إشراقة
كواليس التحول السريع في الشرق الأوسط
انتصرت غزة... لكن إلى أين تتجه المقاومة؟
أيها القارئ العزيز،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
بعد الهجوم على قطر، هلّل الصهاينة وادّعوا تبجّحًا: "لقد أصبحنا اليوم حكّام الشرق الأوسط، نفعل ما نشاء، ونقتل من نشاء، حيثما نشاء".
المجرم الإرهابي، مرتكب جرائم الحرب والإبادة، بنيامين نتنياهو، كرّر تهديداته قائلاً: "سنتتبّع قيادة حماس أينما كانت، في قطر أو حتى في بكين، فإما أن تسلّمنا هذه الدول قادتها، أو سنذهب إليهم بأنفسنا".
في هذا المشهد المأزوم، وبينما وقف العالم بأسره تقريبًا إلى جانب قطر، كان الموقف الأمريكي بقيادة ترامب هو الأكثر إحراجًا.
ففي البداية عبّر ترامب عن سروره لأنّ قيادة حماس استهدفت، لكن بعد فشل العملية الإسرائيلية تراجع قائلاً: "إسرائيل لم تستشرنا قبل الهجوم، لكن قتل عناصر حماس أمر يمكن تفهّمه". ثم سرعان ما غيّر موقفه رأسًا على عقب، وأجرى اتصالًا هاتفيًا بأمير قطر محاولًا طمأنته بأنّ تكرار مثل هذا الحادث لن يحدث مرة أخرى.
تعزيز الموقف الفلسطيني على الساحة الدولية
الهجوم العدواني الإسرائيلي على الدوحة عزّز الرأي العام الدولي بأن سلوك إسرائيل لا يقتصر على عمليات عسكرية فحسب، بل يستهدف الأمن والمفاوضات والبُنى السياسية في المنطقة أيضًا. وبالتالي الخطوات الأوروبية للاعتراف بفلسطين زادت الضغط على أمريكا والدول الغربية لإلزام إسرائيل بالقانون الدولي. كذلك ازداد شعور دول المنطقة بضرورة التوحّد لمواجهة «الخطر المتصاعد». فإن مشكلة اللاجئين والنزوح الداخلي والتهجير القسري تفاقمت .
انقلاب الرأي العام العالمي: التقارير والصور القادمة من غزة كانت مفجعة، وأثارت مشاعر ملايين الناس حول العالم فخرجوا إلى الشوارع مما زاد الضغط السياسي على إسرائيل عالمياً.
مخرجات القمة العربية والإسلامية: عقدت قمة طارئة عربية وإسلامية في 9 سبتمبر 2025 بعد الهجوم على قطر، بدعوة من الدوحة، وحضرتها نحو 60 دولة عبر الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
ماذا أفضت إليه القمة؟ الجميع كانوا متوقعون نتائج عملية، لكن للأسف لم تخرج القمة إلا بيانات إدانة حارة. وفقًا للجزيرة، وصف أمير قطر الشيخ تميم بن حمد بن خليفة الهجوم الصهيوني بأنه «بلا رحمة»، «غدر» و«جبان»، وقال إن إسرائيل تريد تحطيم فرص السلام وأنّ هذا الهجوم يُضعف جهود السلام. الرسالة الأساسية للقمة كانت التضامن مع الدوحة. الرئيس رجب طيب أردوغان أكّد أن العالم الإسلامي لن يتعامل مع الحادث باعتباره حادثًا عاديًا ودعا إلى مقاومة سياسات إسرائيل. إيران وماليزيا أظهرتا اهتمامًا واضحًا. رئيس الوزراء أنور إبراهيم دعا المشاركين للعمل على سحب عضوية إسرائيل من الأمم المتحدة.
الغريب أنّ دول الخليج التي تعرّضت للعدوان اكتفت بإدانات رمزية لم تلمح الإمارات أو البحرين أو مصر أو المغرب إلى إعادة النظر في علاقاتها مع إسرائيل أو إلى اتخاذ خطوات دبلوماسية رمزية مثل استدعاء السفراء. تركيا وإيران اقترحتا تحالفًا إسلاميًا/عربيًا شبيهًا بـ«ناتو» إسلامي، لكن لم يلق له بالٌ. كما أن المجلس أدار الكثير من الكلام ولم ينتج شيئًا عمليًا على أرض الواقع. ولم توجّه أسئلة مباشرة للقيادة الأمريكية عن سبب وقوع الهجوم في ظل وجود قواعد أمريكية في المنطقة ولماذا لم تمنع العملية. ولم توجّه كذلك أسئلة حازمة للدول التي سمحت باستخدام أجوائها أو فضائها الجوي للعدوان.
