logo
أخرى

انشقاق القمر: موقف الأستاذ غامدي

انشقاق القمر: موقف الأستاذ غامدي

[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]

(الحلقة الثامنة)

بعد هذه الإيضاحات الضرورية يمكن أن نذكر بعض الأمثلة البارزة من هذا النوع من الآيات والعلامات.

١- معجزات موسى عليه السلام

من الآيتين العظيمتين اللتين أعطيتا لموسى عليه السلام كانت إحداهما العصا والأخرى اليد البيضاء، وهما آيتان خارقتان للعادة أعطيتا له مع البعثة، وقد ظهرت أكثر معجزاته من خلالهما. وهاتان الآيتان أعطيتا له في وادي طوى المقدس. وقد ورد في القرآن الكريم أنه لما رجع موسى عليه السلام من مدين ووصل إلى وادي طوى رأى شعلة من النار، فظنها ناراً فاتجه نحوها، فلما بلغها ناداه صوت من الغيب قائلاً:

﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾) سورة طه، ١٢–١٣)

وفي هذا المقام أمره الله أن يلقي عصاه، فلما ألقاها صارت حية تسعى، ثم قال له الله أن يدخل يده في جيبه، فلما أخرجها إذا هي بيضاء ناصعة بلا سوء. وفي سورة طه جاء قوله تعالى:

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ  قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ  فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ  قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ  وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ  لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ﴾ )سورة طه: ١٧-٢٣)

يقول الإمام أمين أحسن الإصلاحي في تفسيره لهذه الآيات في معرض حديثه عن معجزتي العصا واليد البيضاء:

"معجزة العصا: أمره الله تعالى أن يلقي هذه العصا على الأرض ليرى آية من آيات قدرته، فألقى موسى عليه السلام العصا فإذا بها فجأة تتحول إلى حيّة تسعى. وكان الخوف من الحيّة أمراً طبيعياً، ففزع موسى عليه السلام إذ رأى أن العصا التي كانت تصلح لضرب الحيّات قد صارت هي نفسها حيّة. ولكن الله تعالى طمأنه قائلاً: لا تخف، خذها بيدك، فبمجرد أن تمسكها سنعيدها إلى حالتها الأولى، فتعود كما كانت عصاً.

ومعجزة اليد البيضاء: ثم أمر بعد ذلك أن يضمّ يده إلى جنبه، فإذا أخرجها خرجت بيضاء ناصعة من غير سوء، أي من غير مرض، فكانت آية أخرى. وهذه المعجزة الثانية التي أعطيت له. وقد جاءت عبارة ’بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ‘ لدفع توهّم أن هذه البياض كان بسبب مرض، بل هو آية من آيات الله. وبهذا تردّ رواية التوراة التي تزعم أن يد موسى عليه السلام صارت بيضاء من البرص. وينبغي أن يعلم أن بياض يد موسى عليه السلام لم يكن دائماً، بل كما يشهد نصّ القرآن كان ظهور هذا اللون الأبيض مشروطاً بأن يضع يده في جيبه ثم يخرجها ليظهرها كآية من آيات الله. وقوله تعالى ’لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ‘ أي لنريك بهذه المعجزات بعضاً من آياتنا العظمى، فيه بشارة لموسى عليه السلام بالفتوحات المقبلة، فهذه الآيتان في الظاهر معجزتان اثنتان، ولكنهما في الحقيقة تتضمنان مظاهر كثيرة من قدرتنا وسلطاننا، وسترى حين تمرّ بمراحل الامتحان كيف تتجلى من خلالهما عجائب قدرتنا وآثار قهرنا."

)تدبر القرآن، جـ ٥، صـ ٣٥–٣٦)

بعد البعثة، وصل موسى عليه السلام إلى قصر فرعون، فدعا فرعون وملأه من الأمراء والوجهاء إلى توحيد الله والإيمان بالآخرة، على النهج الذي اتبعه جميع الأنبياء عليهم السلام. ثم طلب منه أن يرسل معه بني إسرائيل. فردّ فرعون طالباً منه أن يظهر له آية تدل على صدقه. عندئذ ألقى موسى عليه السلام عصاه على الأرض فتحولت إلى ثعبان حقيقي، ثم أخرج يده من كمه فإذا بها تلمع إشراقاً. أدرك الحاضرون من أهل القصر أن ما رأوه ليس سحراً عادياً، فأرادوا أن يثيروا خوف فرعون ويحرضوه فقالوا: إن هذا الرجل يريد أن يخرجك من أرضك ليستولي عليها بنفسه. فأجّل فرعون أمره وأمر أن يجمع السحرة من أنحاء البلاد ليواجهوه ويبطل سحره. فقبل فرعون هذا الرأي، وبعث الرسل إلى المدن لجمع السحرة. وقد نقل القرآن الكريم تفصيل هذا المشهد في سورة الأعراف بقول الله تعالى:

﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ  قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ  قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ  قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ  وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ  فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ  وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ  قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ  رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ )سورة الأعراف: ١١٣–١٢٢)

