logo
أخرى

حدود الدعوة

حدود الدعوة

(الحلقة الثانية والأخيرة)

٤- الهجرة والبراءة

الحد الرابع أن الأمر بالهجرة في القرآن الكريم لا يزال قائمًا من حيث المبدأ، فحيثما أصبح الالتزام بالدين في مكان ما ضربًا من المخاطرة والتعذيب، وجب على المؤمنين تركه والانتقال إلى حيث يتمكنون من ممارسة شعائرهم. غير أن هناك نوعًا من الهجرة تحدث عنها القرآن، وهي هجرة الدعوة التي كانت تمثل مرحلة من مراحل الرسالة، وتعد إعلانًا بالمفاصلة والبراءة من قبل الداعي تجاه قومه، فهذه خاصة بالرسل دون سواهم. ذلك أن من شروط هذه الهجرة أن تكون حجة الله قد أقيمت على القوم إقامة تامة، وهذا لا يتحقق إلا من خلال دعوة الرسل، لأنهم وحدهم الذين يملكون المقام الذي يؤهلهم لهذه المهمة: يبشّر ببعثتهم قرونًا قبل مجيئهم، ويذكرون في الكتب السماوية، وتروى أخبارهم في الأمم،١١ ويكونون قدوة في الأخلاق، وصفوة في السيرة،١٢ يوحى إليهم من الله، ويحاطون بعناية إلهية دقيقة١٣ تضمن لهم تبليغ الرسالة بلا خطأ أو نقص.١٤ولهذا، نجد أن كثيرًا من الأنبياء الذين لم يمنحوا منصب الرسالة لم يبلغوا هذه المرحلة من الدعوة. فالأنبياء من بني إسرائيل، كحناني وميكايه، سجنوا١٥، اضطرّ إلياس إلى الالتجاء إلى جبال شبه جزيرة سيناء١٦، ورجم زكريا في هيكل سليمان بين القدس والمذبح١٧، ضرب إرميا وسجن، ثم علّق في بئر مملوءة بالطين بعد أن ربط بالحبال ١٨، وعاموس، فقد نفي من موطنه ١٩، وقطع رأس يحيى عليه السلام بناءً على طلب راقصة، فوضع في صحن وقدّم إليها ٢٠، لكن لم يذكر أن أحدًا منهم هاجر هجرة مفاصلة على نحو ما فعله الرسل. والقرآن يبين أن قرار هذه الهجرة لا يكون إلا من الله تعالى، ولا يمكن لإنسان أن يقرره بعقله أو اجتهاده. فلما جاءت ملائكة الله إلى نبي عظيم مثل إبراهيم عليه السلام، حاملين قرار العذاب لقوم لوط، رأى ذلك سابقا لأوانه، فجادل ربه في شأن هذا القرار.٢١ ويونس عليه السلام الذي ترك قومه بغير إذن من ربه، فعاتبه الله بشدة٢٢. ولما آمن قومه بعد ذلك، اتضح أن توقيت الهداية لا يعلمه إلا الله. ومن ثم، فإن القرآن الكريم يجعل من واجب الرسول أن ينتظر حكم ربه باستقامة وثبات، ولا يترك قومه اعتمادًا على تقديره الشخصي بأنه قد أدى ما عليه من البلاغ.بل يظل قائمًا في الدعوةحتى يأذن الله لهب الخروج،كما قال تعالى:

﴿ وَلَاتَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾ (المدثر: ٦-٧)

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَاتَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ (القلم: ٤٨) فهذه الآيات تدل على أن الهجرة الدعوية لا تكون إلا بقرار إلهي صريح، وبهذا يعلم أن بعد ختم النبوة، لا مجال لهذا النوع من الهجرة مرة أخرى. أما في حال تعذر العيش بالدعوة مطلقًا، فإنه لا مانع أن يهاجر الداعية فرارًا بدينه، كما فعل أصحاب الكهف والمهاجرون إلى الحبشة. لكن هذا شيء مختلف تمامًا عن هجرة الرسل بعد إتمام الحجة، وقد انتهى هذا النوع من الهجرة بوفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ومن هنا، فإن أي حديث في هذا العصر عن هجرة دعوية أو براءة بمعنى الانقطاع التام عن المجتمع بدعوى إتمام الحجة، هو قول لا دليل عليه من القرآن أو السنة، ولا يؤيده العقل، ويعد توهّمًا لا وزن له في ميزان العلم والدعوة.

