موقف الأستاذ غامدي من قضية نزول المسيح
[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]
(الحلقة الثامنة)
موقف العلماء من قضية نزول المسيح عليه السلام
يرى الإمام الشوكاني أن الأحاديث الواردة في نزول المسيح عليه السلام، وكذلك الأحاديث الواردة في خروج الدجال والمهدي المنتظر، كلها بلغت حدَّ التواتر. وقد نقل صاحب عون المعبود قوله:
"وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر... الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام متواترة" (عون المعبود 11 /308).
أولًا: الاستدلال بآية سورة الزخرف (الآية 61)
قال الله تعالى:
"وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ."
يفهم جمهور المفسرين أن الضمير في قوله: "وَإِنَّهُ" يعود إلى المسيح عيسى عليه السلام، أي أنه علامة من علامات الساعة. وقد فسّروا ذلك بنزوله من السماء قبل قيام الساعة.
قال ابن كثير رحمه الله:
"يعني المسيح عيسى عليه السلام هو علامة من علامات يوم القيامة... والمقصود هنا نزوله عليه السلام قبل يوم القيامة، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. وقد ثبت في الأحاديث المتواترة أن عيسى عليه السلام سينزل قبل يوم القيامة إمامًا عادلاً وحاكمًا مقسطًا".
وهذا المعنى رواه مجاهد، وأبو هريرة، وابن عباس، وأبو العالية، وأبو مالك، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك وغيرهم.
ويقول الشيخ محمد مالك الكاندهلوي في معارف القرآن[2]:
"جمهور المفسرين متفقون على أن المقصود بـ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ هو عيسى بن مريم عليه السلام، وأن نزوله من السماء وظهوره على الأرض من العلامات الكبرى للساعة". (7 /307)
ثانيًا: تقرير موقف علماء الأمة
تضافرت النصوص الشرعية لتثبت أن الله رفع عيسى عليه السلام إلى السماء حيًّا، وأنه سينزل في آخر الزمان ليؤدي مهامّ معينة، ثم يموت. وقد أجمعت الأمة على صحة هذا الاعتقاد استنادًا إلى القرآن والسنة، واعتبرته من المسائل المقطوع بها.
يقول العلامة زاهد الكوثري في كتابه نظرة خاطفة على اتهامات من ينكرون عيسى عليه السلام قبل الآخرة:
"إن نصوص القرآن الكريم وحدها تحتم القول برفع عيسى عليه السلام حيًّا وبنزوله في آخر الزمان، ولا يعتد بالاحتمالات الخيالية التي لا تقوم على دليل. والأحاديث قد تواترت في ذلك، واستمرت الأمة خلفًا عن سلف على الأخذ بها وتدوين موجبها في كتب الاعتقاد منذ العصور الأولى إلى يومنا هذا" (ص106).
ثالثًا: إدراج نزول المسيح ضمن العقائد
هذه العبارة تلخص الموقف العام للعلماء. ومن الواضح من هذا أن عندما يتم ذكر نصوص نزول المسيح فإن ذلك يترتب عليه أيضاً بعض الآثار والنتائج. وتأتي هذه المناقشات في طبيعة المناقشات التكميلية والإضافية، والتي تُطرح للتأكيد على موقف معين وإزالة الاعتراضات عليه. ومع ذلك، فإنها تتمتع بأهمية خاصة في السياق العام للدين. ولذلك فمن المهم أيضًا أن نذكرها. وفيما يلي ثلاث مناقشات بارزة في هذا الصدد.
أولاً۔ شمول تصور نزول المسيح في العقائد
إن مفهوم نزول المسيح يندرج ضمن تصنيف الإيمانيات. ويبدو أن هذا عند العلماء اعتقاد، كالإيمان بالتوحيد والنبوة واليوم الآخر، وهو اعتقاد لا بد من الإيمان به. والمقصود أن المسلم يجب أن يؤمن بأن عيسى عليه السلام سينزل مباشرة من السماء ويقتل المسيح الدجال. هذه علامة من علامات الساعة التي ستقع في المستقبل، ولأنها مبنية على أحاديث صحيحة ثابتة فإن الإيمان بها شرط من شروط الإيمان، وإنكارها كفر. فقد جاء في كتاب عقيدة الطحاوية وهو من أكبر كتب العقائد لدى الحنفية:
"ونؤمن بأشراط الساعة، ومنها: خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء". (1 /59)
وجاء في كتاب منسوب للإمام أبي حنيفة:
"خروج الدجال ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى عليه السلام من السماء وسائر علامات يوم القيامة على ما وردت به الأخبار الصحيحة حق كائن" (ص72).
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم:
"نزول عيسى عليه السلام وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة، للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته".(7 /599)
وقال الإمام جلال الدين السيوطي في الحاوي للفتاوى:
"إما نفي نزول عيسى أو نفي النبوة عنه، وكلاهما كفر".(2 /201)
(للبحث صلة ...)
