logo
أخرى

آثار أئمة أهل البيت عن الصحابة


آثار أئمة أهل البيت عن الصحابة رضي الله عنهم

آثار سيدنا علي رضي الله عنه عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما

(11)

(2)

(1)  أثر علقمة بن قيس عن سيدنا علي رضي الله عنه

عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: ضَرَبَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ هَذَا الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللہَ وَذَكَرَهُ مَا شَاءَ اللہُ أَنْ يَذْكُرَهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ أُنَاسًا يُفَضِّلُونِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ لَعَاقَبْتُ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْعُقُوبَةَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ، فَمَنْ قَالَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُفْتَرٍ، عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُفْتَرِي، إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللّٰهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، وَإِنَّا أَحْدَثْنَا بَعْدَهُمْ أَحْدَاثًا يَقْضِي اللہُ فِيهَا مَا أَحَبَّ، ثُمَّ قَالَ: أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا". (فضائل الصحابة، ابن حنبل، رقم 460)

الشرح اللغوي

هَوْنًا مَا: كلمة "هَوْن" تعني الرفق واللين، والمقصود بها هنا الاعتدال والوسطية في المحبة والبغضاء. و"ما" هنا إبهامية تأتي صفةً لاسم نكرة فتُضفي على المعنى عمومًا وسَعة. والمعنى: أحبب حبيبك حبًّا معتدلًا، لا إفراط فيه. جاء في "تاج العروس"(36  /292): "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَّا، أَي حُبًّا مُقْتَصِدًا لَا إفْرَاطَ فِيهِ".

الشرح والتوضيح

اعتبار تفضيل أحد على سيدنا أبي بكر رضي الله عنه أمرًا يستوجب التعزير، كان في الأصل قرارًا من سيدنا عمر رضي الله عنه؛ فقد روى ابن أبي ليلى أن عمر بلغه أن رجلًا فضّله على أبي بكر، فقام بتأديبه بسوطه وقال:

"أبو بكر كان خير الناس بعد رسول اللّٰه ﷺ في كذا وكذا... من قال غير هذا أقمنا عليه ما نقيم على المفتري." (السنة، عبد الله بن أحمد، رقم 1246)

وقال الشعبي:

"كان عمر يكتب إلى عماله: من فضلني على أبي بكر فاضربوه حد المفتري أو أربعين سوطًا." (أنساب الأشراف، البلاذري، 10  /82)

ويتضح من ذلك أن سيدنا علي رضي الله عنه أقر هذا المبدأ.

التخريج واختلاف الطرق

ورد الأثر من طريق علقمة بن قيس في عدة مصادر، منها:

  • السنة، عبد الله بن أحمد (رقم 1394)
  • السنة، ابن أبي عاصم (رقم 993)
  • شرح مذاهب أهل السنة، ابن شاهين (رقم 198)
  • فضائل أبي بكر الصديق، عشاري (رقم 38)
  • الحجة في بيان المحجة، إسماعيل التيمي الإصبهاني (رقم 327)
  • تاريخ دمشق، ابن عساكر (44 /365)
  • المحلّى بالآثار، ابن حزم (12 /252)
  • الاعتقاد، البيهقي (ص 361)

وجاء في الحجة في بيان المحجة أن سيدنا الحسن كان حاضرًا تلك الجلسة. كما ورد في مسند أحمد بلفظ: «إنَّ خيرَ الناس بعد رسولِ الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم أحدثنا بعدهما أحداثًا يقضي الله فيها» (رقم 1028).

وروى هذا الخطبة أيضًا عبد خير، وحَكَم بن حَجْل، وسُوَيد بن غَفَلة، ومن طريق حكم بن حجل جاء: "لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري." (فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل، رقم 310)

وقد جاءت روايات سويد بن غفلة وعبد خير مفسرة لسبب الخطبة، حيث أشارا إلى أن عليًّا رضي الله عنه تبرأ ممن ينتقص أبا بكر وعمر، وبيّن فضلهما، وأكد أن من أحبَّه وجب أن يحبَّهما.

روى الإمام أحمد في فضائل الصحابة (رقم 310) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:

"بلغني أن بعض الناس يفضلونني على أبي بكر وعمر، وأقسم أن من فضّلني عليهما فسوف أوقع عليه عقوبة حد القذف."

وقد نقل هذا الأثر أيضًا ابن عساكر في تاريخ دمشق (30 /383)، والآجري في الشريعة (رقم 1764)، وابن حزم في المحلّى بالآثار(12 /252).

