأدیباً مصقعا له طراز خاص في الإنشاء والكتابة. وكان یتمتع بجمال الفطرة وحسن المزاج. فقد سار علی درب أبی الكلام بعده بشأن أن فكر كل من رأه أنه لا ینتھي إلا أن یقطع الطریق كله ویبلغ منزله. ولا ریب أنه قطع شوطاً بعیداً ورغم ذلك كم تخلف یُقدر ذلك كل من یلقي النظرة الخاطفة إلی ما ذھب إلیه في تفسیر "فقد صغت قلوبكما" مقارنا ما كتبه في ھذا المقام الشیخ الفراھي. فقد رأیته في أواخر أیامه بقرب قریب جدا. ومنعني الأدب وإكرام الكبار وإلا فقد دار في خلدی مرات عدیدة أن أقول له ما عبر به الشاعر الفارسي بقوله:
أنشر شَعرك وأصفر صفارة من شجرة الطوبیٰ. والأسف كل الأسف علیك أنك طائر لایغرد وصار محبوساً في القفس.
ففي ھذه المدرسة الشخص الذي یصدق علیه أن یقال له إمام العصر ھو حمید الدین الفراھي وحده. فكان آیة من آیات الله في ھذا الأرض واستمع إلی السید سلیمان الذي رثاه في وفاته:
"الصلاة علی ترجمان القرآن كانت نداء علت من منابر مصر والشام إلی حدود الصین للصلاة علی جنازة ابن تیمیة رحمه الله قبل ستة مأة ونصف عام منذ الیوم. ویجدر أن یعلو ھذا النداء مرة أخری الیوم وینتشر من الھند إلی أنحاء مصر والشام، لأن ابن تیمیة العصر الحاضر قد غادر الدنیا في ١١ نوفمبر ١٩٣۰م وفقا لجمادی الأخری ١٣٤٩ھ. والذي لا نرجو أن یولد شخص آخر في العالم الإسلامي فائزا بمثل فضله وكماله. والذي كان معجزة العصر الحدیث في الجمع بین قدیم الشرق وجدید الغرب، نابغة العربیة، متخرج فی الانجلیزیة، صورة الفضل والزھد والورع، تجسیم الفضل والكمال، بلبل شیراز بالفارسیة، وسوق عكاظ بالعربیة، شخصیة فذة ولكن عالم المعرفة ودنیا العلم وكون العرفان، مجمع الكمال المنغرل، وسلطان الأدب الفقیر. الفذ في العلوم الأدبیة مخزن العلوم العربیة ناقد بصیر فی العلوم العقلیة وصاحب حذاقة في العلوم الدینیة مطلع علی أسرار علوم القرآن، وعلامة رموز القرآن مستغنی عن ذخارف الدنیا وأھلھا، لایبالي ولا یكترث بأخذ ورد أو قبول وتحسین الناس. المعتكف فی زاویة العلم وملك عالمه ھو.
الشخصیة التي ما زالت عاكفة علی فھم القرآن والتدبر فیه ودرسه وتدریسه كانت ومنصرفة من كل شئ وراغبة عن كل شغل سواه منذ ثلثین عاما، ونأسف علی أنه قلما انتقل علمه من صدره إلی عالم الواقع والكتابة. وخلف مسودات كثیرة وبالأسف لیس ھناك من یقوم بتدوین وتریب تلك المسودات وإشاعتھا. والعدید من الرسائل التي صدرت له ھي في اللغة العربیة، التي لایقدر لھا العلماء أنفسھم فضلا عن العوام. وكانت حیاته رأس مال اعتمادنا وثقتنا وجوده كان عموداً لدار المصنفین ونتأسف علی انعدام ھذا الاعتماد والعمود، نعم قد بقي اعتماد الله سبحانه الذي لا اعتماد لغیره في الحقیقة. ومما نزداد أسفا علی أن الشخصیة كھذه جاءت وذھبت ولم تعرف الدنیا قدرھا ومنزلتھا ولم تعرف فضلھا وكمالھا: كما قال الشاعر الفارسي ما مفھومه:
مما یبعث علی الأسف جدا أنك یا نظیری قد جئت من السماء مثل المسیح ثم ذھبت أیضا راجعاً ولم یقدر لك أحد حق قدرك.
