الشيخ السيّد أبو الأعلى المودودي:
مفكر صنع عصرًا
(الحلقة الثانية والأخيرة)
[تنشر هذه المقالات تحت عنوان "السير والسوانح للشخصيات"، وهي تعكس آراء وتحقيقات مؤلفيها الكرام، المستندة إلى أبحاثهم الخاصة، لذا، لا يلزم أن تتوافق المؤسسة مع جميع ما يرد فيها ]
ويمتاز منهجه في هذا السياق بأنه لا يقيّد نفسه بمذهب فقهي معيّن، وإن كانت سعة أفقه الفقهي تعكس الميل إلى المدرسة الحنفية، إلا أنه لم يرض بالتقليد، بل اتجه إلى الاجتهاد المبني على المقاصد، والسياق، والمنطق القرآني. فحين يتناول قضية الربا، لا يقتصر على سرد الأقوال الفقهية، بل ينطلق من أبعادها الأخلاقية في القرآن، ومن روح العدالة الاجتماعية، ومن رفض الاستغلال الاقتصادي، ليصل إلى تحريمها بمنطق أصولي وزمني متكامل. وهذا النهج يظهر أيضًا في تناوله لقضية الحجاب، حيث لا يقتصر على نصوص الآيات والأحاديث، بل يربطها بالسيرة النبوية، والسياق الاجتماعي، والضرورات المجتمعية، ويقدّم تفسيرًا ينسجم مع المنهج الكلي للفكر الإسلامي.
وهذه البصيرة الأصولية هي جوهر مشروعه الاجتهادي؛ فهو لا يضع المنهج السلفي التراثي مقابل المنهج الفقهي الأصولي، بل يسعى إلى تحقيق التلاقي بينهما. فلايقدّس التراث على حساب العقل، ولا يقدّم العقل على حساب النص، بل يقيم توازنًا دقيقًا بينهما. ففي تصوّره للدولة الإسلامية، يمارس هذا التوازن ذاته: يؤكّد على سيادة القرآن، وعلوّ الشريعة، ووجوب طاعة الله، وفي الوقت نفسه يُفصّل في مفهوم الشورى، والمشاركة الشعبية، والنظام القانوني، ويعيد صياغة هذه المفاهيم في ضوء الاجتهاد المعاصر.
ومن فرادة منهجه الاستدلالي أنه يركّز على معالجة القضايا بحسب طبيعتها الواقعية، فكل مسألة جديدة، وكل سؤال عصري، عنده ليس مجرّد طلب فتوى، بل دعوة إلى التفكير. ولهذا يتعامل مع الخلاف على أنه ضرورة فكرية لا مفر منها، ويخوضه بروح علمية، سواء كان في الحجاب، أو في حقيقة الربا المصرفي، أو في تفسير مفهوم إتمام الحجة في القرآن. ففي هذا المفهوم الأخير على وجه الخصوص، لا يعتمد فقط على الروايات، بل يستند إلى أسلوب القرآن في الدعوة، وتاريخ الأنبياء، وأسس الفطرة الإنسانية، ليبني اجتهادًا جديدًا تتآلف فيه النصوص والعقل والتاريخ، وتصبح جميعها محاميًا عن رؤية موحدة، متوازنة، وشاملة.
إن هذا الانسجام الفكري هو ما يتجلّى بوضوح في مؤلفات الشيخ المودودي مثل نظام الحياة في الإسلام، والنظرية السياسية في الإسلام، والدولة الإسلامية، ورسائل ومسائل، وتفهيم القرآن. ففي كتاباته لا نجد مجرد تفسير ديني، بل نلمس منهجًا في الاستدلال، وأصلًا في التأويل، وحركة فكرية اجتهادية تتغلغل في بنيتها من البداية إلى النهاية.
وهذا كلّه دليل واضح على أن الشيخ المودودي لم يقدّم في هذا المجال الثاني من الفهم الديني مجرد شروح جزئية أو ردود آنية، بل أبدع مشروعًا تجديديًا على مستوى البرهنة، والأصول، وبناء النسق الفكري، أخرج الفكر الإسلامي من قالب التكرار إلى أفق الاجتهاد. واجتهاده هذا ليس مقطوعًا عن التراث، ولا منبهرًا بالحداثة؛ بل يعرض الدين ضمن تفاعل حيّ بين العقل، والوحي، والتجربة الإنسانية. وهذا بعينه هو المعيار الثاني في وصف المفكر بأنه صانع عهد ومجدد فكر.
