إشراقة
لماذا لا تتوقف الحرب على غزة؟
(قراءة واقعية بعيدًا عن الشعارات، موجهة لشباب الأمة
وصرخة دامعة خرجت من القلب)
منذ أكتوبر 2023 وحتى صيف 2025 م المنصرم ودماء غزة لا تتوقف. الناس يموتون جوعًا، قصفًا، وأحيانًا بصمت في ظلال النسيان العربي والدولي. لكن السؤال الحقيقي: لماذا لا يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم وسط إعلانات كثيرة من الرئيس الأمريكي عن ذلك؟
تبدو الإجابة بظاهرالحال معقدة، لكن الواضحة لمن يراقب الصورة ببصيرة كاشفة وعين مفتوح، هي أن إسرائيل اليوم قد أصبحت في ذاتها دولة إمبرالية تحلم أن تكون دولة إسرائيل الكبري ولاتحتاج إلى الغرب أو الأمريكا في تحقيق حلمها، لأن الدول العربية المتجاورة لاتتصدى لها ولاتصدها عن موقفها هذا المتغطرس ،وأن القضية الفلسطينية، وبالأخص غزة، لم تعد فقط ساحة صراع بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال، بل تحولت إلى رقعة شطرنج دولية، ومجال مساومة بين قوى كبرى وأنظمة عربية فقدت البوصلة.
1 - نتنياهو لا يريد الحرب أن تنتهي
رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الطاغية بنيامين نتنياهو (يصف الكتاب المقدس هذا الإسم بذئب ضاري ،كتاب التكوين، باب 27: 49) يعلم أن وجوده السياسي على المحك بسبب قضايا فساد ومحاكم واحتجاجات داخلية. ما الذي يمكن أن ينقذه؟ إشعال حرب واستمرارها تحت غطاء "أمن إسرائيل". كلما طالت الحرب، كلما بقي في السلطة.
2- أمريكا- حليفة أعمى لإسرائيل
الولايات المتحدة، بدل أن تكون وسيطًا نزيهًا، أصبحت وخاصة في عهد الرئيس الحالي دونالد ترمب،"وحدة دعم لوجستي سياسي منقطع النظير" لإسرائيل. كل مشروع قرار لوقف إطلاق النار في مجلس الأمن يواجهه فيتو أمريكي. كل محاولات إنقاذ إنسانية تفشلها اتهامات لحماس وعرقلة. حتى المحكمة الجنائية الدولية هُددت فقط لأنها اقتربت من مساءلة مجرمي الحرب فمدعيها العالم كريم خان يوجه إليه التهديدات والستة من قضاتها يواجهون العقوبات من طرف أمريكا.
3- العالم العربي والإسلامي: بئسَ السكوت وصمت الموت
غالبية الدول العربية، من الخليج إلى وادي النيل، تتعامل مع غزة كأنها "ملف مزعج" يُفضل نسيانه. لا خطة حقيقية، لا ضغوط دولية، لا دعم ميداني، فقط بيانات شجب وإدانات مجوفة ووساطات رمزية. فبعضهم – كالإمارات – في حضن التطبيع الكامل، والبعض الآخر – كالسعودية ما بعد النفط – غارق في طموحات اقتصادية تريليونية، أما مصرالعزيزة -دولة رسالة التجديد في العالم العربي المعاصر- فمشغولة بإغلاق معبر رفح بأوامر عليا.حتى شيخ الأزهر، الذي تجرأ وأصدر فتوى لدعم غزة، أُجبر لاحقًا على التراجع تحت ضغط النظام.
4 - مفاوضات؟ ورقة مساومة
في 25 من يوليو 2025، انهارت مفاوضات وقف إطلاق النار في الدوحة، والسبب؟ عناد أمريكي / إسرائيلي في فرض شروط استسلام لا شروط تهدئة. حماس وافقت على أغلب البنود، لكن طالبت بتعديلات إنسانية بسيطة، فتم اتهامها بأنها تريد الموت، وتم سحب الوفد الأميركي! هذا لم يكن فشلًا دبلوماسيًا بل تكتيك ضغط وقح لإجبار المقاومة على الانهيار الكامل.
5- الكارثة الإنسانية... من يهتم؟
في غزة، الواقع أسوأ من الكوابيس:
- ملايين بلا ماء، ولا غذاء، ولا كهرباء
- الأطفال يموتون جوعًا
- أكثر من 6,000 شاحنة مساعدات متوقفة على المعابر
- وكالة إغاثية عاملة في الفلسطين لللأمم المتحدة (أونروا) ممنوعة من العمل بحجج أمنية واهية
- الهيئة البديلة التي أقامها الأمريكيون (GHA) تتحول إلى فخ قناصة يُقتل فيه كل من يذهب لأخذ المساعدات.
6- حماس = حجة لإبادة شعب
الهدف الحقيقي لإسرائيل لم يكن يومًا فقط "تحرير الرهائن"، بل مشروع تصفية شامل لحماس، تمهيدًا لـ"حسم الصراع" عبر استئصال جذور المقاومة. لكنهم ينسون أن حماس فكرة، لا فقط تنظيم. وأفكار المقاومة لا تُقتل.