وتروي بعض المصادر تفاصيل أكثر عن سبب هذا الموقف، منها ما جاء عن سويد بن غفلة: قال: مررت على جماعة من أنصار علي رضي الله عنه، فسمعتهم ينتقصون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. ذهبت مباشرة إلى علي وأخبرته بما سمعت، فاستعاذ بالله وأعلن براءته من ذلك. ثم توجه إلى المسجد وصعد المنبر وخطب الناس، فذكر فضائل ومكانة أبي بكر وعمر، ثم قال:

"فمن لنا بمثلهما؟ رحم الله أبا بكر وعمر، ورزقنا اتباع نهجهما. من أحبني فليحبّهما، ومن أبغضهما فقد أبغضني، وأنا بريء منه. ولو كنت أنذرتكم من قبل لعاقبت أشد العقوبة، لكن لا يجوز معاقبة أحد قبل الإنذار. فمن سمعتُه بعد اليوم يفضلني عليهما فجزاؤه كجزاء القاذف. واعلموا أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، والله أعلم بالخير بعدهما."

أما عبد خير فيروي أن عليًا بلغه أن بعض الناس جلسوا يتناقشون، وكأنهم فضلوا عليًا على أبي بكر وعمر بحجة أن الأخيرين لم يواجها فتنة في زمانهما، بينما علي واجه الفتنة وثبت فيها،

فلما بلغ عليًّا ذلك صعد المنبر وخطب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أنكر أن يُفضَّل على أبي بكر وعمر، وصرّح أن خير الناس بعد النبي ﷺ هو أبو بكر ثم عمر، وهدّد بأن من يفضله عليهما بعد بيانه هذا، فعليه إثم المفتري. ثم ختم بحكمة جامعة:

"أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا".

(3)

عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: خَطَبَ رَجُلٌ يَوْمَ الْبَصْرَةِ حِينَ ظَهَرَ عَلِيٌّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: هَذَا الْخَطِيبُ الشَّحْشَحُ، سَبَقَ رَسُولُ اللہِ صَلَّى اللہُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، وَثَلَّثَ عُمَرُ، ثُمَّ خَبَطَتْنَا فِتْنَةٌ بَعْدَهُمْ يَصْنَعُ اللّٰهُ فِيهَا مَا شَاءَ. (مسند احمد، رقم 1225)

الشرح اللغوي

الشَّحْشَحُ: الماهر في الخطاب، الفصيح اللسان.

صَلَّى: مشتق من "صلا"، وهو أسفل الظهر أو ما يقابل الورك من الخلف. ويُستعمل مجازًا بمعنى: أن يكون في الصف أو في المنافسة في المرتبة الثانية.

خَبَطَتْنَا: الخَبْط هو ضرب الشجرة بالعصا لإسقاط أوراقها، ويُستعمل أيضًا في معنى الضرب الشديد أو الدوس على الشيء بالقدم. جاء في القاموس المحيط(۸۵۷):

"خَبَطَه يَخْبِطُه: ضَرَبَه ضربًا شديدًا، وكذلك البعيرُ يضرب الأرضَ بيده، كما في تَخَبَّطَهُ، واخْتَبَطَهُ، ووَطِئَه وطئًا شديدًا"

الشرح والتوضيح

يظهر من السياق أن الخطيب ذكر في خطبته – على سبيل الفخر – انتصار سيدنا عليٍّ رضي الله عنه أو انتصار أصحابه، فرأى سيدنا علي أن من اللازم تنبيهه. والمقصود أن هذا ليس وقت الفرح أو الزهو، لأن عهد رسول الله ﷺ وعهد الخليفتين الأولين قد مضى في أمنٍ واجتماع كلمة، أما نحن فقد ابتُلينا بفتنة وامتحان، ولا يزال مآل هذا الابتلاء مجهولًا، ولا يُدرى ما الطريق الذي سنخرج به منه.

التخريج واختلاف الطُّرُق

رُوي هذا الأثر – إلى جانب طريق عمرو بن سفيان – من طرق عبد خير، وقيس بن سعد الخارفي، وعبد الله بن سلمة، وعمرو بن قيس، في المصادر الآتية:

مسند احمد، رقم 881، 1000۔   المستدرک علی  الصحیحین، رقم 4400۔  المعجم الاوسط، للطبراني، رقم 1655۔ طبقات المحدثین باصبہان، أبي الشیخ، رقم 859۔  حلیة الأولیاء، أبي نعیم، رقم  6599۔  الشریعة، للآجري، رقم  1772۔ السنة، عبد اللہ بن أحمد، رقم 1198، 1205۔ فضائل الصحابة، ابن حنبل، رقم 227، 228۔ الطبقات الکبریٰ، ابن سعد، رقم 6066۔  تاریخ دمشق، ابن عساکر 30/377، 378۔  الفتن، نعیم بن حماد، رقم 186۔ الإغراب، للنسائي، رقم 219۔ السنة، ابن أبي عاصم، رقم  1209۔  التاریخ الکبیر، للبخاري، رقم 779۔ الأحادیث المختارة، للمقدسي، رقم 707۔  الأبانة الکبریٰ، ابن بطة، رقم 104۔ الاعتقاد، للبیہقي، 361۔ تلخیص المتشابه في الرسم، الخطیب البغدادي 1/ 353۔ تاریخ بغداد، الخطیب البغدادي 15/ 60۔ أنساب الأشراف، للبلاذري  2/154،  10/ 67۔ 

