انشقاق القمر: موقف الأستاذ غامدي
[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]
(الحلقة السادسة)
الآيات الإلهية في الأنفس والآفاق التي تجلّت على أيدي الأنبياء الكرام
النوع الثالث من آيات الله تعالى هو تلك العلامات الخارقة للعادة، المخالفة للمألوف، التي يخص بها أنبياءه عليهم السلام. وهي في حقيقتها مظاهر مدهشة تعجز العقول عن الإحاطة بها، تصدر مباشرة عن القدرة الإلهية، غير أن ظهورها يكون بوساطة الأنبياء، إذ يجريها الله تعالى على أيديهم، فيجعل زمام الأمر بين أيديهم، فما يقع في عالم الشهادة إنما يتم من خلالهم وبأمرهم.
ومن أروع الأمثلة على ذلك ما قصه القرآن الكريم في أمر الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام:
﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُّتَّبَعُونَ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾
(الدخان ٤٤: ٢٣-٢٤)
أي إن المراد أن يأخذ موسى عليه السلام بني إسرائيل وينطلق بهم، ثم يظل بعصاه يحافظ على بقاء البحر في حالة سكون وهدوء. وقد كتب أستاذنا الجليل جاويد أحمد غامدي في شرح هذا الأمر:
"قد جاء في كل من القرآن والكتاب المقدس تصريح بأن ماء البحر قد أزيح بريح عاصفة، ليفسح الطريق لموسى عليه السلام وقومه كي يمروا. ولذلك صدر إليه هذا الأمر، وبموجبه ما إن عبر بنو إسرائيل حتى عاد الماء المبتعد ليغمر فرعون وجنوده الذين كانوا يتعقبونهم حتى بلغوا وسط البحر. وفي أسلوب هذا الأمر، إذا تأملت، ترى أنه كأن البحر في تلك اللحظة قد سُلم زمامه إلى النبي، فلا يهدأ إلا بإذنه." (البيان جـ ٣ ، صـ ٣٤٨ -٤٨٤)
وهذه الآيات التي تجري على أيدي الأنبياء هي ما يعرف في الاصطلاح بـ "المعجزات".[4]
ولها منزلة البينات، أي الحجج الباهرة الواضحة التي تفرض سلطانها على العارف والعامي، وعلى المؤيد والمعارض على حد سواء. وأصحاب الفطرة السليمة والعقل المستنير لا يطلبونها ابتداءً، لكنها بالنسبة لهم عطية إلهية وزيادة في الإيمان. أما المنكرون والمعاندون فهم الذين يلحّون في طلبها، ولهذا فإن الله تعالى، وفق حكمته ومشيئته، يجريها تذكيرًا وتنبيها لهم، أو تأديبًا وتعذيبًا بحسب الحال.
وقد كتب أستاذنا الجليل في بيان هذه الحقيقة:
"إن شخصية النبي هي التجلي الأكمل للإنسانية، ودعوته قائمة على الفطرة الإنسانية. وما يقوله للناس إنما يقوله وفق أعلى معايير العقل والبصيرة، وفي الأمور التي غفلوا عنها أو نسوها. ثم إنه لا يستند في نبوته إلى أي خلفية من الأخذ أو الاكتساب البشري، ولذا فإن التعرف عليه لا يشكل صعوبة على أي صاحب فطرة سليمة. فإذا كانت قلوب الناس وعقولهم يقظة، فإن وجه النبي وصوته وحدهما معجزة. ومع ذلك، يمنحه الله أيضًا بينات من هذا القبيل، بحيث لا يبقى للمعاندين، وإن لم يقرّوا بألسنتهم، خيار إلا التصديق بصدقه."
(ميزان ١٣٣-١٣٤)
إن الإرشاد الذي يقدمه القرآن الكريم بشأن طبيعة المعجزات وحقيقتها يمكن تلخيصه في جملة نقاط، أولها أن هذه المعجزات وإن جرت على أيدي الأنبياء، فإنها من عند الله خالصة. فطبيعتها وأثرها وتوقيت ظهورها كلها تابعة لإذنه سبحانه، ولا يظهرها الأنبياء والرسل إلا حين يؤمرون بذلك. ودور النبي فيها لا يتجاوز القيام بالفعل الذي يأمره الله به؛ كأن يضرب بعصاه الحجر، أو يلقيها على الأرض، أو يرمي حفنة من الرمل نحو جموع الكفار، أو يتلو كلام الله المنزل عليه.
