logo
أخرى

مقطتف من ’’ميزان‘‘

ميزان

(الحلقة التاسعة)

 

مبادي تدبر السنة

ما هي السنن؟ قد ذكرناها في بداية هذا المقال بطريقة معينة. ولتعيين هذه السنة هناك أصول وقواعد عدة نفصلها فيما يأتي:

الأصل الأول

السنة تكون فقط ما هو دين باعتبار نوعيته. أي ما يتعلق إما بالعبادات أو بتطهير البدن أو بتطهير الأكل والشرب أو بتزكية الأخلاق. لأنه إن اسُتقصى جميع أحكام الدين اتضح أنه منحصر في هذه الأشياء الأربعة. والقرآن واضح كل الوضوح أن أنبياء الله كانوا قد بعثوا لإبلاغ الدين. وهذا كان دائرتهم في العلم والعمل. فكانوا لا يتعلقون أصلًا بشيء آخر. ولا شك أنه كان منهم إبراهيم بن آزر، وموسى بن عمران وعيسى ابن مريم ومحمد بن عبد الله مع مكانتهم النبوية، ولكنهم لم يقوموا بأية مطالبة من الناس في حيثيتهم هذه، فكانت مطالباتهم كلها من الناس من حيث إنهم أنبياء الله، وما أوتوا من حيث الأنبياء هو الدين لا غير، وإبلاغ هذا الدين إلى الناس هو مسؤوليتهم الحقيقية.كما قال تعالى:

شَرَعَ لَکُمْ مِّنَ الدِّیْنِ مَا وَصّٰی بِه نُوْحًا وَّالَّذِیْٓ اَوْحَیْنَآ اِلَیْكَ وَمَا وَصَّیْنَا بِه اِبْرٰھِیْمَ وَمُوْسٰی وَعِیْسٰٓی اَنْ اَقِیْمُوا الدِّیْنَ وَلَا تَتَفَرَّقُوْا فِیْه.(الشوریٰ: ۱۳)  

فهذا معلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استخدم السيف فالنبل والأسلحة الأخرى في الحرب. وقد سافر على الجِمال وبنى المسجد وسقفه بجذوع  النخيل، وأكل بعض الأطعمة باعتبار الثقافة العربية العاصرة، أحب بعضها وكره بعضها، ولبس لباسًا من وضع خاص كان يُلبس في العرب آنذاك. وفي اختياره كان هناك تدخل لذوقه الشخصي. على أنه ليس شيء من ذلك يعتبر سنة. ولا أحد من أهل العلم بقوله سنة. والنبي صلى الله عليه وسلم بنفسه قد أوضح ذلك في مناسبة. فقال:

"إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر،  فإني إنما ظننت ظنًّا فلا تأخذوني بالظن. ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله، أنتم أعلم بأمر دنياكم.[3] 

(رواه مسلم رقم الحديث 6128-6126)

الأصل الثاني

والأصل الثاني أن السنة تتعلق كليًّا بالحياة العملية أي بالأفعال والأعمال فلا تتعلق إذاً بالعلم والعقيدة وشأن النزول وما إلى ذلك من أشياء. والسنة تطلق في العربية على الطريق الموطأ، وما فعله الله تعالى مع الأقوام من الجزاء والعقاب أطلق عليه سنة الله. فلفظ السنة تأبى أن تطلق على الإيمانيات والأشياء النظرية وكذا العلمية فدائرتها الأفعال والأعمال فلا تشمل الأشياء الخارجة من هذه الدائرة فيها.

الأصل الثالث

والأصل الثالث أنه لا تطلق السنة على أعمال وأفعال ابتدأت من القرآن نفسه لا من الرسول. فمثلًا عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع أيدي السارقين وجلد الزانين ورجم الماجنين ورفع السيف على المنكرين ولكن لا يقال سنة لأي واحد من هذه العمليات، إنما هي أحكام قرآنية وردت فيه أصلًا وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمتثل بها. وكذا جاءت أحكام الصلاة والزكاة والحج والصوم والقربان في القرآن على مواقع كثيرة، وجاء القرآن بإصلاحات وتعديلات عديدة فيها، وقد أوضح القرآن بالذات أنه كانت بدايتها من الرسول بعد تحديد الرواية البراهيمية وبتصويبها ولذا هذه سنن لازمة مؤكدة بالقرآن، وأي شيء بدأه القرآن أصالة وأوضحه النبي صلى الله عليه وسلم أو عمل به طابق النعل بالنعل فلا نقول لعلمية الرسول هذه سنة بل نقول إنه تفهيم وتبيين للقرآن والأسوة الحسنة. وتطلق السنة فقط على الأشياء التي تجيء أصالة في قول وفعل وتقرير وتصويب نبوي ولا يمكن القول أنه عمل بالقرآن أو تفهيم وتبيين له.

