مقامات
(الحلقة التاسعة)
أمین أحسن
وبعد حدث افتراق "ماجھی گوتھ" في شوریٰ "كوت شیر سنغ" قام الأستاذ المودودی یطلب سلطات كبیرة لأمیر الجماعة. وكان أمین أحسن یختلف منه اختلافاً كبیراً وكان یریٰ من البدایة أن أمیر الجماعة مسئول عن التزام ماتتفق علیھا شوریٰ الجماعة من الأوامر. ولذا قام بالاستقالة من الجماعة. وعلی ذلك كتب إلیه الشیخ المودودي قائلا:
"إذا أردت تخطئة رائي ھذا فافعل. وأنت حر كامل لاتیان الدلائل ضد رائي ھذا حتی ان لك خیار كامل أن تحمل رائي علی أسوء معنیً یراد منه، ولكن لیس لك أن تتھمني أنني مازلت أستتر قطة سوء النیة في حقیبة ضمیر مجرم آثم وأخرجتھا في "كوت شیر سنغ" انتھازا للفرصة المناسبة. أنا أراه حقا وأظھرته دائما وظللت عاملا به بعد تشكیل الجماعة حتی الیوم. ولك حق كل الحق أن تحاول تخطئة ھذا الرأي. لا حاجة لك إلی مغادرة الجماعة بسببه. فلك أن تمھد أذھان مجلس الشوریٰ في حق رأي مخالف له بحریة كاملة".
وانظر كیف أجاب أمین أحسن. فقد كتب إجابة علیه:
"إنك لاتحتاج إلی بیان تاریخ مولد" قطتك، فإني لست غیر واقف علی أنك لم تزل تتمتع بحیازة ھذه القطة في حقیبتك ولكنك تذكر اني في جلسة شوریٰ بإلاہ آباد قبل انقسام البلد قد حاولت حنق عنقھا فراجع إلی مذكرة جلسة الشوریٰ المذكورة. ولكن لم تمت ھذه القطة آنذاك. غیر أني وأصحاب الفكر والنظر للجماعة غیري مازالوا یفكرون في إماتته وقضیة حیاتھا وموتھا مازالت تثار مرة بعد أخری، حتی أننا بعد الإنقسام قمنا بوضع دستور للجماعة قضی نھائیا لموتھا. ولیتضح أننا جزماً أبرمنا ھذا القضاء، أبرمناھا واضعین أمامنا ما یقضیه الشرع الشریف، ومصالح الوقت والدیموقراطیة الإسلامیة. وقد تم حصول آراء العلماء وفتاواھم وآراء أھل النظر. ولاریب إنك مازلت تحییھا من وقت لآخر، ولكن دستورنا لم یسلم حیاتھا. وفي صدد ذلك حینما خالفت الدستور فقد أثبتت في عامة الأحوال عدم البصیرة في اتخاذ خطواتك، ولذا قد أجمع أھل الرأي للجماعة أنه یا حبذا أن تظل "القطة" میتة.
أما أنت فكان موتھا شاق علیك جدا. فما تزال تفكر لإحیاءھا حیاة جدیدة، حتی قدمت استقالتك أنت في عشقھا. وتأمرت لذلك في ماچھی گوتھ بطلبك أصحاب سِرك في الخلوة. ثم قرأت علیھا الطلسم الإحیائي الأخیر وھي تنفست الحیاة فعلا. والآن أنت تدعوني أن آتي في الشوری من جدید وأحاول لإماتتھا إماتة أخری في الشوریٰ واعتذر من ذلك. فإن قطة أمتتھا بعد محاولات لأعوام أنت أحییتھا وقامت شوراءك بتبعات إرضاعھا، فإني إن أسعی لإماتتھا من جدید فذلك یعني أن انذر حیاتي كلھا في عملیة إماتة القطة ھذه، فھل ھذا وظیفة شریفة؟
فھذا كان أسلوبه حین یقوم بتجزئة واستعراض ومحاكمة. والكتاب الذي كتبه إجابة علی اتھامات المودودي "لمجلس الاستعراض" یمثله خیر تمثیل. ولما قرأه سفیر كبیر للسوریا علق علیه بقلمه: یا مولانا أنت لم تكتب كتابا وإنما كتبت قضاءً یقضیه القاضي. ونفس الأسلوب تراه حین أجاب علی اتھامات الشیخ محمد منظور النعماني التي وجھھا إلی الجماعة الإسلامیة. وقد قام بتجزئة نظریة المصلحة عند الشیخ المودودي بنفس الأسلوب. كما أعمله حین قام بدراسة استعراضیة علی تقریر لجنة العائلة. فكتاباته ھذه تنم عن طراز انشاءه المشرب بالمزح والمرح لحد أن إذا قرأه شخص لم یكن له بد من الثناء علی قلمه الساحر.
