logo
أخرى

أصول الفقه

أصول الفقه

إن الهداية الإلهية التي نزلت على البشر من خلال الأنبياء، يقوم أساسها على القرآن والسنة. أما القواعد والمبادئ التي ينبغي لكل طالب علم في الدين أن يضعها نصب عينيه لفهم هذين الأصلين وتفسيرهما، فقد أوضحناها في مقدمة كتابنا "ميزان" تحت عنوان "الأصول والمبادئ". ويمكن الاطلاع على خلاصتها في هذا الكتاب أيضًا تحت العنوان نفسه.

وإلى جانب ذلك، فإن الوسيلة التي يمكن من خلالها الوصول إلى مراد الله تعالى تبعًا للنصوص هي الاجتهاد. ومن خلاله نحاول فهم كثير من الأحكام التي لم تذكر نصًّا في الكتاب والسنة، لكنها تعد امتدادًا لأحكامهما، وقد تركت لتقدير عقول الناس وآرائهم. والقياس يعد أحد أنواع هذا الاجتهاد، وقد عبّر عنه القرآن الكريم بلفظ الاستنباط.

وما ينتج عن هذا كله يسمّى الفقه، ومن أهمّ أجزائه فقه النبي ﷺ. ثم تأتي بعد ذلك اجتهادات العلماء والفقهاء. أما مصطلح أصول الفقه، فنقصد به القواعد التي تعين على فهم هذه القضايا وتوضيحها. وهذه الأصول هي كما يأتي:

١- كل رأي في الدين يجب أن يقوم لتحقيق الغاية التي حددها القرآن غايةً للدين. وهذه الغاية، في نظرنا، هي تزكية وتطهير الإنسان في علمه وعمله، في حياته الفردية والجماعية على السواء. لذلك ينبغي أن تبقى هذه الغاية ماثلة أمام كل من يتعامل مع أحاديث الآحاد في هذا الباب، أو يتبنى رأيًا أو اجتهادًا في قبولها أو ردّها.

٢- المقصود بالقرآن والسنة في هذا الباب لا يقتصر على الأحكام الشرعية الواردة فيهما، بل يشمل كذلك علل تلك الأحكام والقواعد العامة التي تقوم عليها شريعة الله تعالى، سواء وردت هذه القواعد بنص صريح أو استنبطت بطريق الاستقراء. فمن أمثلة ما ورد بالنص، قول الله تعالى إنّه أحلّ جميع الطيّبات وحرّم جميع الخبائث. ومن أمثلة ما عرف بالاستقراء، أن جميع العبادات هي تعبير رمزي عن علاقة العبد بربه.

٣- إن الفقه في مجمله فرع عن هذه الأحكام والعلل والقواعد العامة، وينبغي أن يظل فرعًا في كل حال. فإذا تجاوز حدّه هذا، فحلّ محلّ الأصول أو غيّر مدلولها وتأثيرها، وجب حينئذ ردّه ورفضه.

٤- كل حكم من أحكام الدين يقوم على حقيقته الخاصة، وهي التي يطلق عليها أحيانًا "معناه" أو "علّته". وعند تطبيق الحكم على صور جديدة، أو عند منح استثناء أو رخصة منه، فإن القرار في ذلك ينبغي أن يبنى على هذه الحقيقة ذاتها.

٥- أما طرق الاستدلال المعتمدة في هذا المجال، فهي ثلاثة طرق:

أولًا: الاستدلال بالفرع على الأصل، لأن وجود الفرع يدل بالضرورة على وجود الأصل، إذ لا يمكن أن تكون هناك فرع بلا أصل يقوم عليه.

ثانيًا: الاستدلال بالأصل على الفرع، لأن الأصل يتضمن الفرع، فإذا تم التدبر في الأصل تبيّن أنه يدل على جميع الفروع المتفرعة عنه. ولهذا السبب نسمي الأول "أصلًا" والثاني "فرعًا".

ثالثًا: الاستدلال بفرع على فروع أخرى، ويكون ذلك عن طريق إثبات الأصل أولًا؛ إذ يدل الفرع على أصله، ثم يقوم الأصل نفسه بتوجيه الدلالة إلى سائر الفروع الأخرى.

٦- إن "فقه النبي ﷺ" يحتل مكانة استثنائية في هذا العلم، إذ نقل أكثره عن طريق أحاديث الآحاد. وبحكم النسبة إلى النبي ﷺ، فإن مقتضى الاحتياط يوجب قبول هذه الأحاديث فقط إذا بلغت، في اصطلاح المحدّثين، درجة الحسن على الأقل.

أما الأحاديث الضعيفة، فإذا وردت من طرق متعددة، فيجوز الاستئناس بها في القرارات ذات الطابع الإداري والتنظيمي، لا على سبيل الاحتجاج، وإنما لزيادة الاطمئنان. وسبب ذلك أن هذا النوع من القضايا يعتمد أساسًا على المسلّمات العقلية والعلمية في الاستدلال.

فعلى سبيل المثال، إذا وقعت الطلاق على خلاف الطريقة التي شرعها الله، فما الموقف الذي ينبغي اتخاذه؟ إن الجواب عن مثل هذا السؤال يعد قرارًا إداريًا تنظيميًا، فإذا وجدت له رواية ضعيفة تؤيده، أمكن الاستئناس بها لزيادة الاطمئنان.

ومسألة طلاق ركانة بن عبد يزيد تمثل نموذجًا لذلك. فقد أوردنا روايات أبي داود، وابن ماجه، والترمذي، ومسند أحمد في هذا الموضوع في كتابنا "ميزان" ضمن باب "قانون المعاشرة"، وبيّنا في الحاشية بوضوح أن هذه الروايات وإن كانت ضعيفة من حيث السند، إلا أن اجتماعها يقوّي بعضها بعضًا، فيزول الضعف بذلك.

[٢٠٢٢م  ]