logo
أخرى

موقف الأستاذ غامدي من قضية نزول المسيح

موقف الأستاذ غامدي من قضية نزول المسيح

[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]

(الحلقة السابعة)

ثانياً: إيمان أهل الكتاب  بعيسى عليه السلام  قبل موته

 إنه قد جاء في آية159 الفاظ: "وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (أي ولن يكون هناك أحد من أهل الكتاب إلا وسيؤمن به  أي بعيسى عليه السلام قبل موته (يعني قبل موت عيسى) ، وفي يوم القيامة سيكون (عيسى) عليهم شهيدًا)". ويرى العلماء والمفسرون أن الضميرين المفعولين في 'لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ' يُشير كلاهما إلى السيد المسيح عيسى عليه السلام. فالمراد بالضميرين في الآية: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ" هو.

ونتيجة هذا التفسير هو إثبات حياة النبي عيسى عليه السلام. والسبب هو أن موت المسيح (عليه السلام) وإيمان أهل الكتاب به حسب الآية لا ينفصلان. أي أن موته سوف يحدث عندما يؤمن به منكروه. فإذا كان موته قد وقع بمناسبة صعوده إلى الله، كان لا بد أن يؤمن به اليهود الذين تآمروا على قتله قبل ذلك. وبالمثل، كان من الضروري أيضًا أن يؤمن به كل يهودي منذ صعوده إلى الله، وأن يظل العالم خاليًا من اليهود باستمرار طوال الألفي عام الماضية. ويشهد التاريخ أن أياً من هذين الحدثين لم يحدث. وإن لم يحدث هذا، ولم يحدث قطعاً، فإن ذلك يعني بشكل واضح أن النبي عيسى (عليه السلام) حي وبصحة جيدة، ولم يصبه الموت.

على أن بعض المفسرين الآخرين يرون أن مرجع الضمير في ’لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ‘ هو السيد  المسيح عليه السلام، ولكن مرجع الضمير في ’قَبْلَ مَوْتِهِ‘ هو كل فرد من أهل الكتاب، وهذا يعني أن يُفْهَمُ مِنْ الآية:

"وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ" أن كل يهودي سيؤمن برسالة النبي عيسى عليه السلام عندما يواجه الموت، وسيدخل في الإيمان به قبل لحظات من وفاته هو.

بناءً على ذلك، فإن موقف العلماء هو أن هذه الآية تؤيد وتؤكد روايات نزول المسيح. إذا جمعت معاني كليهما، يتبين أن مفهوم حياة ونزول المسيح عليه السلام هو حق. ويزداد هذا الموقف قوةً من قول أبي هريرة رضي الله عنه، حيث قدم الآية المذكورة من سورة النساء لتأييد أحاديث نزول المسيح ويفسر المفتي محمد شفيع عثماني هذا الموقف  ويقول:

"وَلَمْ يَكُ ثَمَّةَ أَهْلُ كِتَابٍ إِلَّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه والضمير في "موته" يعود إلى السيد  المسيح عليه السلام، ومعنى الآية أن أهل الكتاب هؤلاء، وإن كانوا لا يؤمنون بالسيد عيسى عليه السلام الآن، فاليهود لا يعتبرونه نبياً، بل يعتبرونه العياذ بالله مفترياً وكاذباً، والنصارى رغم ادعائهم الإيمان به، لكنه في جهلهم يرى بعضهم أن عيسى عليه السلام قد قُتِل وصُلِب كاليهود، وقد تطرف بعضهم في عقيدتهم إلى الحد الذي اعتبروه إلهاً أو ابن الله. ولكن الدلالة القرآنية في هذه الآية تبين أن هؤلاء الناس، ورغم أنهم لا يؤمنون الآن بالنبوة الصحيحة للسيد عيسى عليه السلام، عندما ينزل مرة أخرى على هذه الأرض قرب قيام الساعة، فإن الذين كانوا من أهل الكتاب سيؤمنون به إيماناً صحيحاً. وأن النصارى جميعهم سيصبحون مسلمين بالعقيدة الصحيحة أما اليهود الذين سيعارضون فسيُقتَلون، ويتحول الباقون إلى الإسلام. في ذلك الوقت، يتم القضاء على الكفر بجميع أنواعه من العالم، وتكون السيطرة على هذه الأرض للإسلام فقط.

روي عن أبي هريرة رضي الله عنه:

لقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن عيسى بن مريم  ينزل حاكمًا عادلًا بالتأكيد ويقتل الدجال والخنزير، ويكسر الصليب، وفي ذلك الوقت تكون العبادة فقط لرب العالمين." وبعد ذلك قال أبو هريرة رضي الله عنه: "إذا شئتم فاقرأوا هذه الآية من القرآن الكريم، والتي ذُكِرَت فيها هذه الحقيقة. (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) وكررها ثلاث مرات، أي قبل موت عيسى.

وهذا التفسير للآية المذكورة مثبت برواية صحيحة عن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، حيث فُسرت عبارة "قبل موته" بأنها تعني "قبل موت عيسى"، مما حدد بوضوح مفهوم الآية بأنها تتعلق بنزول السيد المسيح عليه السلام قرب القيامة.

بناءً على هذا التفسير، فإن هذه الآية ناطقة بأن وفاة عيسى عليه السلام لم تحدث بعد، بل عندما يقترب يوم القيامة وسينزل من السماء وسوف تتحقق الحكم التي ارتبطت بنزوله من الله جل شأنه، عندئذٍ ستحدث وفاته على هذه الأرض.