٥-النهي عن المنكر

الحد الخامس أن تجاوز التذكير والموعظة إلى مرحلة إزالة المنكر بالقوة ليس من صلاحيات أي داعية، بل هو مما اختص الله به ولاة الأمور. فالقرآن الكريم في هذا الباب واضح لا لبس فيه، إذ لم يؤذن حتى للرسل، وهم أعلى مراتب الدعاة، أن يتجاوزوا حدود التبليغ والبيان.يقول الله تعالى:

﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: ٢١–٢٢)

وقد يعارض بعض الناس هذا الفهم بماورد عن النبي ﷺ فيقوله:

’من رأى منكم منكرًا‘٢٣ولا شك أن هذا الحديث قد حمل في بعض فترات التاريخ، خاصة من قبل من لم يحسنوا فهم الدين، على أن كل صاحب عزيمة مكلف بتكوين جماعة من الأتباع، ثم الخروج لمحاربة المنكر بالقوة، حتى لو أدّى ذلك إلى الثورة على الأنظمة والحكومات. وقد تأسّست على هذا الفهم المنحرف جماعات مسلّحة، سلّحت الشباب بالبندقية بدلًا من الكتاب، ورفعت شعار "الإسلام الثوري" أو "الإسلام المقاتل".

وهذه هي القراءة ذاتها التي أدّت في عصرنا إلى اتخاذ هذا الحديث ذريعة لما يسمّى بـ"الجهاد المحلي" أو "الثورة الإسلامية". لكن الواجب أن يفهم الحديث في ضوء نصوص القرآن، ومسلّمات الدين، وسيرة الأنبياء، وألفاظ الحديث نفسه. ومن هنا يتبين أن تغيير المنكر بالقوة مرتبط بدائرة السلطة والولاية. فالرجل مسؤول في بيته، والحاكم مسؤول في دولته، والمدير مسؤول في مؤسسته. فكل صاحب ولاية شرعية مسؤول عن إزالة المنكر ضمن حدود ولايته.فإن لم يزل المنكر، مع قدرته عليه، ولم يكن ثمة مصلحة راجحة تقتضي الترفق أو التدرج، كان ذلك علامة على ضعف الإيمان. أما أن يقوم أي فرد أو جماعة بتجاوز حدود ولايته، ويشرع في التغيير بالقوة خارج إطار السلطة الشرعية، فهذا ليس جهادًا، بل هو فسادٌ في الأرض، لا يقرّه الإسلام بأي وجه من الوجوه.

٦-العذاب العام

الحد السادس أن العذاب العام الذي نزل على أقوام مثل عاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط، بسبب تكذيبهم للحق، هو أمر خاص بعصر الرسالة، ولا يمتد إلى ما بعده.

القرآن الكريم بيّن أن هذا النوع من العذاب لا ينزل إلا حين يقيم الله الحجة على قوم من خلال رسول من رسله. فإذا بلغ الأمر غايته، واستمر التكذيب بعد إقامة الحجة، فإن سنة الله تجري بهلاك القوم.أما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد انقطعت هذه السنّة، ولم تعد قائمة. فلا يحق لأي داعية بعده أن ينذر قومه بعذاب عام، أو يتنبأ لهم بزوال تام بسبب رفضهم لدعوته. فمثل هذا الأمر من خصائص الرسالة، وهو في الوقت ذاته دليل على الرسالة، لا يكون إلا معها.
نعم، تنبيهات الله وتحذيراته لا تزال قائمة، وما يقع من بلاء أو مصيبة قد يكون بسبب صد الناس عن الحق، لكن ذلك لا يبلغ حد العذاب الاستئصالي الذي أهلك به الله أقوام الرسل. وبناءً عليه، فإن على الدعاة في كل عصر أن يجعلوا محور دعوتهم التذكير بالآخرة، ويظلوا ملتزمين بحدود البلاغ والموعظة، ولايتجاوزوها إلى الوعيد بالعذاب العام، أو التهديد بالهلاك الجماعي، فإن ذلك تعدّ على مقام النبوة، وخروج عن منهج القرآن والسنة.