نقاط إيجابية
تلميحات لتعاون دفاعي: دول الخليج تحدثت عن تفعيل آلية دفاعية مشتركة، لكن لا تفاصيل ولا آليات متابعة سبل لاحقة: لو كان هناك إرادة حقيقية لتحويل التضامن اللفظي إلى خطوات ملموسة، عقوبات اقتصادية على إسرائيل، ضغط سياسي منسق، تحريك قضايا دولية، لكان ذلك ذا أثر بعيد المدى. لكن غياب التنفيذ كان واضحًا.
نعم، الاتفاق الدفاعي السعودي-الباكستاني يمكن أن تعد من مخرجات الغيرمباشرة للقمة التي تستحق الذكر أن السعودية اتجهت لتوقيع اتفاق دفاعي مباشر مع باكستان بدل الاعتماد التام على الحماية الأمريكية. الاتفاق ذو طابع ثنائي، وباكستان لديها جيش قوي وسلاح نووي، ولها تاريخ دبلوماسي وعسكري أثبت تأثيره في مواجهة تعرضات إقليمية. هذا الاتفاق يُبعث برسالة واضحة لأمريكا بأن السعودية تبحث عن بدائل للحماية التقليدية التي اعتادت عليها. من جهة أخرى، قد يستغلّها الأمريكيون لموازنة تأثيرات إيران أو الصين إقليميًا، وقد يزيد الضغط على باكستان لتتماشى مع السياسة الأمريكية في بعض الملفات.
ماذا يعني الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟
بعض الدول الغربية، بريطانيا، كندا، أستراليا، فرنسا،إسبانيا والبرتغال وأخرى غيرها اعترفوا مؤخرًا بـ«دولة فلسطين». هذا اعتبر نتيجة لمؤتمر حل الدولتين المنعقد بالاشتراك بين السعودية وفرنسا في نيويورك. فرنسا تعتقد أن الدولة الفلسطينية ستكون «منزوعة السلاح» وتسمح لها بقوات شرطة فقط، هذا يتنافى مع منطق الأمن الذي تُطالب به إسرائيل لنفسها، وهو ازدواجية واضحة في المعيار. الاعتراف بدولة فلسطينية خطوة رمزية لكنها قد تكون لها تأثيرات عملية لاحقًا إذا رافقها ضغط دولي لوقف الاستيطان والاعتداءات.
الأبعاد الدبلوماسية والقانونية
الاعتراف بدولة يرسّخ موقفها على الساحة الدولية ويقوّي إدارتها في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة، لكن الاعتراف وحده لا يمنح السيطرة الفعلية على الأرض أو حدودًا أو سيادة فعلية، ذلك يتطلب مفاوضات، دعم دولي حقيقي، وضمانات أمنية. ضغط الرأي العام في الغرب تُظهر أن الرأي العام الغربي غاضب مماجرى بحق المدنيين في غزة. جهات اليسار، نشطاء حقوق الإنسان، وقطاعات من المجتمع المدني تضغط للاعتراف وتغيير السياسة، بينما الأصوات اليمينية تخشى التهاون مع إسرائيل وأن هذا قد يؤثر على شراكات أمنية واستراتيجية.
هل هذا تحوّل دائم في الرأي العام العالمي؟ من المحتمل أن يكون بداية تغيّر مزيد من الدول الغربية قد تتابع مسار الاعترف خاصة تحت ضغط الجاليات الفلسطينية والطلاب والناشطين والحقوقيين. لكن هذا التوجّه لن يكون ذا أثر عملي ما لم يتغيّر الواقع الميداني: وقف إطلاق النار، انسحاب إسرائيلي كامل من غزة، احترام القوانين الدولية، تمكين السلطة الفلسطينية ودور فاعل لها، ورفع الحصار عن غزةوأخيراً قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
بعض الخلافات في حلّ الدولتين: لا تزال نقاط الخلاف الأساسية عالقة. مثلاً ما هي الحدود المتفق عليها؟ ماهية سيادة الدولة الفلسطينية؟ حق العودة للاجئين؟ مصير المستوطنات الإسرائيلية الغيرمشروعة؟ هذه القضايا يجب حلها حتى لا تتحول أي عملية سلام إلى إعادة إنتاج لفشل أوسلو التي أُهملت فيها هذه القضايا الأساسية، وما إن انتهى أوسلو حتى انتهى معها أي أمل بسبب اغتيال يتسحاق رابين وصعود أقصى اليمين الإسرائيلي.
