logo
أخرى

دراسة سنن ابن ماجة

دراسة سنن ابن ماجة

[الاستفسارات المتعلقة بأحاديث سنن ابن ماجة وإجاباتها ]

(الحلقة السابعة)

مطیع سيد: في باب العين، وردت رواية أن سهل بن حُنيف كان يغتسل، فرآه عامر بن ربيعة وقال: ما رأيتُ جسماً جميلاً كهذا قط، حتى عند النساء. فما إن قال ذلك حتى أصيب سهل بألم شديد وبدأ يتلوّى. فجِيء به إلى النبي ﷺ وهو على تلك الحال، فقال ﷺ بلهجة متأثرة: «أَيَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟!» ثم قال: «إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدعُ له بالبركة». (کتاب الطب، باب العین، رقم3509۔) ثم طلب ماءً وأمر عامر بن ربيعة أن يتوضأ، ثم أمر أن يُصبّ ذلك الماء على سهل. اليوم، من المستحيل تقريباً أن نقول لأحد: فلان أصيب بعينك، فتوضأ وأعطنا الماء لنصبّه على المصاب، لأن ذلك قد يؤدي إلى مشكلات أو شجار.

عمار ناصر:  السبب في أننا لا نفعل ذلك اليوم هو أن الناس لم يعودوا يؤمنون بهذه الأمور أو لا يتقبلونها، لكن من حيث المبدأ يمكن فعلها حتى اليوم. في ثقافتنا هناك أيضاً وسائل مشابهة، لكنها تختلف في الشكل، مثل أن تقوم بعض النساء بحرق الفلفل وتمريره أمام المصاب بالعين، أو غير ذلك من الوصفات الشعبية. فالحديث يثبت أن العين قد تنقل أثراً سيئاً، وأن إزالته بوسائل معينة أمر ممكن.

مطیع سيد: ورد في حديث أن في سورتي آل عمران وطه اسم الله الأعظم، الذي إذا دُعي الله به استجاب. (کتاب الدعاء، باب اسم الاعظم ، رقم 3856).

فما هو هذا الاسم الأعظم؟ وإذا كان اسماً لله فلماذا أبقاه النبي ﷺ مبهماً ولم يصرح به؟

عمار ناصر: ليس في الأمر إبهام مقصود. إذا جمعنا الروايات، نجد أن المقصود هو الألفاظ التي تتضمن ذكر ألوهية الله وعظمته. وكلمة «اسم» في العربية لا تعني مجرد اللفظ الذي يُسمّى به، بل قد تشير إلى الألفاظ التي تدل على الصفات. وهذه الصفات متعددة، وهي ليست تعاويذ، بل صفات الله تعالى. فأي لفظ يتضمن ذكر عظمة الله، وتوحيده، وألوهيته، فهو اسم الله الأعظم. فمثلاً، في مطلع آل عمران قول الله: ﴿ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ﴾،) نفس المصدر 3: 2)

 وفي سورة طه قول الله: ﴿ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ﴾، ( نفس المصدر 20: 8) وأيضاً ﴿وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِ﴾ (نفس المصدر 20: 111) كلّها أمثلة على ذلك.

مطیع سيد: ورد أن ثلاثة أشخاص تُستجاب دعوتهم: دعوة المظلوم، ودعوة الوالد لولده ودعوة المسافر. (کتاب الدعا، باب دعوۃ الوالد و دعوۃ المظلوم، رقم 3862)

الأولى والثانية مفهومة، لكن ما سر استجابة دعوة المسافر، مع أنه قد يكون خرج لعمل دنيوي، كتجارة مثلاً؟

عمار ناصر: إذا كان السفر لطلب الرزق، فإن الشريعة لا تنظر إليه كمجرد نشاط دنيوي. المقصود في الحديث – بعمومه – هو الشخص الذي يخرج من بيته وأهله لتحصيل معاشه وتلبية حاجات أسرته، فهذا في نظر الله نشاط صالح وعمل خير عظيم. أما من يسافر لمعصية فليس داخلاً في ذلك، لكن من يتحمل مشقة السفر من أجل الكسب الحلال وأداء واجباته فهو محبوب عند الله.

مطیع سيد: ورد عن النبي ﷺ قوله: «الرؤيا على جناح طائر ما لم تُعَبَّر»( کتاب تعبیر الرؤیا،باب الرؤیا  اذاعبرت وقعت فلا یقضھا الا علی وادِ، رقم 3914) فما معنى ذلك؟

عمار ناصر: المعنى أن الرؤيا تحتمل الغموض في تأويلها، فإذا فُسّرت بتأويل حسن كان لذلك أثر في وقوعها على ذلك المعنى، لذا نصح النبي ﷺ ألا يُحدّث المرء برؤياه إلا من يثق بفهمه وحكمته، وخاصة ألا يرويها لمن قد يفسّرها تفسيراً سيئاً. فكما أن الفأل الحسن يؤثر إيجاباً، فكذلك تعبير الرؤيا الحسن يكون له أثر إيجابي.

مطیع سيد: لكن ملك مصر رأى رؤيا، وفسّرها الكهنة بأنها أضغاث أحلام، ولم يؤثر تفسيرهم هذا على تحققها.

عمار ناصر: الكهنة لم يقدّموا تفسيراً أصلاً، لأنهم لم يفهموا الرؤيا، فقالوا إنها أضغاث أحلام. ولو أرادوا لتفسيرها تفسيراً سلبياً، لقالوا مثلاً إن البلاد ستتعرض لكارثة، ولصدّقهم الملك، لكن يوسف عليه السلام قدّم التفسير الصحيح الذي تضمّن التحذير من الأزمة مع بيان الحل.

