logo
أخرى

حیاة أمین

حیاة أمين 

سيرة الشيخ أمين أحسن الإصلاحي

]وفقًا لوصية صاحب "تدبر القرآن"، هذه صفحات من سيرته بقلم كاتبها نعيم أحمد بلوش [

(الحلقة السابعة)

دراسة الفلسفة والسياسة

لم يقتصر تحصيل أمين أحسن الإصلاحي على علوم الدين واللغة العربية فحسب، بل قرأ أيضًا بعض الكتب باللغة الإنجليزية، وتلقى مباحث في السياسة والفلسفة على يد أستاذه الإمام الفراهي. وقد أشار الشيخ الإصلاحي إلى أنه قرأ كتاب "نظرية الدولة" للمفكر الألماني بلينتشلي، قراءة متأنية درسًا بعد درس، حتى استوعب مضمونه بدقة. والكتاب المشار إليه هو من تأليف العالم الألماني يوهان كاسبار بلنتشلي (Johann Kaspar Bluntschli)، وقد نشر لأول مرة باللغة الألمانية سنة ١٨٧٥م، ثم ترجم إلى الإنجليزية في عام ١٨٩٥م.

ويعدّ من المؤلفات الرائدة في تحليل مفهوم الدولة وتطورها التاريخي، ويقع في نحو خمس مئة صفحة. ولا شك أن قراءة هذا العمل "كلمة بكلمة" تدل على دراسة مزدوجة، فهم المعاني السياسية والفكرية من جهة، وتحليل البنية اللغوية للنص الإنجليزي من جهة أخرى. وقد صرّح الشيخ الإصلاحي أن هذه الدراسة العميقة كان لها أثر بالغ في تأليفه لكتابه المعروف "الدولة الإسلامية"، حيث شكلت له أساسًا مرجعيًا مهمًا في النظر السياسي الإسلامي. أما في الفلسفة، فقد ذكر الشيخ أنه تناول عددًا من مباحثها بمساعدة الإمام الفراهي، لا سيما تلك التي لها صلة وثيقة بالقرآن الكريم ومنهجه في التفكير. وفي هذا السياق، يشهد الدكتور شرف الدين الإصلاحي قائلًا:

"في تلك الفترة، قرأ الشيخ الإصلاحي، إلى جانب القرآن الكريم، بعض فروع الأدب العربي والفلسفة المرتبطة بفهم القرآن الكريم. ومن البيّن أن هذا النوع من الدراسة تم خارج نطاق حلقة درس التفسير القرآني المعتادة."

(ذكر الفراهي، ص: ٥١٠)

إشكالية الجبر والاختيار

تعدّ مسألة الجبر والقدر من أعقد المسائل التي يواجهها كل طالب علم يسعى لفهم دقيق، ولا يرضى بكبت السؤال أو التهرب منه دون جواب شاف. وقد صرّح الشيخ أمين أحسن الإصلاحي أنه هو نفسه واجه هذه الإشكالية في مرحلة من مراحل طلبه، إذ خطر بباله هذا التساؤل:

إذا كان الله تعالى يعلم مسبقًا ما سيفعله كل إنسان، فكيف يحاسب الإنسان على أفعاله؟ وإن كان الله يعلم أن فلانًا سيرتكب الشر والجريمة، فلابد أن يقع منه ذلك لا محالة، وإلا لكان علم الله ناقصًا! فكيف نحمّله مسؤولية أفعال كان وقوعها معلومًا محتومًا؟

ولا يتّضح من روايات الدكتور شرف الدين الإصلاحي ولا من رواياتنا المباشرة ما إذا كان هذا السؤال قد ورد في ذهن الشيخ الإصلاحي أثناء دراسته في المدرسة أو في أثناء تلمذته للإمام الفراهي، إلا أن الدكتور شرف الدين يروي أن الشيخ دخل يومًا على أستاذه وجلس عند طرف سريره، ففهم الإمام أن أمرًا هامًا يقلقه. ومن هذا السياق يستشف أن السؤال ربما طرح في المرحلة الثانية من صحبته. أما عن الجواب، فيذكر الشيخ أن الإمام الفراهي لم يطل الشرح، بل قال بكل بساطة:

"إنما علم الله يتعلق بما يختاره العبد بنفسه، ولهذا فهو مسؤول."