مخاطر بقاء الاعترف مجرد كلام إذا ظلّ الاعتراف شكليًا بدون تمكين فعلي أو دعم دبلوماسي ومالي وسياسي سيبقى مجرد ورقة لا تأثير لها على الأرض. هذه الاعترافات خطوة أخلاقية وسياسية مهمة، لكنها ليست النهاية المرجوة.
وقد تمكن الرئيس محمود عباس من إلقاء كلمته الببغائية في الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويوك عبر الإنترنت إذ لم تمنح له تأشيرة دخول من الولايات المتحدة، وصوّتت الأمم المتحدة بأغلبية لصالح تصريحات دعمه، بينما وقفت أمريكا وإسرائيل وحدهما ضدّها. في الهامش اجتمع ترامب مع زعماء من دول مسلمة وعربية كبار منهم السعودية ومصر وتركيا وباكستان وقطر وإندونيسيا والإمارات، وتم الحديث عن وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار وخطة سلام من 20 نقطة وضعها المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، تتضمن إطلاق سراح رهائن إسرائيليين وفلسطينيين وانسحابًا تدريجيًا للقوات الإسرائيلية ومشاركة السلطة الفلسطينية في إدارة غزة وإقصاء حماس.ثم تم الاتفاق عليها من قبل الطرفين.
ملاحظات على مسار التفاوض المستقبلي المعلن: فبعد إطلاق سراح المحتجزين الإسرائيلين ستكون اجتماعات وأحاديث المتبادلة بين حماس وإسرائيل من خلال الوسطاء، لكن التاريخ يظهر أنّ وعودًا أمريكية أو مواعيد زمنية لإيقاف النار غالبًا ما تنكث من قِبل إسرائيل. ترامب معروف بتقلباته، ومصداقيته ضئيلة، لذا من المبكر الحكم على نجاح أي خطة. لا بدّ من مراقبة التنفيذ والإلتزام الإسرائيلي بشكل عملي الوضع الحالي في غزة على الرغم من تصريحات وقف إطلاق النار وإعلان موافقة الحلفاء، فإن الأولوية الأمريكية والإسرائيلية تتركز على إطلاق سراح الرهائن، وحماس أبهمت في ردها الذكي مسألة نزع السلاح وعبّرت عن استعدادها للتفاوض على شروطها. نتنياهو كان يظنّ أنّ حماس سترفض الاتفاق لتُحمّلها الإدارة الأمريكية المسؤولية، لكن ترامب رحّب ببيان حماس (مع مواصلة تهديداته) وطلب من إسرائيل وقف هجماتها مؤقتًا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي أجبر الرئيس ترمب، بعد حرب إبادة استمرت لعامين كاملين، كانت فيها أمريكا شريكاً كاملاً في الجريمة، داعمةً ومموِّلةً وحاميةً للكيان المحتل، الذي مارس أبشع صور العدوان ضد المدنيين العزّل في غزة أمام أنظار العالم كله؟ لقد أنفقت واشنطن مليارات الدولارات على إسرائيل، وزوّدتها بأحدث الأسلحة الفتاكة، واستخدمت مراراً حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لصالح هذا الكيان المجرم.
فكما شرحنا كواليس هذه الصفقة في المذكور أعلاه مطابقةً لرؤيتنا يرى المحللون أن ما دفع ترمب إلى هذا التحوّل المفاجئ المتمثل في قوله لاحدى إعلاميي الغرب: "قد قلت لنتن ياهوإن إسرائيل لاتستطيع أن تحارب العالم كله"هو تراكم جملةٍ من العوامل، أبرزها: تداعي الرأي العام الأمريكي والعالمي نتيجة أهوال الحرب، وانكشاف زيف السردية الصهيونية أمام جيل "زد" الذي لم تنطلِ عليه الدعاية الإعلامية الصهيونية المكثفة فلم تنخدع بها، إضافةً إلى تحوّل الموقف الخليجي بعد العدوان الإسرائيلي على الدوحة، وتدهور الاقتصاد الإسرائيلي بصورة غير مسبوقة، وخيبة ترمب في الوفاء بوعوده الانتخابية بإنهاء الحروب المشتعلة في أكثر من ساحة، فضلاً عن طموحه الشخصي في الحصول على جائزة نوبل للسلام. كل ذلك دفعه إلى قناعةٍ مفادها أنه بات من الضروري كبح جماح نتنياهو وإيقاف عناده السياسي. فكان ما كان.