وقد شھدت شیخوخته. والناس الذین كانوا یستمعون إلی خطاباته في زمن انتماءه إلی "الجماعة الإسلامیة" یذكرون الیوم أیضاً خطابته. ویقول بعض سامعیه أن خطابته كانت كأنھا بحر تتلاطم أمواجه بعض التلاطم وكأنھا عین انفجرت من الجبال ونھر یھبط من علیاء الجبال إلی الوادي ویجري الآن إلی المیادین. فلفظ ینطق به لسانه ینزل مباشرا إلی القلب. فكان ینطق بإذعان نبوي ویذكر خطباء العھد العتیق. فیتكلم الاستدلال بلسانه وینزل الإیمان علیه. وتمثل ھذه الكیفیة جملة من خطبه التي القی بھا في ١٩٤٥ للمیلاد وجاء فیھا:
"إذا شئتم ضعوا السیف علی عنقي ولكن لن اتسلم لكم أبداً أن أحیل عملیة طاھرة كتزكیة النفس إلی الجھلاء الذین یجلسون في الزوایا والتكایا ویبیعون دینھم "
وأخبرني صحفي كبیر أن الشیخ أمین أحسن كان یخطب في میدان ككري بكراتشي وأنا اكتب خطبته فصدر منه فجأة "أن الإسلام یصدر فرمانا" ثم وقف لمحة وأضاف لیس ھذا فلتة لسان وإنما یحق فقط للإسلام إصدار الفرامین". وبدٓلك قد أحدث بحراً مواجاً للفظ والمعنی أن بقیت انظر إلیه وأصغي إلی كلامه ونسیت أن علیّ كتابة كلامه أیضاً.
فكان یدعوإلی الدعوة الدینیة دائما في ھذا الإذعان وبنفس الحرارة الإیمانیة. وقد حدث معه لطیفة في ھذا الباب. في انتخابات ١٩٥١م قامت "الجماعة الإسلامیة" بترشیحه. وكان یقول: إني قلت لھم مراراً وتكراراً بكل تاكید أنه لم تلدأم رجلا غیر أنسب لھذه العملیة غیری، ولكن "أمیر المؤمنین" لم یستجب لي. فارتضیت له طوعاً وكرھاً فقیل لي یوماً: إنه یجب أن تقوم بإلقاء الخطبة أمام الناس لذلك. فذھبت وبدأت خطابي بما یأتي:
"أیھا الحضور عليّ لعنة الله وملائكته والمؤمنین أجمعین إن أدعوكم إلی إلقاء الصوت في حقي. وإنما جئتكم فقط لإخباركم عن واجبات ومسئولیات كمصوتین". وبعد ذلك لا یرجی منھم حماقة أن یدعوني مرة أخری لالقاء الخطاب الانتخابي في ذلك الانتخاب.
وقد مضی جزء كبیر من حیاته في الجماعة الإسلامیة وظل أعواما طویلة نقیبا لھذه الدعوة ومنادیاً إلیھا. ففي ھذه الخلفیة یثور سؤال طبیعي أن ماذا كان رأیه الأخیر عن الفكرة التي علیھا قامت الجماعة، في دور حیاته الأخیرة؟ فأنا أقول قولاً أكیداً وبكل مسئولیة علی أساس ماسمعت منه وما فھمته أنه لم یبق الآن قائلاً لمفھوم إقامة الدین الذي تریده الجماعة منه ولم یصح عنده معنی أظھار الدین مابینه الشیخ المودودي. كما لایصح عنده إقامة جماعات "كمثل الجماعة الإسلامیة" ولا یسع في فكره أشیاء مغلوطة كالجھاد والإمارة وبیعة السمع والطاعة بدون حكومة إسلامیة مستقلة. كذلك لایناسب عنده سیاسة حصول السلطة الحاكمة لعلماء الدین. فقد تبنی الآن رأیا أكیدا أنه علی العلماء أن یسعوا ویحاولوا لھدف إقامة الثوریة الفكریة والذھنیة فقط. فعالم الدین مادام عالما وما دام یرید أن یكونه لاینبغي أن یقدم علی غیر ذلك إقداماما. وجاء كل ذلك بصراحة تامة في خطبه وكتاباته وأحادیثه. ویمكن الاستشھاد علی كل شئ منه بألفاظه الصارحة.
فماذا كان إقلیم الفكر لأمین أحسن؟ فالذین اتیحت لھم فرصة للسیر في إقلیمه یعرفون أن إقلیمه إقلیم جدید في عالم الفكر الدیني. ففي إقلیم فكره تركز جمیع السلطات وكل الحكم للقرآن الكریم. فماذا ینطق القرآن بلفظة تصیر قانوناً. إنه نصب میزانا في كل مكان یرجع إلیه كل من أبي حنیفة والشافعي والبخاري ومسلم والأشعری والماتریدي والجنید والشبلي بكل بما عنده من أشیاء ویزنھا في ھذا المیزان القرأني. ثم في ھذا الإقلیم لایشتری من أشیاءھم ما یقل وزنه بتقدیر القرآن ومیزانه. فھنا یقوم العلم والفكر والعقل والفلسفة والحكمة مصغیا في حضرة القرآن. وكل لفظته مدینة للعجائب لاتنقضي أبدا. ینطق بلفظ محكم أولا ثم یفصل تفصیلا وإذا إشكل شیئ من منطوقه یبینه بیانا شافیا في مكان آخر، والقرآن إیوان كریم مكتوب في أبوابه وجدرانه في ألفاظ جلیة أنه من لم یؤمن بنظم وترتیب في كلامنا لایدخل في إیواننا ھذا. وقد قضیٰ أمین أحسن كل حیاته في ھذا الإقلیم، كما قال الشاعر ما مفھومه:
"إن اسلوب تفكیره لمختلف عن سائر زمانه ولا یعرف أحواله مشائخ الطریق."
(للحديث صلة ...)