خلاصة الأمر أن الآية المذكورة "قَبْلَ مَوْتِهِ" عندما تُفسر بحديث صحيح جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، يتّضح منها حياة المسيح عيسى عليه السلام ومن ثم نزوله قبل القيامة ليغلب اليهود بالكامل." (معارف القرآن 2  /603-605 )

فيما يتعلق بالتأويل الثاني، يثار السؤال حول كيف سيتاح لأي فرد من أهل الكتاب في حالة موته المفاجئ، أن يدرك رسالة المسيح ويؤمن بها؟ في الإجابة على ذلك تُقدم أقوال عبد الله بن عباس رضي الله عنه. وقد ذُكر فيها أن كل يهودي سيقر بالضرورة بنبوة المسيح مباشرةً قبل موته. وقد نقل الإمام جلال الدين السيوطي هذه الأقوال في تفسيره "الدر المنثور":

قيل لابن عباس: أرأيت إن خرّ من فوق بيت قال: يتكلم به في الهواء فقيل أرأيت إن ضرب عنق أحدهم قال يتلجلج بها لسانه وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى عليه السلام.

(2  / 733)

دلائل نزول المسيح

يُستدل من الأحاديث على تصور نزول السيد المسيح عليه السلام من السماء إلى الأرض، ويقدم العلماء والمفسرون جميع الأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع كأدلة قطعية في تأييده.

فيما يتعلق بالقرآن الكريم، فلا توجد فيه أي نصوص تدل مباشرة وبشكل صريح على نزول المسيح ومع ذلك، حسب رأي العلماء، هناك بعض الآيات في القرآن التي تحتوي على إشارات تدعم نزول المسيح. وأهمها تلك الآيات المذكورة أعلاه المتعلقة برفع المسيح وحياته بالإضافة إلى ذلك، تساهم آية 61 من سورة الزخرف (43) التي تستخدم فيها عبارة "وإنه لَعِلْمٌ للساعة" في الإشارة إلى نزول المسيح عليه السلام.

وهكذا، عندما نفهم آيات رفع المسيح وحياته مع أحاديث نزول المسيح ووفاته معًا، يتضح المخطط الكامل لله سبحانه. إذا قرأت الآيات، تجد أنها تثبت رفع المسيح عليه السلام وحياته وتبرز إشارات نزوله. وإذا نظرت إلى الأحاديث، تجد أنها تثبت نزوله ومن ثم وفاته. هذا الإثبات يلزم رفعه وحياته وبالتالي تصبح هذه الأحاديث مثبتة  ومؤكدة لتلك الآيات المذكورة:

بعد هذه المقدمة، عليكم الآن الاطلاع على تفاصيل الدلائل المتعلقة بنزول المسيح

أساس مفهوم نزول المسيح: الأحاديث

اتفق العلماء على أن تصور نزول المسيح مستند إلى الأحاديث وقد وردت الروايات حول هذا الموضوع بأسانيد صحيحة وحسنة في معظم كتب الحديث، وذُكر فيها أن المسيح عليه السلام سينزل من السماء مباشرةً إلى الأرض قرب القيامة. ويهبط على منارة مسجد في دمشق ويتولى قيادة جيش المسلمين. ثم يقتل الدجال وأتباعه من اليهود. وبفضل دعائه، يقضى على يأجوج ومأجوج أيضاً وتصبح الدنيا حينها مهد السلام والوئام ولن يبقى على وجه الأرض دين غير الإسلام.

 فيقول المولانا أبو الأعلى المودودي في "تفہيم القرآن" بعد سرد  الأحاديث الممثلة لنزول المسيح:

"هذه إحدى وعشرون رواية وردت عن أربعة عشر صحابياً بسند صحيح  في أصدق كتب الحديث. ... جميع هذه الأحاديث تخبر بوضوح وصراحة عن نزول ذلك عيسى عليه السلام الذي ولد قبل ألفين عام من غير أب من بطن مريم عليها السلام.... إذا كان أحد يؤمن بالأحاديث، فمن الضروري أن يعتقد أن الذي سيأتي هو عيسى ابن مريم عليه السلام. وإذا كان أحد لا يؤمن بالأحاديث، فلا يمكنه أن يؤمن بمجيء أحد على الإطلاق، لأن الاعتقاد بمجيء القادم ليس مبنياً إلا على الأحاديث."

2۔ تواتر روایات نزول المسیح

وعلماء الدين يعتقدون أن روايات نزول المسيح كثيرة ومتواترة أيضاً، طبيعتها ليست كأخبار الآحاد العامة التي تُروى عن قليل من الرواة. بل قد رواها عدد من الصحابة، وحدث عنها عدة رواة، ونقلها معظم المحدثين.

فيقول الإمام ابن كثير إن روايات نزول المسيح قد بلغت حد التواتر. ووفقًا لهذه الروايات قال النبي صلى الله عليه وسلم أن عيسى عليه السلام ينزل مرة أخرى قبل يوم القيامة. في ذلك الوقت تكون مكانته كحاكم عادل. وجاء في تفسير ابن كثير:

"إنه قد تواترت الأحاديث عن رسول اللہ صلی اللہ علیہ  وسلم أنه أخبرفيها بمجيئ المسيح عليه السلام قبل يوم القيامة والذي ياتي إماما عادلامقسطاً. "

(للبحث صلة ...)