وھذه الشخصیة قد تشرفت وحدھا أنھا بدأت رحلتھا فلم تترك لھا طریقا ولذا ھو وحده وصل إلی المنزل بین جمیع السالكین لھذا الطریق. والاستاذ أمین أحسن ھو تلمیذ رشید لنابغة العصر كھذا اِن لم یبلغ منزل الاستاد فلم یتخلف عنه أيضا ،فإن المقام الأعلی الذي وصل إلیه حمید الدین قد قضی أمین أحسن طول عمره في شرح رموزه وكشف أسراره. فجاء تفسیره تدبر القرآن كتابا فذا في مجال العلم والتحقیق. وإذا استمعت إلی ماجری في الخمسین سنة من لسان قلمه الرشیق لكان كما قال عرفي الشاعر الفارسي ما مفھومه:
إن رمحه یتكلم في میدان القتال وفي وقت الصلح تتوسع جبھته توسع الملوك.
والناس الذین ظل فیھم طول عمره قلما كان فیھم مؤھلون لمعرفة فضله وكماله، وكم شھدت في مجالسه أن تُحل عقدات القرون في لمحات، وكم اعترفت أنه:
ھذا الطریق یقضیه في لمحة رعد البرق ونحن – المتغفلون – ننتظر إلی الشمعات والسرج.
ونعود إلی موضوعنا فإن الطائفة الأولی قد انصرف وقتھا وطال عمرھا وھي الآن كبناء عتیق یبلي ویتھدم بنفسه عند بناء جدید. والطائفة الثانیة وإن كانت متسلطة علی أماكن الشرف والسیادة ولكن التاریخ قد فرغ من قضاءه أن ذلك أیضا سوف یذھب إلی مذبلة التاریخ كمثل الضلالات الأخری ولم یبق لھا رسم إلا فی صفحاته. فإمامة العھد القادم مقدرة لمدرسة شبلي. كأن التاریخ یستعد خلف السترلاستقبال ظھور ھذه المدرسة في منصته وقال اقبال:
إن العالم الجدید في خفاء الآن ولكني أنظر طلوع سحره بلا حجاب.
ولكن ما ھو أحوال ھذه المدرسة نفسھا؟ قد توفی السید سلیمان الندوي وخلفه أبوالحسن علی الندوي ولكنه مثل استاذه هو في دیوبند أكثر منه في الندوة. وودع أبوالكلام آزاد ھذا العالم وحیدا فریدا. وخلف أبو الاعلی المودودي جماعتین. جماعة إدعت وراثته وجماعة تدعي أنھا ھي الأخری وارثته الحقیقية ومن ھنا یدعون متبعیهم إلی أخذ البیعة للسمع والطاعة بإسمه. وكلتا الجماعتین ورثتا أشیاء كثیرة من أبي الأعلی المودودي ولكن بالأسف لم یرثوا جزءاً من علمه وأدبه وجمال فطرته. ولذا لم یكن لھم بد من الاستمداد من المدرسة الأولی ولا ینالون منھا إلا الطرد والرفض إلی أن یتكلفوا كفارة ''كل خطأ'' لمدرسة شبلي. نعم في ھذه الجماعة أناس یستطیع شخص أن یقول عنھم – إذا شاء – إنھم مثقفون ولكن الحقیقة التي لا تجحد أنھم لا مكانة لھم إلا أنھم یقومون بشرح وتفسیر متن أبی الأعلی المودودي رحمه الله، ولعل العرفي قد قال فیھم قبل قرون:
لا تخرج قدمیك من الجھل أو كن فلاطونا. لأن الجلوس فی الوسط ھو السراب والعطش.
والآن البقیة الأخیرة لمدرسة شبلي ھو الأستاذ أمین أحسن، ولكن كم من تلامذته وأحباءه یعرفون ھذه الحقیقة ویدركونھا؟ وأراني أحترق بنار ھذا الإحساس المشتعل في صدري منذ عشر سنوات وأكثر. فإن نیرانھا تكاد تخمد في رمادھا ولا تخمد، فنارھا دائما في اشتعال في قلبي، فمرة اشتھي أن أنادي أخلاف أبی الأعلی:
إنه أمرضكم كل الأفراد الغیر المؤھلون، فھلموا إلی أمكم لتكون لكم شفاءً
وتارة يخيل إلي أن أنادي حلقة أمین أحسن.
أنا الذي لم أترككم ولكن ماذا أفعل بالمتكاسلین فإن قافلة الوقت لمسرعة جدا.
وأنظر أن قلمي قد جف ھنا، ولم یمر بي ھذا الحدث لأول مرة. فإني حینما بدأت أحكی ھذه القصة اختتمت حینما بلغت إلی ھذه النھایة. فتارة لم تصاحبنی اللفظات وتارة تعقدت المعاني. وتارة نام المستمعون والیوم لم یبلغ القلم إلی ھذا المقام أن انكسر. ولعل ذلك تذكرة لي أنه ؎
حكایة اشتعال واحتراق الشعلة لاتقل للكوخ والخس.
[١٩٨٧م ]