وقد روي في بعض الطرق ’يَعْفُو اللہُ عَمَّنْ يَشَاءُ‘ مكان: ’يَصْنَعُ اللّٰهُ فِيهَا مَا شَاءَ‘  ككلمة أخيرة للجملة.  

(4)

عَنِ الضَّحَّاكِ، ثنا النَّزَّالُ بْنُ سَبْرَةَ، قَالَ: وَافَقنَا عَلِيًّا رَضِيَ اللہُ عَنْهُ طَيِّبَ النَّفْسِ وَهُوَ يَمْزَحُ، فَقُلْنَا: حَدّثنَا عَنْ أَصْحَابِكَ، قَالَ: كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللہِ صَلَّى اللہُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَصْحَابِي، فَقُلْنَا: حَدّثنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: ذَاكَ امْرَؤٌ سَمَّاهُ اللہُ صِدِّيقًا عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِمَا.

(المستدرک علی الصحیحین، رقم  4380)

الشرح

صِدِّيق: صيغة مبالغة من كلمة "صِدق"، ومعناها بلوغ درجة الكمال في الصدق والاستقامة. وقد عبّر النبي ﷺ عن هذا المعنى في حديثه بقوله: "وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِندَ اللهِ صِدِّيقًا" (صحيح مسلم، رقم 4827)، أي أن بعض الناس يظل يبحث عن الصدق ويلتزمه التزامًا تامًّا حتى يُكتب له عند الله مرتبة الصدِّيق.

وفي هذا المعنى، ورد ذكر هذه الصفة في القرآن الكريم للأنبياء أيضًا (مريم 19: 41، 56)، كما وردت للذين يتقدّمون في تصديق الأنبياء ونصرتهم (النساء 4: 69، الحديد 57: 19).

وكان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه من أوائل من آمنوا بالنبي ﷺ، وقد وصفه النبي ﷺ في مناسبة ما بصدق التزامه بالحق وحرصه عليه:

إني قلت: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت. (البخاري، رقم 4640)

وقد استُعمل في بعض المواضع لقب "الصِّدِّيق" للسيد أبي بكر رضي الله عنه (البخاري، رقم 3516). وأما خلفية هذا اللقب كما ورد على لسان جبريل عليه السلام، فقد بيَّنتها الروايات على النحو الآتي: لما أخبر النبي ﷺ جبريل عليه السلام، بعد عودته من رحلة المعراج، عن تخوفه من أن أهل مكة سيكذبونه إذا قصَّ عليهم ما رأى، قال له جبريل عليه السلام:

"يصدقك أبو بكر، وهو الصديق". (الطبقات الكبرى، ابن سعد، رقم 492) 

وجاء بلفظ:

"سيصدقك أبو بكر، وهو الصديق."

التخريج واختلاف الطرق

رُوي هذا الأثر عن سيدنا علي رضي الله عنه من طريق نَزّال بن سُبرة في المصادر الآتية:

  • شرح أصول اعتقاد أهل السنة، اللالكائي، رقم 2003.
  • تاريخ دمشق، ابن عساكر، 30  /75.
  • الشريعة، الآجري، رقم 1192.
  • أسد الغابة، ابن الأثير، 3  /220.

وقد حكم الإمام الحاكم بصحته، غير أن الإمام الذهبي نبَّه إلى أن في سنده هلال بن العلاء، وهو منكر الحديث( مختصر تلخيص الذهبي، ابن الملقن، رقم 486، 3  /1143).

كما رُوي هذا الأثر من غير طريق نزال بن سُبرة، وذلك من طريق أبي يحيى حكيم بن سعد، في عدة مصادر، منها:

  • المستدرك، رقم 4379.
  • المعجم الكبير، الطبراني، رقم 14.
  • الآحاد والمثاني، ابن أبي عاصم، رقم 6.
  • معرفة الصحابة، أبو نعيم، رقم 59.
  • تاريخ دمشق، ابن عساكر، 30  /75.