أما الدائرة الثالثة، فهي دائرة النقد والمراجعة والوعي الفكري، وهي البعد الذي يشكّل لبّ الأسلوب الاجتهادي عند المودودي، ويظهر في كتاباته كوجه أصيل ومستقل. فهو لا ينكر قداسة التراث، لكنه أيضًا لا يسلّم له تسليمًا مطلقًا يجعله بمنزلة المسلّمات غير القابلة للمراجعة. عنده أن التراث، سواء أكان فقهيًا أم تفسيريًا، حديثيًا أم صوفيًا، إذا آل في أي مرحلة من مراحله إلى جمود فكري، أو إلى خدمة مصالح طبقية، أو إلى تعطيل للاجتهاد، فإن نقده العلمي الرصين يصبح فريضة فكرية لا بد من أدائها.
وتتجلى هذه الروح النقدية أوضح ما تكون في كتابيه "تنقيحات" و"الخلافة والملك"، حيث يتناول بالنقد مبدأ التوريث في الحكم، الذي سعت السياسة التاريخية إلى تحويله من مصلحة وقتية إلى قيمة دينية مطلقة. كما يرفع صوته ضد الفقه التقليدي الذي قزّم الاجتهاد إلى مجرد تقليد للفتاوى، وجعل الدين عاجزًا أمام المسائل المستجدة. ومن أمثلة ذلك نقده للأحاديث المتعلقة بحقّ الوصية، والتي فسّرتها بعض المذاهب الفقهية كتحريم مطلق للوصية للورثة، في حين أن القرآن يعرضها كحق ثابت. هنا، لا يرفض المودودي الحديث ذاته، بل يدعو إلى دراسة أفقه، وسياقه، ومجاله التطبيقي ضمن اجتهاد معاصر.
وكذلك الأمر في بعض تعاليم التصوف، مثل مفهوم "الفقر الروحي" أو "الفناء في الشيخ"، إذ يطرح الشيخ المودودي أسئلة نقدية حولها، ويعيدها إلى محك الفحص في ضوء القرآن والسنة. ويرى أن مثل هذه المفاهيم إذا أضعفت وعي التوحيد، أو مسّت حرية الإنسان، أو جرّدته من مسؤوليته الأخلاقية، فإن انتقادها يصبح واجبًا شرعيًا وفكريًا. وفي السياق ذاته، يتعامل مع بعض الأحاديث النبوية بتوقّف علمي، كحديث "الدنيا سجن المؤمن"، فلا يأخذ ظاهره الحرفي على إطلاقه، بل يحثّ على فهم دلالته الروحية في ضوء سياقه الزماني والمعنوي.
وهذه الجرأة النقدية هي التي منحت الشيخ المودودي الثقة ليعبّر عن رأيه حتى في تطبيقات الشريعة الإسلامية ذات الطابع الطبقي. فهو يرى أن بعض تطبيقات الشريعة، مثل الشروط الصارمة في إثبات جريمة الزنا، أو مضاعفة الشهادة في إقامة الحدود، إذا أصبحت عائقًا أمام تحقيق العدالة الاجتماعية، فإن من الواجب مراجعة حكمتها الفقهية وجدواها المجتمعية، لا أن تفرض باعتبارها قوانين جامدة بلا تمحيص أو تأمل.
إن نقد المولانا لا يقتصر على التراث الإسلامي فحسب، بل يتعدّاه إلى تناول التأثيرات الفكرية الغربية التي، تحت شعارات العَلمانية والقومية والمادية العلمية، تسعى إلى تقويض الذات الإنسانية، والنيل من القيم الأخلاقية، والتشكيك في سموّ الوحي. ويبرز هذا الوعي النقدي في مؤلفاته المتعددة، حيث لا يكتفي بفضح التناقضات الكامنة في الفكر الغربي، بل يعمل أيضًا على إبراز الاستقلال المعرفي للفكر الإسلامي واستعادة مكانته الأصيلة.
إن هذا المنهج النقدي ليس نتاج ذهنية هدامة، ولا نتيجة انفعالات عاطفية تقوم على الرفض والمعارضة، بل هو انعكاس لذكاء علمي، وأمانة اجتهادية، ووعي حضاري متجذّر. إنه صوت اجتهادي يتردّد وسط صمت التقليد الرهيب، وشرط أول لإحياء الفكر الإسلامي من جديد. إنها بصيرة نقدية فتحت نوافذ الاجتهاد في جدران التقليد، ومنحت التراث الإسلامي القدرة على الحوار مع أسئلة العصر، بدلًا من التوقف عند حدود الاستظهار والانبهار.
وبعد هذه المساهمات المتميزة في الدوائر الثلاث السابقة، تتجلى أعظم إنجازات الشيخ أبو الأعلى المودودي في الدائرة الرابعة، وهي الأكثر شمولًا واتساعًا، حيث لا يكتفي بتفصيل الأصول أو تحليل المفاهيم، بل يقدم الدين بوصفه نظام حياة شاملًا، متكاملًا، ومترابطًا. في هذا المستوى، يتحول وعيه العلمي والاجتهادي إلى رؤية حضارية، ويتجاوز موقع المفكر والمفسر، ليصبح مؤسّسًا لتعبير جديد، وبانيًا لمشروع فكري متفرّد.