وقد أشار الله تعالى في سورة المائدة إلى مشهد من مشاهد يوم القيامة حين يذكّر النصارى بالمعجزات التي منحها سبحانه لعيسى عليه السلام لإتمام الحجة عليهم. ويتكرر في هذا السياق لفظ ’بإذني‘ مرات عدة، للتأكيد على أن تلك المعجزات التي اتخذوها ذريعة لإشراكه في ألوهية الله إنما كانت صادرة عن أمره وإذنه وحده، وأن نسبتهم إياها إلى المسيح نفسه كانت جريمة لا تغتفر. قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَ اللّٰهُ يٰعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (المائدة ٥: ١١٠)
في تفسيره لهذا الموضع من القرآن، أوضح الشيخ أمين أحسن الإصلاحي معنى إذن الله في المعجزات، فقال:
"هذه الأمور كلها سيخاطب الله تعالى بها عيسى عليه السلام يوم القيامة، لإقامة الحجة على النصارى. وكأن الحقائق ستكشف أمامهم بحضوره، فيتضح أن كل نعمة أنعم الله بها على عيسى وأمه، وكل معجزة أجراها على يديه، إنما كانت بأمره وإذنه سبحانه، وأن الله هو الذي أنقذه من المكائد التي دبّرها له اليهود. فإذا كان الله هو الذي فعل كل ذلك، وأكبر شاهد عليه هو عيسى نفسه، فبأي حجة جعلوه إلها؟ إن تكرار عبارة ’بإذني‘ هنا في غاية البلاغة؛ إذ سيعيدها الله في كل موضع، وليس أمام المسيح إلا أن يقول: آمنا وصدقنا. وحينئذ يتبين أن المعجزات التي اتخذوها ذريعة لتأليهه كانت كلها من عند الله، ومع اعتراف صاحبها نفسه بذلك، فلن يبقى للنصارى إلا الخزي والفضيحة."
(تدبر القرآن، جـ ٢، صـ ٦٠٧)
ثانيا، لا يمكن اعتبار هذه المعجزات ضربا من المهارة العلمية أو الفنية، ولا يمكن ردها بوصفها خداعا بصريا أو من قبيل السحر والشعوذة. بل إن أهل الخبرة في هذه المجالات يعترفون بصحتها وقطعيتها، ويقرون بأنها فوق مستوى الاكتساب البشري وخارجة عن نطاق السحر.
وقد كتب أستاذنا الجليل في ذلك:
"لا يستطيع أحد أن يرد هذه المعجزات زاعما أنها سحر أو براعة علمية وفنية، لأن أهل هذه الصنائع أدرى الناس بحقيقتها، ومع ذلك فهم يعترفون بالعجز أمامها. والمعجزتان اللتان ذكرناهما آنفا في قصة موسى عليه السلام خير مثال على ذلك؛ إذ لمّا أراد فرعون أن يزيل أثرهما، بعث في أنحاء مملكته منادين ليجمعوا أمهر السحرة، ثم جاء بهم يوم الزينة ليقابلوا موسى. وكان يتوقع النصر، لكن ما إن رأى السحرة عصا موسى تبتلع ما صنعوه من سحر حتى خروا ساجدين وأعلنوا إيمانهم برب موسى وهارون. ولمّا كان هذا الإيمان قد ولد نتيجة معاينة الحقيقة بالعيان، كان راسخًا غاية الرسوخ. فلما هدّدهم فرعون قائلًا: لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف، ولأصلبنّكم على جذوع النخل على مرأى من الناس، إذا بأولئك السحرة – الذين كانوا قبل لحظات قليلة يطلبون منه الجائزة بتضرّع – يهتفون قائلين: بعدما أبصرنا الفرق بين القمر الخافت، والشمس المشرقة المنيرة، لم تعد تهمّنا أيّ شيء في هذه الدنيا، صاروا يقولون بثبات:
﴿قَالُوا لَنْ نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾(طه ٢٠: ٧٢-٧٣) (ميزان، صـ ١٣٦)
من المقاصد العظمى للمعجزات أن تكون حجة قاطعة على المنكرين والمعاندين، خاصة أولئك الذين لا يلتفتون إلى دلائل العقل والفطرة، ويطالبون تعسفا بآية حسية. فإذا ظهرت هذه المعجزات، لم يبق لديهم عذر للانصراف عن الحق، حتى وإن جحدوها بألسنتهم، فإن قلوبهم وعقولهم تضطر إلى الإقرار بها. وهي أوضح من الشمس، تصلح أن تكون حجة على العام والخاص بلا استثناء.
ومن وجوه إقامة الحجة أيضا إتاحة فرصة إضافية للمنكرين كي يؤمنوا. فحين يطالبون النبي بإنزال العذاب، ويجاهرون أمامه قائلين: إن كان ما تهددنا به حقا، فأتنا بالعذاب، يأتيهم الجواب أحيانا ليس بعذاب، بل بمعجزة حسية تذكّرهم بيقين وقوعه، وذلك رحمة من الله. فالمقصود أن من لم تفتح أعينهم على دلائل العقل والفطرة، قد تنفتح على مشاهدتهم لهذه الخوارق، فيتهيأون للإيمان.
ومن الأمثلة على ذلك ما وقع في قوم ثمود حين ظهرت الناقة. وقد كتب الشيخ أمين أحسن الإصلاحي في بيان ذلك:
"كانت هذه الناقة، كما أوضحنا، معيّنة كآية للعذاب استجابة لمطالبة القوم بإنزاله. وقد نص القرآن على أنه لما أقدم زعيم ثمود على عقرها، لم يكد يمضي ثلاثة أيام حتى داهمهم عذاب الله. إن تعيين آية للعذاب بدلا من إنزاله مباشرة، كان مظهرا لرحمة الله ورأفته؛ فهو بطيء في الغضب، سريع في الرحمة. ولهذا اختار أن يمنح القوم مهلة إضافية، لعلهم ينتبهون إن أرادوا، لكنهم بدلا من ذلك بلغوا غاية التجرؤ وأقدموا على عقر الناقة."
(تدبر القرآن، جـ ٣ ، صـ ٣٠١-٣٠٢)
(للحديث صلة ...)
