logo
أخرى

دراسة نقدية لتفسير «مفتاح القرآن»

دراسة نقدية لتفسير «مفتاح القرآن الكريم»

للعلامة شبير أحمد أزهر الميرتهي

(الحلقة الخامسة والأخيرة)

يقول المفسر الميرتهي رحمه الله :

"يبدو من المناسب أن يقرأ القراء الكرام هذه القصة (أي قصة نوح عليه السلام وقومه) كما وردت في العهد القديم من الكتاب المقدس، سفر التكوين. أقتبس ملخصها: "ولما بدأ الناس يتكاثرون على وجه الأرض، وولد لهم بنات، رآهم أبناء الله، فأغواهم ليتزوجوهم، فولدوا لهم أبناء. فصاروا عظماء وأقوياء، وتفشى الشر بينهم. ثم ندم الرب على خلقه الإنسان على الأرض، وندم ندمًا شديدًا على خلقه، وعزم على إهلاكه، إلا نوحًا، لأنه كان مرضيًا لله".

وتعليق الميرتهي على ذلك هو: "كما ترى، وفقًا لهذا البيان، لم يكن شعب نوح بشرًا، بل وُلدوا من أبناء الله وبنات البشر". (45) هذه الملاحظة المقارنة طويلة جدًا وتمتد إلى أربع صفحات.

ثم نقد مفسرنا قصة يونس عليه السلام المشتهرة على ألسن الناس بأنّه هرب وأفل من قومه بغير إذن من الله، وقال مامفاده: إن القصة شايعة فقط وليست مؤصّلة في القرآن ولا الحديث ولا الكتاب المقدس، وذهب إلى أنّ نبوّة يونس عليه السلام كانت قد اعطيت  له بعد حادثة البحر، وأنّ الحادثة كانت واقعة قبل النبوة.(46)

وفاة النبي سليمان: من المعلوم أن وفاة سليمان لم تكن معروفة، ويقال إنه  كان يُشرف على أعمال البناء بواسطة الجن عندما فاجأه الموت، وعلم الجن بذلك عندما أكل نمل أبيض عصاه فسقط. نفى المؤلف هذه الرواية، واستدلاله يقوم على حقيقة أن وفاة سليمان كانت طبيعية. لأنه كان ملكًا، ومن المستحيل تمامًا أن يقف طويلًا متكئًا على عصا دون أن يكون بينه وبين أحد من حريمه ورجال بلاطه علاقة ورابطة! ووفقًا للمؤلف، فإن كلمة "تأكل منسأته " تعني ابن سليمان - رجعام- الذي كان ليس له جدارة بتسييرالأموروسياسة البلاد، وبسبب عدم أهليته انهار قصر السلالة السليمانية. (47)

المناقشات النحوية والصرفية: من سمات تفسير مفتاح القرآن التي جعلت هذا التفسير صعبًا ومعقدًا على عامة المتعلمين والدارسين أو العلماء غير العرب هي المناقشات النحوية والصرفية، التي اهتم بها المؤلف بعناية ودقة كبيرتين. كان مدركًا لهذه الصعوبة ولذلك ذكر في مقدمة تفسيره: "بالطبع، هنا وهناك، تكلمت على بعض الأمور الفنية في هذالتفسير إذا احتجت إليها مثل التركيب أو البحث اللغوي والنحوي. ومن الواضح أن هذا شيء يمكن أن يفهمه علماء العرب أو المطلعون على الاساليب العربية فقط. يجب على الدارسين غير االمطلعين على العربية ببساطة تجاهله في دراساتهم أو سؤال عالم عربي لفهمه." (48) في الواقع، هذا الشيء شائع جدًا في تفسيرات السلف وقد اهتم به كل مفسر من السلف تقريبًا. على وجه الخصوص، اهتم به أبوحيان الأندلسي والزمخشري كثيرًا. واتباعًا للسلف، اهتم به االمفسر الميرتهي أيضًا كثيرًا في التفسير بأكمله. لأن العلماء والباحثين في الدراسات العربية كانوا مخاطبيه الأولين. ويرى أن البحث الصرفي والتركيب النحوي للآيات القرآنية مهمان للغاية لفهمها الصحيح. وهناك العديد من المواضع التي استخرج فيها الناس بعض المعاني من مواضع أخرى بسبب عدم فهم التركيب الصحيح. وفي هذا الصدد، كان لدى العلامة المزيد من الشكوك حول كتاب "تفهيم القرآن الكريم للأستاذ المودودي"، الذي قال إنه مليء بالأخطاء العربية والأخطاء الصرفية والنحوية. ومع ذلك، يرى هذا الكاتب أن جمهور المولانا المودودي المستهدف كان هو الطبقة المثقفة المعاصرة وعامة الناس، الذين لم يكن لهم علاقة بهذه المناقشات الدقيقة. وهذا هو السبب في أن "تفهيم القرآن" هو مفهوم وسهل الهضم و شائع وأن "مفتاح القرآن" أصبح صعبًا على الطبقة المعاصرة على الرغم من كل فضائله. ومع ذلك، فإن دراسته لا غنى عنها لعلماء القرآن والمحققين والباحثين. فإن الكاتب يرى فيها قيمة عالية للمتخصصين.