يرى الأستاذ الجليل جاويد أحمد غامدي، أن قوله تعالى ’فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ‘ يدلّ بوضوح على أنّ السحر لا يغيّر حقيقة الأشياء ولا ماهيّتها، وإنما يؤثر في البصر والقوة المتخيلة للإنسان، فيرى الإنسان ما يريده الساحر أن يريه. أي إن العصا لما صارت حيّة مضت تموج في الأرض فأبطلت ما ألقاه السحرة من حبال وعصيّ كانت تخيّل إلى الناس كأنها حيّات فردّتها إلى حقيقتها كما كانت فانهدم بذلك كل ما نسجه السحر وزال أثره.[4]

كما أن قوله تعالى في سورة طه ’إِنّما صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى‘ يوضّح أن السحر ليس إلا خداعاً وتمويهاً، وأنه بمجرد أن يظهر الحق يتبيّن لكل أحد الفرق بين السحر والمعجزة. أي إن المقصود أن الحق إذا ظهر تجلت لكل إنسان حقيقة الأمر فعرف الفرق بين السحر والمعجزة.[5] 

ويرى الأستاذ غامدي:

"أنّ الأمر شبيه بخروج الشمس المشرقة أمام ضوء القمر الباهت، فبعد طلوع الشمس لا تبقى حاجة إلى برهان أو جدال لتمييز النور الحقيقي من الوهمي. والسحر وسائر فنون الشعوذة يدرك حقيقتها أهلها وخبراؤها، ولهذا فالمعيار البيّن للتفريق بين السحر والمعجزة هو أن أهل هذه الفنون أنفسهم يعجزون أمام المعجزة ويقرّون بعجزهم."

صدر عن عصا موسى عليه السلام لبني إسرائيل معجزة عظيمة أخرى، إذ ضرب بها الصخرة فانفجرت منها اثنتا عشرة عيناً، فصار لكل سبط من أسباطهم مشربه الخاص. وقد ورد في سورة البقرة قوله تعالى:

﴿وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ (سورة البقرة: ٦٠)

وتفيد التوراة، في سفر العدد، أن حادثة تفجّر الماء من الصخرة وقعت في صحراء صين. وجاء فيها:

"وفي الشهر الأول جاءت جماعة بني إسرائيل كلها إلى برية صين فأقام الشعب في قادس، ولم يكن ماء للجماعة ... فاجتمعوا على موسى وهارون، وخاصم الشعب موسى وقالوا: ليتنا فنينا حين فنينا أمام الرب! ولماذا أتيت بجماعة الرب إلى هذا القفر لنهلك نحن ومواشينا؟ ولماذا أصعدتنا من مصر لتأتي بنا إلى هذا الموضع الرديء؟ ليس موضع زرع ولا تين ولا كرم ولا رمان، ولا يوجد فيه ماء للشرب. فانطلق موسى وهارون من أمام الجماعة إلى باب خيمة الاجتماع وسجدا على وجهيهما، فتراءى لهما مجد الرب، وكلّم الرب موسى قائلاً: خذ العصا، واجمع الجماعة أنت وأخوك هارون، وكلّما الصخرة أمام أعينهم فتعطي ماءها، فتخرج لهم ماء من الصخرة وتسقي الجماعة ومواشيهم. فأخذ موسى العصا من أمام الرب كما أمره، وجمع موسى وهارون الجماعة أمام الصخرة، فقال لهم: اسمعوا أيها البغاة، أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء؟ ثم رفع موسى يده وضرب الصخرة بعصاه مرتين، فخرج ماء غزير فشربت الجماعة ومواشيهم."

 (سفر العدد ٢٠: ١–١١)

إن تفجر اثنتي عشرة عيناً بدلاً من عين واحدة كان بسبب أن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطاً، فعيّن لكل سبط منهم مورد خاص، وبذلك انتهت إمكانية النزاع بينهم على الماء، فلو لم يكن الماء متوافراً بهذه الكثرة، ولم ينظّم توزيعه بينهم بالعدل، لتنازعوا في الصحراء كل يوم على الشرب وسقي المواشي، ولتحولت حياتهم إلى خصومات متواصلة. فكان ذلك معجزة خارقة وعطاءً عظيماً من الله. ويقول الإمام أمين أحسن الإصلاحي:

"ولما انفجرت من الصخرة اثنتا عشرة عيناً، وكان بني إسرائيل اثني عشر سبطاً، خصّ كل سبط منهم مورده، فلم تبق خشية من وقوع نزاع بينهم عند أخذ الماء، ولو لم يهيّأ لهم الماء بهذه الوفرة في تلك الصحراء، لكانت السيوف تشهر بينهم كل يوم على الماء، فكان هذا الحادث ليس معجزة عظيمة فحسب، بل نعمة كبرى من نعم الله عليهم." (تدبر قرآن، جـ ١ ، صـ ٢٢٣)

(للحديث صلة ...)