٧-التكفير

الحد السابع أن حكم تكفير الأفراد ليس من الحقوق الممنوحة لأي داعية، كائنا من كان. فقد يقع بعض المسلمين في الكفر أو الشرك نتيجة الجهل بأحكام الدين، ولكن ما دام لا يعترف هو بنفسه بأن ما صدر عنه كفر أو شرك، فإن الواجب في حقه أن تبيّن له الحقيقة، وتعرض عليه أدلة الكتاب والسنة التي تكشف خطأه، مع النصح الصادق، والتنبيه إلى خطورة ما وقع فيه، وتحذيره من عواقب ذلك في الدنيا والآخرة. وأمّا إصدار حكم بالكفر على شخص ما، فلا يكون إلا بعد إقامة الحجة البالغة، وهو أمر اختصّ الله به رسله، ولذلك، فإنه بعد ختم النبوة، لا يملك أحد هذا الحقّ إلى يوم القيامة.

وأقصى ما يمكن أن يقوم به النظام الجماعي للمسلمين، كما تدل عليه آيتا سورة التوبة (الآيتان ٥ و١١)، هو الإعلان عن خروج فرد أو جماعة من دائرة الإسلام لأغراض تنظيمية أو قانونية، كتحديد التعامل معهم في إطار الدولة والمجتمع، لكن هذا لا يعني بالضرورة تنزيل وصف الكفر عليهم بمعناه العقديّ والشرعيّ الكامل. غير أن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن للداعية أن يداهن في أمر الكفر والشرك، أو أن يسكت عن مظاهرهما. بل إن من أعظم مسؤولياته أن يحق الحق ويبطل الباطل، وأن ينفي التصورات الفاسدة في التوحيد والرسالة والمعاد، ويدعو إلى الصراط المستقيم الذي بينه الله في كتابه العزيز، من غير تردد ولا خشية ولا مواربة. لكن، مع ذلك، ليس له أن يصف أحدا من المسلمين بالكفر أو الشرك ما لم تقم عليه الحجة البالغة، ولا أن ينفصل عن المسلمين في شعائرهم كالجمعة والجماعة، أو أن يقطع علاقاته الاجتماعية معهم، أو يسعى إلى تكوين جماعة منعزلة داخل الأمة المسلمة، كأنها أمة أخرى، فهذا انحراف عن منهج الدعوة الحق، وتجاوز لحدود ما شرعه الله لعباده.

الهوامش:

١١. الأعراف: ١٥٧

١٢. القلم: ٤، الأحزاب: ٢١

١٣. الطور: ٤٨

١٤. الجن: ٢٧–٢٨

١٥. سفر الأخبار الثاني: ٧–١٠، الملوك الأول: ٢٢: ٢٦–٢٧

١٦. الملوك الثاني: ١٩: ١–١٠

١٧. سفر الأخبار الثاني: ٢٤: ٢١

١٨. إرميا: ١٥: ١٠، ٢٠–٢٣، ٢٠: ١–٨

١٩. عاموس: ٧: ١٠–١٣

٢٠. مرقس: ٦: ١٧–٢٩

٢١. هود: ٧٤–٧٦

٢٢. الصافات: ١٣٩–١٤٨

٢٣. مسلم، رقم: ١٧٧