ويعلّق الشيخ الإصلاحي قائلًا:

"بهذه الكلمات القليلة: (بما يختاره بنفسه)، انقشعت الغشاوة من ذهني، ولم يعد لهذا الإشكال سلطان عليّ بعد ذلك."

ثم أثنى على أستاذه الإمام الفراهي، مبينًا أن من خصائصه التربوية أنه كان يخاطب تلاميذه على قدر عقولهم، ويعالج كل إشكال من صميم ما يعتمل في نفوسهم، لا من خارجها.

مسألة الإلحاد

وقد سألناه في أحد المجالس: هل ساورك في شبابك، ولو مرة، شكّ في وجود الله تعالى؟

فأجاب بابتسامة هادئة:

"كان حالي في هذا كشأن أستاذي الإمام الفراهي. لقد أخبرني مرة أنه لم يخطر بباله هذا السؤال إلا مرة واحدة، عرضًا وسطحًا، فقال في نفسه: هل يمكن أن تكون هذه الكائنات بلا خالق؟ فكان الجواب الباطني فورًا: لو لم تكن هذه المنظومة منضبطة بقانون صارم، لكان الأمر قابلًا للنقاش. أما وهي تسير بهذا الانضباط، فالإلحاد ليس خيارًا عقليًا أصلًا."

ثم أضاف:

"وأنا أيضًا لم أجرّب هذا التساؤل إلا مرة واحدة في حياتي، ولحظةً عابرة. ولكن العقل أجابني في التو: الإلحاد فكرة غير عقلانية."

وكان الشيخ في مجالسه كثيرًا ما يردّد عبارته الشهيرة إذا طرح عليه الاستدلال بـ"العلة والمعلول" على وجود الله، فيقول:

"العلة والمعلول لا تصلحان دليلًا على وجود الباري، فقد يكون المعلول مجرد صنعة شيطان أو كائن خرافي. أما أنا، فأؤمن بإله حيّ قيّوم، قادر مطلق، عرّفنا بذاته من خلال كتابه، وتراءت آثار صفاته في كل ذرة من ذرات الكون."

صلة الوفاء بالأستاذ

في هذا الباب، يكفينا أن ننقل اقتباسًا بليغًا عن أستاذنا الجليل جاويد أحمد غامدي، يعبّر فيه عن عمق الصلة بين الشيخ أمين أحسن الإصلاحي وأستاذه الإمام حميد الدين الفراهي، إذ يقول:

"كان يحدثنا قائلًا: في أواخر حياة الإمام الفراهي، أفتى أحد كبار علماء الهند بكفره بسبب ما كتبه في إحدى رسائله. وقد أحدث هذا الفتوى ضجة كبيرة، وانتشر الاضطراب في أرجاء المنطقة. شعر طلاب وأساتذة مدرسة الإصلاح بالقلق الشديد، وكنت أنا أيضًا أعيش لحظة مأساوية لا تنسى. في غمرة ذلك الاضطراب، أسرعت أبحث عن أستاذي الإمام حتى وصلت إلى دار المطالعة، فرأيته واقفًا على درج السلم. ركضت نحوه وأخبرته بالخبر، وأنا أتوقع منه ردة فعل تتناسب مع حجم الكارثة التي كنا نعيشها. لكنه وقف لحظة واحدة على السلم، ثم واصل صعوده وقال بهدوء: حسنًا، الشخص الذي تتحدث عنه لا يعرفني أصلاً. وقفت مشدوهًا أنظر إليه. لقد كان ذلك التعليق أبلغ ردٍّ يمكن أن يُقال في مثل هذا الموقف. وكان الأستاذ الإصلاحي يصفه دومًا بشغف قائلاً: كان الفراهي هكذا، فمن أين لنا اليوم أن نجد رجلًا بهذه العظمة؟"

 (المقامات، صـ ٨٣–٨٤)

ومن الجدير بالذكر أن الإمام الفراهي تعرّض لفتويين شهيرتين بالتكفير إحداهما في حياته، والأخرى بعد وفاته. وسنأتي على ذكر تفاصيلهما في موضع مستقل لاحقًا، إن شاء الله.

(يتبع ...)