logo
أخرى

البدعة في تحريم الحلال

البدعة في تحريم الحلال

لم يمنح الله تعالى أحدًا من خلقه سلطة التشريع في الدين. حتى رسول الله ﷺ، لم يكن ينطق في أمور الدين عن الهوى، بل كان يتلقى وحيًا ويبلّغ عن ربه ما أمر به. فكيف يحقّ لغيره أن يتجرأ على هذا المقام؟ إن من يزعم لنفسه حقّ التحليل والتحريم بغير سلطان من الله، إنما يقتحم حدودًا لا يجوز لمسلم أن يدنو منها، ويتجرأ على مقام الألوهية بما لم يأذن به الله. وهذا بلا شك افتراء عظيم على الله.

وقد جاء في كتاب الله، في سورة الأعراف، هذا الإنكار الإلهي الجليّ على من يفعلون ذلك:

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾

(الأعراف: ٣٢)

فهو استفهام استنكاري يكشف عن سخط الرب تعالى على أولئك الذين يضيّقون على الناس ما وسّعه الله لهم، ويحرمون من الطيبات ما جعله الله متاعًا لعباده. بل إن الله عز وجل حذّر من مغبّة هذا المسلك، وبيّن أن عاقبته الخسران في الدنيا والآخرة، فقال:

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللہِ الْكَذِبَ  إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللہِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: ١١٦)

إن تحريم ما أحلّ الله، أو تحليل ما حرّمه، ليس إلا وضعًا لشريعة من تلقاء النفس، وهو ما يسمّيه العلماء بالبدعة. وهذا الانحراف قديم، مارسه كثير من القادة الدينيين في الأمم السابقة، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وضيّقوا على أتباعهم بما لم ينزل الله به سلطانًا. لقد وقع في هذا الذنب علماء اليهود والنصارى، ولم يتورعوا عن ابتداع الأحكام ونسبتها إلى الدين، حتى غدا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، كما وصفهم القرآن الكريم في قوله:

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللہِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَـٰهًا وَاحِدًا لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ  سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣١)

كتب أستاذنا الجليل جاويد أحمد غامدي في تفسير هذه الآية:

"أي أنّهم أعطوا علماءهم وفقهاءهم المكانة التي لا ينبغي أن تُمنح إلا لرب العالمين؛ فقبلوا منهم أحكام التحليل والتحريم كأنها أحكام إلهية، وانقادوا لها كما ينقادون لأوامر الله وأحكامه. بل حتى إذا عرضت عليهم آية صريحة من كتاب الله أو حديث واضح عن نبيّه، فإنهم لا يولونها أي اعتبار أو اهتمام."

 (البيان، جـ ٢، صـ ٣٤٣)

وقد روى عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في تفسير هذا السلوك:

"إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئًا استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئًا حرّموه." (الترمذي، رقم ٣٠٩٥، وقد حكم العلامة ناصر الدين الألباني رحمه الله على هذا الحديث بأنه حسن).

ولا تختلف حال أمة الإسلام كثيرًا عن حال من سبقهم؛ فقد جعل كثير من المسلمين علماؤهم وفقهاءهم، بل مشايخ الطرق ومرشديهم الروحيين، في هذه المنزلة نفسها. وأبشع صور هذا الانحراف هي حين يُختلق الكذب في مسائل الحلال والحرام بدعوى تحقيق مصلحة دينية أو أخلاقية. فالحفاظ على الدين والشريعة، ونشر الإحسان والفضيلة، تتّخذ ذرائع لهذا الافتراء.

فنرى اليوم، تحت عنوان الزهد والتقوى، تروّج تعاليم الرهبانية، ويجعل التزكية الروحية وسيلة لتحريم السمع والبصر والكلام، بل والطعام والشراب، ومتاع الحياة التي أباحها الله لعباده. إن هذا الفعل، أي تحريم الحلال من تلقاء النفس، يعدّ في ذاته أمرًا محرمًا.

وقد عدّ الله تعالى هذا المسلك من جملة المحرمات الكبرى في منظومة الأخلاق، حيث قال:

﴿قُلْ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُوْلُوْا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُوْنَ﴾

 (الأعراف: ٣٣)

كتب الأستاذ الجليل في تفسيره أن في هذه الآية الكريمة، "قول على الله" يتضمن في أسلوبه معنى "الافتراء على الله"، ومقصوده، اختلاق الكذب باسم الله، بتحليل ما حرّمه وتحريم ما أحلّه، وتأليف شريعة لا صلة لها بالله ولا بدينه. وقد جاء في كلامه:

"الألفاظ الأصلية في الآية هي (أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللہِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، وصلة (عَلَى) بعد (تَقُولُوا) تدلّ على التضمين، أي، أن المعنى متضمن لعبارة (مُفْتَرِينَ عَلَى اللہِ). فسواء أصدرت الفتاوى في الحلال والحرام من تلقاء النفس، أو اخترعت البدع اتباعًا للأهواء، أو صنّفت شريعة من عند النفس ونسبت إلى الله، فكل هذه الأفعال تدخل تحت هذا المفهوم." (البيان، جـ ٢، صـ ١٥٠)

ـــــــــــــــــــــــــ

>

>