7- في الداخل الإسرائيلي... أصوات تهمس
حتى داخل إسرائيل، بعض الجنرالات والسياسيين (مثل رئيسا الوزراء الأسبقين باراك وأولمرت) يعارضون استمرار الحرب، وخاصة عائلات المحتجزين الإسرائيلين الذي يحتجون اليوم في شوارع تل أبيب، لأن الأهداف غير واقعية، والنتائج كارثية على إسرائيل نفسها. لكن الرأي العام الإسرائيلي مأسور إعلاميًا، ويميل أكثر نحو التطرف.
يجب الآن إطلاق حركة شعبية عالمية لدعم فلسطين، تكون سلمية الطابع، وتُوظِّف كل الوسائل الحديثة لتوصيل الموقف الفلسطيني العادل إلى شعوب العالم. والحقيقة أن هذه الحركة قد انطلقت بالفعل من أوساط الطلاب والأساتذة الجامعيين والناشطين في مختلف بلدان العالم، وكل ما تحتاج إليه الآن هو التوجيه الصحيح والمستمر.
أما الحركات المقاومة، فقد صار من الضروري أن تعيد النظر في استراتيجياتها. يخطر في الذهن هنا تساؤل مهم: ماذا لو أن المقاومة المسلحة نفسها كانت قد بدأت داخل الأراضي المحتلة في إسرائيل، وليس في غزة؟ ربّما لم يكن الاحتلال ليستطيع تدمير غزة بهذا الشكل الوحشي الهمجي!
كذلك، يجب على الفلسطينيين أنفسهم توحيد صفوفهم. من المؤسف أنهم، كجماعة قومية، لم يستفيدوا من دروس تاريخهم الدامي كما ينبغي.
فالتاريخ يُظهِر لنا أنه عندما قررت بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين، سلّحت العصابات الصهيونية بأحدث الأسلحة ودرّبتها عسكرياً. كانت هذه العصابات تضم حوالي ستين ألف مقاتل، مجهزين بجميع أنواع الأسلحة والتكتيكات العسكرية. كانوا يشنون هجمات منظمة على قرى الفلسطينيين وبُلدانهم. في المقابل، كان الفلسطينيون يدافعون عن قراهم بشكل عشوائي ومُتفرق؛ في قرية ما، قد تجد عشرة رجال بأسلحة قديمة يحاولون صدّ الهجوم، وفي أخرى خمسة عشر فقط.
النتيجة كانت كارثية: عندما بدأت القوات الصهيونية هجماتها الممنهجة، لم يكن لدى الفلسطينيين أي قدرة على الدفاع المنظم، واضطر الملايين منهم إلى ترك قراهم وبلداتهم ومزارعهم. واليوم، ها نحن أمام الجيل الثالث من هؤلاء اللاجئين، منتشرين في مختلف دول العالم، وفي غزة، وفي دول الجوار.
والأدهى من ذلك أن الانقسام بين حماس وفتح لا يزال مستمراً! وكأن التاريخ لم يعلّمهم شيئاً! وحتى السلطة الفلسطينية، التي يُفترض بها أن تكون مسؤولة عن وحدة القرار، تبدو غير معنية بهذا التمزق.
ثم، من أين ظهرت هذه المليشيات المسلحة التابعة لياسر أبو الشباب، حليف نتنياهو المرتزق! هل الأمر مجرد مصادفة؟ أم أن هناك خططاً خفية لإغراق المشهد الفلسطيني بمزيد من الفوضى والانقسام؟
وتم أخيراً انعقاد مؤتمرحل الدولتين من جهود مشتركة من المملكة العربية السعودية ودولة فرنسا وخرج المؤتمربإعلان نيويورك. ويثارهناك سوال :هذا الإعلان هل هو استعادة مسار الدولة الفلسطينية أم تسويق للوهم؟
ففي الحقيقة إن إعلان نيويورك حول حل الدولتين يحشد دعما دوليا رمزيا لقضية فلسطين، لكنه كمايقول الكاتب الدكتورمحسن محمد صالح "يفتقر لآليات التنفيذ، ويقصي المقاومة، مما يجعله تكرارا لمسار أوسلو الفاشل وتكريسا للهيمنة الإسرائيلية."
ونحن الآن أمام مشروع صهيوني خبيث وهو الاجتياح البري لكامل قطاع غزة والقبضة عليها فهل يتم ذلك ؟دولة الاحتلال الجانية الجائرة قد أعلنته ونالت الضوء الأخضرمن ربتها وحاضنتها الطاغوت الدولي الكبيرالأمريكا-فأعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الجمعة أن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر وافق على مقترح السيطرة على مدينة غزة ضمن خطة أوسع لاحتلال القطاع بالكامل. والمقاومة من دورها أعلنت وتوعدت بإفشال الخطة الصهيونة الإجرامية هذه.والكيان الخبيث الآن قد بدأفعلاً هجومه البري والجوي من جديد على القطاع المنهوك رغم إدانات دولية وإسلامية كبيرة،لأنه بسبب التعاون الأميركي اللامحدود والأثيم يخال نفسه حرا ومفلتامن أي عقاب دولي أو محلي!