إن هذه الدائرة الرابعة، والأكثر شمولًا، هي التي تتوحد فيها جهود الشيخ المودودي الفكرية والاجتهادية والتجديدية في صورة تفسير كامل ومعاصر للدين، لا يقتصر على تقنين المبادئ أو نقد التراث، بل يبلور نظامًا فكريًا ومدنيًا جديدًا، مرتبطًا بالماضي، منفتحًا على الحاضر، ومضيئًا دروب المستقبل.
لقد منح الشيخ المودودي للفكر الديني اتجاهًا جديدًا، إذ قدّم تأويلًا للدين يمكن أن يوصف بحق بأنه تأويل سياسي. فهو لم يقصر الدين في نطاق الخلاص الفردي، أو الأخلاقيات الصوفية، أو الشعائر التعبدية، بل اعتبر الدولة الأداة المركزية لتطبيق الشريعة. فالدين عنده هو نظام شامل للحياة، يشمل الاجتماع، والاقتصاد، والقانون، والسياسة، والعلم، والحضارة بكل أبعادها. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار المودودي مؤسس هذه الرؤية، التي انتقلت بالدين من منابر الوعظ وفتاوى الفقهاء إلى فضاء النظام الاجتماعي، والسياسي، والمدني. وبذلك، منح الدين أفقًا حضاريًّا جديدًا، وعمقًا عمليًا ملموسًا.
وتمثل كتاباته مثل المفاهيم الأربعة الأساسية في القرآن الأساس الفكري لهذا النسق التأويلي، حيث أعيدت مفاهيم القرآن صياغة ومعنى بعمق دلالي واتساع فكري جديد. ففي هذا الكتاب، يرسم الشيخ المودودي خطًّا فاصلاً بين "الإسلام" و"الجاهلية"، ويقدم الحضارة الغربية الحديثة بوصفها "الجاهلية المعاصرة". وفي مقابلها، يطرح نموذجًا إسلاميًّا شاملًا يوجه الإنسان في حياته الروحية، والأخلاقية، والقانونية، والسياسية. وبالطريقة ذاتها، فإن مؤلفاته مثل برنامج الحركة الإسلامية القادم، الدستور الإسلامي، ما هي الدولة؟ والقضايا الأساسية في الاقتصاد الإسلامي، ليست مجرّد اقتراحات إصلاحية، بل تمثل بناءً فكريًّا ومدنيًّا شاملًا. ففيها يعرض الدين بوصفه نموذجًا اجتماعيًّا ودولتيًّا منتظمًا، حيث تتلاقى مفاهيم القانون، والقوة، والأخلاق، والدعوة في مركز واحد منسجم. وليست هذه الرؤية عند الشيخ المودودي موقفًا فلسفيًّا مجرّدًا، بل هي تفاعل حيّ بين الوعي الحركي، والتحديات الفكرية، وجرأة الاجتهاد. فهو لم يختصر الدين في حدود المصطلحات الكلامية أو نجاة الفرد، بل صاغه بلغة الوعي الحضاري والسياسة العملية. لقد جمع الأجزاء المتفرقة للدين، ونسج منها نظامًا فكريًّا متكاملًا، يوحّد الإنسان والمجتمع، والسلطة والعلم، والقانون والأخلاق، في نسيج داخلي متناغم. وهذا الإنجاز هو ما يرفع المفكر من كونه مجرد عالم إلى أن يكون مفكرًا مؤثرًا في مصير الأمة وصانعًا لعصره. وهنا تتجلّى شخصية الشيخ المودودي لا كمفسّر أو فقيه أو داعية فحسب، بل بوصفه معماريًّا حضاريًّا، ومفكرًا حركيًّا، ومجددًا في سياق الفكر الإسلامي. مفكر لا يكتفي بحمل أمانة التراث، بل يراجعها، ويجددها، ويعيد بناءها.
في مجالات التأصيل المنهجي، والتنظيم الفكري، والنقد التحليلي، والتفسير الشامل، قد تثار خلافات حول آراء الشيخ المودودي رحمه الله، غير أن أي قارئ جاد لتاريخ الفكر الإسلامي لا يمكنه إنكار أن الشيخ المودودي كان واحدًا من أعلام هذه المدرسة الكبرى. فقد كان مفكرًا استثنائيًّا منح الفكر الإسلامي في عصره اتجاهًا جديدًا، ولغة معبّرة، وقوة مؤثرة، حتى غدا شخصية فريدة في ساحة التجديد الإسلامي المعاصر.