وجاء في ألفاظه:

"سمع عليًا يحلف: لأنزل الله تعالى اسم أبي بكر رضي الله عنه من السماء صديقًا."(المستدرك، رقم 4379)

أي: "سمع حكيم بن سعد سيدَنا عليًا يقسم أن الله تعالى أنزل من السماء لقب أبي بكر رضي الله عنه: الصدِّيق."

وفي سنده محمد بن سليمان العَبدي، وقد حكم عليه المحدثون بأنه مجهول. غير أن ابن منده وابن عساكر أخرجا له متابعًا من طريق أبي إسحاق السَّبيعي  مجالس من أمالي أبي عبد الله بن منده، رقم 387؛ (تاريخ دمشق، ابن عساكر، 30  /75).

(5)

عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللہُ عَنْهُ يَقُولُ: كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللہِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللہُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي، وَإِذَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللہُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللہِ صَلَّى اللہُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللہَ إِلَّا غَفَرَ اللہُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ”وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللہَ“ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

(سنن أبي داؤد، رقم  1335)

الشرح والتوضيح

كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يتّبعون أساليب مختلفة في التثبّت من أحاديث الآحاد، وذلك بحسب علمهم وفهمهم وذوقهم الشخصي. فمثلًا: كان السيّد أبو بكر والسيّد عمر رضي الله عنهما، في القضايا المهمّة، يطلبان من الراوي الذي يروي حديثًا عن النبي ﷺ شاهدًا ثانيًا يؤكّد روايته، كما ورد في صحيح البخاري (رقم 6543) ومسند أحمد( رقم 17670). أمّا علي رضي الله عنه، فيُستفاد من الأثر المذكور أنّه كان غالبًا يعتمد أسلوب استحلاف الراوي (أي طلبه الحلف على صدق ما يروي)، غير أنّه لم يطلب ذلك من أبي بكر رضي الله عنه، لما كان عنده من الثقة الكاملة بصدقه وأمانته.

التخريج واختلاف الطرق

وقد رُوي هذا الأثر في المصادر الآتية:

  • سنن الترمذي، رقم 408.
  • سنن ابن ماجه، رقم 1390.
  • مسند أحمد، رقم 2.
  • السنن الكبرى للنسائي، رقم 9878.
  • مسند الطيالسي، رقم 1.
  • مسند الحميدي، رقم 1.
  • المعجم الأوسط للطبراني، رقم 590.
  • مصنف ابن أبي شيبة، رقم 7529.

ويُقصد باختلاف الطرق أنّ هذه الرواية وردت بأسانيد وألفاظ متعدّدة في هذه المصادر، مع اتفاقها على أصل الحادثة.

(6)

عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: السَّبَّاقَ تَذْكُرُونَ، السَّبَّاقَ تَذْكُرُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا اسْتَبَقْنَا إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلَّا سَبَقَنَا إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ. (المعجم الأوسط، للطبراني، رقم 7300)

الشرح والتوضيح

لقد ورد ذِكرُ هذه الخصلة من خصال سيدنا أبي بكر رضي الله عنه في الروايات المشهورة على لسان سيدنا عمر رضي الله عنه، الذي اعترف بهذه الفضيلة في حق أبي بكر في مناسبات متعددة.

فمن ذلك: أنه ذهب مرةً إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ليبلِّغه بكلمات الثناء التي قالها فيه النبي ﷺ، فإذا بأبي بكر قد سبقه بإبلاغه ذلك، فقال عمر رضي الله عنه:

"وما استبقنا إلى خيرٍ إلا سبقني إليه أبو بكر" (مسند أحمد، رقم 4033)

أي: ما تنافسنا في خير إلا كان أبو بكر أسبق مني إليه.

وكذلك في مناسبة أخرى، جاء عمر رضي الله عنه بنصف متاع بيته ليتصدق به، فعلم أن أبا بكر قد جاء بكل متاع بيته، فقال عمر الجملة نفسها. (مسند الفاروق، لابن كثير، رقم 802)

وفي مناسبة تجهيز الجيش للانطلاق لقتال الروم، ذكر عمر رضي الله عنه هذه الخصلة أيضًا في حق أبي بكر. (جامع الأحاديث، لجلال الدين السيوطي، رقم 27855)

التخريج واختلاف الطُّرق

يظهر أن هذا الأثر عن سيدنا علي رضي الله عنه قد رُوي في الغالب من طريق صلة بن زُفَر.

وقد رواه الطبراني، كما رواه أيضًا العصامي ومحِبُّ الدين الطبري، لكنهما نقلوه عن كتاب "الموافقة" لابن السمان.

  • انظر: سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، للعصامي (2 /439)
  • الرياض النضرة في مناقب العشرة، للطبري (1 /175)

(للبحث صلة ...)