 لقد عرضنا هذه الأمثلة والنماذج القليلة من تفسير مفتاح القرآن الكريم، وإلا فهناك مخزونٌ كبيرٌ من اجتهادات المؤلف، وبحوثه في التراث التفسيري، والمعاني والمفاهيم الجديدة، وهو ما يزخر به هذا التفسير. وقد استُشهد بهذه الأمثلة القليلة كنماذج من القرآن الكريم حتى لايكتئب القارئ والدارس، وإلا فهناك مئات المواضع في هذا التفسير التي لم يقبل فيها المفسر تفسيرات المفسرين السابقين واللاحقين، وقدم تفسيره الخاص. وقد اعتمد في هذا الصدد على الرواية الصحيحة، ونقد الحديث، والمعرفة، والأسلوب العربي، والشعر، وحسن القلب. تُظهر هذه الدراسة السريعة لتفسير مفتاح القرآن بوضوح أصالة قولَ المؤلف: "ولكن على الرغم من كل هذه الجهود القيّمة والجديرة بالمفسرين السابقين واللاحقين، فإنه من غير المناسب افتراض أن الكثير من العمل قد تم في ترجمة وتفسير القرآن الكريم إلى الأردية أو العربية أو أي لغة أخرى بحيث لا يكون نشر ترجمة جديدة أو تفسير جديد استخدامًا مناسبًا للوقت والجهد. والحقيقة هي أن ما تم القيام به قليل جدًا وغير كافٍ. وهناك حاجة إلى العمل المستمر وبذل الجهود في هذا الصدد." (49)

ووفقًا للمؤلف، في هذا التفسير بعض الجوانب الضعيفة أيضًا. على سبيل المثال:

1. هناك الكثير من التفاصيل والإسهاب في الأقسام الافتتاحية من التفسير، مما يربك القارئ أحيانًا.

2. تم تركيب معظم الآيات نحويًا ودلاليًا. ومن الواضح أن هذا لا يمكن أن يكون إلا عمل مفهوم لعلماء اللغة العربية. كان من الأنسب لو أُدرج هذا العمل في الحواشي بدلًا من نص التفسير، ليحافظ القارئ العادي على استمراريته، وليطلع عليه المهتمون إذا أرادوا.

3. كثيرًا ما استخدم المؤلف الكثير من التفصيل والتوسع في بحثه وتحليله للأحاديث التفسيرية. فعلى سبيل المثال، في شرحه لمن هم أهل البيت في القرآن الكريم، تناول جميع الأحاديث الواردة في كتب التفسير والحديث، والتي تشمل أيضًا عليا (رضي الله عنه)، وفاطمة (رضي الله عنها)، والحسن والحسين (رضي الله عنهما) من أهل البيت.(50) وقام بردّ وتفنيد كافة الروايات في هذا الصدد باستخدام دقيق لقواعد الرواية والدراية كليهما.

واختتم هذه الدراسة الوجيزة بالإشارة إلى أنّ التفسير-مفتاح القرآن الكريم- يمتلئ بالمباحث الصرفية والنحوية، رغم صعوبة ذلك على الكثيرين، فاقترح أن يوضع في الهوامش.

أخيرًا، يذكر المقال أنّ هذا الكتاب يُعد ذا قيمة كبيرة، يرفع الغطاء عن المعاني الخفية في القرآن، رغم قصوره في بعض الجوانب؛ ويدعو الباحثين إلى مواصلة الاجتهاد في هذا المسار فإن المباحث الغائرة في هذا التفسير عظيمة، وإن كانت موجزة بعضُها، لكنّها فاتحة لتكملة الدراسات القرآنية وتعميقها. والجدير بالذكر هنا أن هذا العمل التفسيري الجليل قد تم طبعه ونشره بعد وفاة المؤلف رحمه الله في مجلدات خمسة، تم إخراج ونشر الأربعة منها. الخامس منها قيد الطبع. ويريد هذالكاتب أن يقوم مستقبلاً بنشر ملخص شامل لتفاسير مختارة من مفتاح القرآن الكريم للقراء العرب،وفقني الله لمايحب ويرضاه.

الهوامش:

45- شبير أحمد الميرتهي، مفتاح القرآن، المجلد الثالث، ص119.45

46- شبير أحمد الميرتهي، مفتاح القرآن: تفسير الآية ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، المجلد الرابع، ص558.

47- شبير أحمد الميرتهي، مقال"وفاة سليمان عليه السلام"47، مجلة إشراق، دالاس – أمريكا، يناير 2024؛ النسخة الإنجليزية نُشرت في إشراق – English Edition، فبراير 2024.

 48- شبير أحمد الميرتهي، مفتاح القرآن، المجلد الأول، الطبعة الثانية، المقدمة، ص13.48

49- المصدر نفسه، ص14.

50- شبير أحمد الميرتهي، مفتاح القرآن: تفسير آية أهل البيت، سورة الأحزاب، المجلد الرابع، ص371–383؛ وانظر كذلك: محمد غطريف شهباز الندوي، مقال "من المقصود بأهل البيت في القرآن؟" مجلة إشراق الأردية، لاهور، يناير–فبراير2024

ـــــــــــــــــــــــــ

>