الأصل الرابع

الأصل الرابع أنه إذا عمل بسنة متطوعًا لم تكن سنة أخرى جديدة. ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى صلاة نافلة علاوة على الصلوات الخمسة المفروضة في اليوم والليلة بموجب قوله تعالى: من تطوع خيرًا فإن الله شاكر عليم (البقرة:12) كما أنه قد تطوع في الصوم مع صوم رمضان وقام بقربان نافل، ولكن ليس أي شيء من ذلك سنة في حيثيته هذه. فلنا أن نقول أن طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في القيام بهذه النوافل هي أسوة حسنة له في العبادات. ولكنها إذا صارت سنة في حيثتها الأولى لا تصير سنة مرة بعد مرة ولا تشمل في فهرس السنن.

وذلك يطلق أيضًا على إنجاز عمل لحد كماله. ووضوء النبي صلى الله عليه وسلم واغتساله خير مثال لذلك. فليس هناك في طريقة قام بخلالها بهذين العملين شيء زايد على الأصل، بل إنه اكتمال تام من كل جهة للأصل تظاهر بنموذجه في وضوئه واغتساله. فهذه الأشياء كلها تندرح في ذيل الأسوة الحسنة ولا تُجعل سنة.

الأصل الخامس

الأصل الخامس أن الأشياء التي جاءت لبيان الفطرة محضًا ليست سنة، سوى إذا كان الأنبياء عليهم السلام قد رفعوا شيئًا منها وقرروه جزءًا مستقلًّا للدين، فمثلًا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من تحريم لحوم السباع ذات الأنياب والطيور ذات المخلب هو أيضًا من هذا القبيل.(رواه مسلم رقم الحديث: 3433 و 4994) كما أوضحنا من قبل في بيان مبادي تدبر القرآن في مبحث العلاقة بين القرآن والحديث تحت عنوان الميزان والفرقان بدلائل واضحة إنها بعد تحديد "قل لا أجد في ما أوحي إلي (الأنعام:45) "وإنما حرم عليكم (البقرة:173)" بيان لتلك الفطرة ويعلم الإنسان من طبيعته منذ الأبد أن الأسد والنمور والفيل من الأشياء الغير المأكولة ولم تولد الفرس والحمير للذة المائدة، وكما جاءت بعض الأشياء الأخرى أيضًا في الروايات، فيجب اعتبارها أيضًا من هذا القبيل ويجب تقديمها في فطرة الإنسان خارج السنة.

الأصل السادس

الأصل السادس أنه لا تعد من السنة تلك الأشياء التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم لترشيد الناس ولكن نوعية ذلك الترشيد بنفسها تقطع أنها لم يرد بها النبي صلى الله عليه وسلم إجراءها من حيث السنة. ومثل ذلك الأذكار الواردة في القعدة في الصلاة. فتفيد الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم الناس التشهد والصلاة عليه كما علم الأدعية المختلفة لهذا الموقع. ولكن هذه الروايات هي الأخرى توضح أنه لم يقرر ولم يعين منها شيئًا، ولم يلزم على الناس وردها وذكرها. نعم هذه أذكار محببة له فلا يتصور شيء أحب وأطيب منها. ولكن أسوته تفيد أنه لم يرد إلزام الناس بشيء بل يريد تركهم في خيار، إما أن يختاروا الأذكار المأثورة أو اختاروا ما شاؤوا من الأوراد والأدعية، فإن السنة إذاً هو جلوس المصلي في الركعة الثالثة والركعة الأخيرة على الركبتين في القعدة، وليس شيء علاوة على ذلك سنة مقررة لهذا الموقع.

الأصل السابع

الأصل السابع أنه كما أن القرآن لا يثبت بالخبر الواحد كذلك لا تثبت السنة أيضًا بخبر الواحد.لأن السنة لها مكانة مستقلة بالذات في الدين، وكان رسول صلى الله عليه وسلم مكلفًا لإبلاغ السنة إلى الناس بكل اهتمام واحتفاظ وبقطعية كاملة. وكانت مما لا تترك على مشيئة الناس كأخبار الأحاد إن شاؤوا نقلوه، إلى ما بعدهم وإن شاؤوا لم ينقلوا. ولذا فمصدر السنة هو إجماع الأمة كمثل القرآن، فكما أنه وصل إلى أيدي الأمة بإجماع الصحابة وتواترهم القولي فكذلك بلغت السنة الأمة بإجماعهم وبتواترهم العلمي. ولا شك أن رواية كتفهم النبي صلى الله عليه وسلم وتبيينه ولأسوته الحسنة يمكن أن تقبل إذا جاءت بطريق أقل درجة من ذلك ولكن لا يثبت القرآن ولا السنة به أبدًا.

فهذه أصول ترشيدية سبعة لتعييىن السنة. إذا تدبرت في ضوئها في رواية الدين التي انتقلت إلى الأمة بطريق النبي صلى الله عليه وسلم علاوة على القرآن، لتعينت  السنة أيضًا بقطعية تامة مثل القرآن.

(يتبع ...)