مطیع سيد: في حديث، قال ﷺ لأبي ذر: إذا وقع القتل والفتن فالزم بيتك، فقال: فإن دخل عليّ الفاسدون؟ قال: «فإن خِفتَ بريق سيفه فألقِ بطرف ردائك على وجهك» – أي لا تدافع حتى بالقتل – «ليكون إثم القاتل والمقتول عليه» (کتاب الفتن، باب التثبت فی الفتنة ،رقم:3958) فلماذا منعه من الدفاع عن نفسه؟

عمار ناصر: المقصود هنا حالة خاصة جداً، وهي الفتنة التي يقتتل فيها المسلمون دون وضوح تام للحق مع أحد الأطراف. في هذه الحال، الأولى ترك القتال حتى في الدفاع عن النفس، اتقاءً لقتل مسلم بغير برهان بيّن. فهذا من باب العزيمة، لا من باب نفي حق الدفاع المشروع مطلقاً.

مطیع سيد: ورد أن خير الناس رجل على فرس في سبيل الله، ورجل في شعف الجبال يعبد الله بعيداً عن الناس. (کتاب الفتن، باب العزلة، رقم3977)  أليس هذا أسلوبان متناقضان للحياة؟

عمار ناصر: ليس المقصود المقارنة بينهما، بل المقارنة مع حياة المدن المليئة بالفتن، حيث يكثر القتال بين المسلمين أو التنافس على الدنيا. فالخلاص يكون إما بالجهاد الصادق في سبيل الله أو بالعزلة في عبادة الله بعيداً عن الفتن.

مطیع سيد: الحديث المشهور عن افتراق الأمم إلى 71 و72 فرقة، وأن أمة النبي ﷺ ستفترق إلى 73 فرقة، واحدة ناجية، وهي «الجماعة» (کتاب الفتن، باب الافتراق الامم ، رقم3992).

من هي الجماعة؟

عمار ناصر: المقصود بالجماعة في الجانب السياسي هو السواد الأعظم من المسلمين وعدم شق صفهم. وفي الجانب الديني، المعيار هو «ما أنا عليه وأصحابي»، أي اتباع ما كان عليه الصحابة الموثوقون. لكن في عصرنا يصعب تحديد جماعة واحدة تمثل ذلك مئة بالمئة، فيبقى المعيار هو القرب من منهج الصحابة، دون تعصب أو تكفير لبقية الفرق.

مطیع سيد: قال ﷺ للنساء: تصدّقن وأكثرن الاستغفار، فقد رأيتكن أكثر أهل النار… وذكر أنهن «ناقصات عقل ودين». (کتاب الفتن، باب فتنة النساء، رقم 4003). فهل هذا أصل عام في كل شأن؟

عمار ناصر: لا، فالنبي ﷺ لم يكن بصدد تقرير قاعدة فقهية أو قانونية، بل يذكّر النساء بأنهن أقل خبرة في شؤون الحياة العامة، ويحتجن أحياناً إلى مساعدة حتى في الشهادة، ومع ذلك لهن تأثير كبير على الرجال.

مطیع سيد: ورد أن «دابة الأرض» ستخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتوسم المؤمن والكافر. (کتاب الفتن، باب دابة الارض، رقم  4066).

لماذا هذا الحكم في الدنيا وهي دار ابتلاء وليست دار جزاء؟

عمار ناصر: هذه من علامات الساعة الكبرى، وهي خوارق عادات تظهر قرب نهاية الدنيا لإقامة الحجة النهائية، إذ يغلب الكفر في الأرض، فيرسل الله هذه العلامات العظمى قبل طيّ بساط الحياة.

مطیع سيد: لماذا لم يذكر القرآن علامات الساعة الكبرى إلا قليلاً، مع أن تركيزه على الآخرة كبير؟

عمار ناصر: لأن المخاطبين الأوائل كانوا بحاجة أولاً لترسيخ الإيمان بالآخرة نفسه، إذ كانوا في غفلة عنها. فالتركيز القرآني جاء لإحياء شعور المسؤولية أمام الله، وهو ما يهاجمه الإلحاد حتى اليوم.

مطیع سيد: أجد غريباً أن مشركي مكة كانوا يؤمنون بالله لكن لا يؤمنون بالآخرة…

عمار ناصر: نعم، في الديانات الإبراهيمية لا يكتمل معنى الإيمان بالله إلا مع الإيمان بالرسالة والآخرة. أما في أديان وفلسفات أخرى فيُفصل بينهما، ويُكتفى بفكرة الإله دون بعث.

مطیع سيد: ورد أن النبي ﷺ رأى أصحابه يبنون بيتاً، فقال: أرى الموت أقرب من ذلك. (کتاب الزهد، باب فی البناء و الخراب ،رقم  4160).

فهل الإسلام لا يهتم بالعمران؟ وهل محق الغرب حين يقول إنه لم يتقدم إلا بالتخلص من الدين؟

عمار ناصر: الإسلام لا يمنع التمدن والعمران، لكنه يذكّر دائماً بأن الدنيا ليست الغاية، وأن التوازن مطلوب بين القوة الحضارية والحفاظ على الهدف الأعلى، وهو الآخرة. فالرسول ﷺ حذّر من الانشغال بالدنيا لكنه لم يمنع الأخذ بأسباب القوة.

(للحديث صلة ...)