8- الشباب العربي والإسلامي أين أنتم؟
السؤال الآن ليس عن الأنظمة، بل عن الشباب العربي والإسلامي. الجيل الجديد الذي نشأ في ظل ثورات، ومنصات سوشيال ميديا، ومع ذلك لا يزال صوته مهمشًا في قضية بحجم فلسطين.
هل نقبل أن نكون الجيل الذي اكتفى بالميمز، والهاشتاغات، والتعاطف الرقمي؟
أم نتحول إلى جيل يُعيد المعنى للمقاومة الفكرية، الاقتصادية، والسياسية، مقاطعة، توعية،ضغط شعبي، تحالفات شبابية؟ كل خيار على الطاولة إذا وُجدت الإرادة.
خلاصة: الطريق إلى وقف الحرب ليس في نيويورك أو الدوحة فقط، بل في عقلية الجيل القادم
غزة لن تُنقذها دموعنا، بل حركتنا. لن يوقف الحرب من يتربّح من استمرارها.
الحل يبدأ عندما نقرر أن كرامة الإنسان لا تُقايض، وأن فلسطين ليست "قضية موسمية"، بل اختبار دائم لضمير هذه الأمة.
فهل ننجح حيث فشل مَن قبلنا؟ أم نضيف فشلًا جديدًا إلى قائمة الخذلان التاريخي؟
من أقسى الكلمات التي وردت في خطاب الملثم الحبيب أبي عبيدة المتحدث باسم كتائب القسام:
«وإننا نقول للتاريخ وبكل مرارة وألم وأمام كل أبناء أمتنا: يا قادة هذه الأمة الإسلامية والعربية، ويا نخبَها وأحزابَها الكبيرة وعلمَاءها، أنتم خصومنا أمام الله، أنتم خصوم كل طفل يتيم وكل ثكلى، وكلِّ نازح ومشرّد ومكلوم وجريح ومجوَّع، إنّ رقابكم مثقلة بدماء عشرات الآلاف من الأبرياء الذين خُذلوا بصمتكم، وإنّ هذا العدو المجرم النازي لم يكن ليرتكب هذه الإبادة على مسمعكم ومرآكم إلا وقد أمن العقوبة وضمن الصمت واشترى الخذلان".
مؤشر خير
وسط هذا الدمار الهائل، والقتل، والتجويع، والصمت الدولي والإسلامي على جرائم الحرب التي ترتكبها دولة الاحتلال البغيض، يبقى لنا مؤشر خير وأمل واحد، وهو اعتراف ثلاثة أرباع دول العالم المعاصر بدولة فلسطين المستقلة، وهو اعتراف يتزايد يومًا بعد يوم. وهناك دول كثيرة تعتزم الاعتراف بها في سبتمبر القادم، الأمر الذي قد يؤدي، بإذن الله، إلى قيام كيان فلسطيني حرّ ومستقل.
الخيار في يد جيلكم
عبرَ هذا المقال التحليلي المتواضع الذي يرسم بوضوح صورة مركبة ومؤلمة للواقع الجيوسياسي والإنساني في غزة، ويفضح تناقضات المواقف الدولية والعربية بشكل صارخ، خاصةً في ظل التواطؤ الأميركي مع إسرائيل، والصمت العربي الرسمي، والانقسام الفلسطيني، أناديكم وأناشدكم أيهاالشباب العربي والإسلامي أن هبوا من نومكم العميق واسعوا سعياً حثيثاً في سبيل تحرير القدس المحتلة ولانقاذ غزة العزة المنكوبة الصابرة المثابرة!فهل هناك من مجيب!
في رحاب العدد الثامن
بحمد الله وفضله، نضع أمامكم العددالثامن من مجلة الإشراق، جادين على المسيرة التي بدأناها في خدمة الفكر والوعي، وماضين في تقديم مختارات مترجمة منا لنسخة الأردية للإشراق لعدد أغسطس ٢٠٢٥م، إلى جانب دراسات وتحليلات أصيلة تسعى إلى تعميق النظر وتوسيع الأفق. مضيفين إلى كل ذلك بعض الأبيات المختارة من منهل الشعرالعربي الرصين ورسائل مشجعة من القراء.
لقد التزمنا منذ انطلاقة المجلة بأن تكون منبرًا حرًا للفكر المسؤول، ومجالًا رحبًا للتأمل الرصين، تجمع بين صدق المقصد ودقة الطرح، وبين رصانة المحتوى وجِدّية التناول.
وإذ نقدّم هذا العدد، فإننا نفتح قلوبنا وصدورنا لملاحظات قرّائنا الكرام وآرائهم السديدة، فهي زادنا في درب التطوير، وعونناعلى بلوغ التميّز.
نسأل الله أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع بها القرّاء والباحثين، وأن يكتب لها القبول في الأوساط العلمية والأدبية.
أخوكم في الدين،
أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي
(١5 أغسطس ٢٠٢٥م، علي كره)