إلا أنّ التحدي الحقيقي يبدأ الآن، فنتنياهو شخصية قاسية وماكرة، وله نفوذ واسع داخل البيت الأبيض. وهنا برز السؤال الأهم في المشهد الإقليمي الراهن: بعد إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين، وزيارة ترمب لكلٍّ من تل أبيب والقاهرة، ومؤتمر شرم الشيخ الذي شارك فيه إلى جانب القيادات العربية في المنطقة، من بينهم رئيس مصر، وقادة قطر والإمارات والسعودية وباكستان واندونيسيا وتركياوغيرها، هل نجحت القيادات العربية والإسلامية في ممارسة ضغط حقيقي على ترمب من أجل فرض وقفٍ كاملٍ ودائمٍ لإطلاق النار، مع طمأنته بجدّيتها في قبول حل الدولتين؟الجواب لا.
فوفقًا للتقارير الصادرة عن قمة شرم الشيخ، فقد بدا ترامب في خطابه الدرامي للقمة وكأنه إمبراطور العالم كله، بينما كان الحاضرون أشبه بـ دمى في يديه. كان يدعو من شاء منهم لإلقاء كلمات يمدحونه فيها ويثنون على "جهوده" في إحلال السلام في المنطقة، كما فعله رئيس وزراء باكستان شهباز شريف ولم يتح الفرصة لمن لم يرغب في ذلك. وختم ترمب كلمته بعنجهيته المعهودة قائلاً إنه جاء فقط للحديث عن إعادة إعمار غزة، لا عن أي موضوع آخر.
وبرأيي، فإن ترامب بالتنسيق مع الإرهابي نتنياهو، قد نجح نجاحًا كاملًا في طيّ بساط فكرة حلّ الدولتين وقطع الطريق على قيام الدولة الفلسطينية في المستقبل القريب، وذلك في وقتٍ كانت فيه موجة من الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية تتصاعد.فهبّ ترامب من سباته فجأة لينقذ صديقه نتنياهو وحاضنته الكيان الصهيوني. وهذا يطرح تساؤلات جدّية حول وعي القيادات الإسلامية والعربية، ومدى نضجها الدبلوماسي، بعدما انخدعت بترامب وسياساته الماكرة.
أما العدد العاشر من الإشراق العربي، فهو كسائر الأعداد السابقة من المجلة، يزدان بأبحاث جديدة شيقة، إلى جانب مجموعة من الدراسات المنتقاة من الإشراق الأردي لعدد أكتوبر ٢٠٢٥، فضلًا عن واحة وارفة من الشعر العربي الأصيل.
ونرجو أن ينال هذا العدد كذلك إعجاب قرائنا الكرام واهتمام الدارسين الأفاضل.
أخوكم في الدين،
ـــــــــــــــــــــــــ
أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي
(16 أكتوبر ٢٠٢٥م، علي كره)
دعوة للكاتبين والباحثين للمشاركة في مجلة "الإشراق" العربي
تدعو مجلة "الإشراق" العربي الكاتبين والباحثين وأصحاب الأقلام المبدعة إلى المشاركة بأبحاثهم ومقالاتهم ودراساتهم في أعدادها القادمة، إسهاماً في إثراء الساحة الفكرية والأدبية، وخدمةً للغة الضاد وثقافة الأمة الإسلامية.
تعنى المجلة بتسليط الضوء على القضايا الفكرية والدينية المعاصرة، في ضوء المنهج القرآني، ومقاصد الإسلام، والتجربة الإصلاحية المتزنة. كما تفتح صفحاتها لكل قلم ملتزم، يسعى إلى تقديم معرفة أصيلة، وتحليل عميق، بلغة عربية فصيحة وأسلوب رصين.
وتشمل محاور النشر – دون حصر – ما يلي:
١- الدراسات القرآنية والأحاديث النبوية
٢- التزكية والتربية
٣- الفكر الإسلامي المعاصر
٤- نقد التراث وتجديد الخطاب
٥- قضايا الأمة والنهضة الإسلامية
٦- الشعر والأدب
٧- ترجمات علمية هادفة من لغات أخرى إلى العربية
شروط النشر:
أ- أن تكون المادة أصيلة، غير منشورة سابقًا.
ب- الالتزام بمنهج البحث العلمي والأمانة الفكرية.
ج- سلامة اللغة والأسلوب.
د- أن ترسل بصيغة Word
ه- مع سيرة ذاتية مختصرة للكاتب.
📧 ترسل البحوث والدراسات على البريد الإلكتروني الآتي:
