logo
أخرى

نظرات في الخلافة الأموية

نظرات في الخلافة الأموية

]هذا العمود المعنون بـ "وجهات نظر" مخصص لكتابات مختلف أصحاب الفكر وتعبر عن آراء أصحابها وليس من الضروري أن تتفق المؤسسة مع المقالات المنشورة تحته[

بعد انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، أُقيمت الدولة الإسلامية على نظام الخلافة، وقد تجلّى هذا النظام في صورتين واضحتين: الأولى هي الخلافة على منهاج النبوة، وهي النموذج المثالي الأعلى في الحكم الرشيد الذي اتسم بالعدل والشورى والزهد في الدنيا، أما الثانية فهي الخلافة على سبيل التوارث، أي النظام الوراثي في انتقال الحكم، كما حدث ابتداءً من تنازل الحسن بن عليّ رضي الله عنه عن الخلافة، ثم في عهد خلفاء بني أمية من بعده.

ورغم أن هذا النمط الثاني كان موروثًا في طبيعته، إلا أنه لا يتعارض من حيث الأصل الشرعي والمبدأ الإسلامي مع روح الخلافة، شريطة أن يقوم على أُسس الحاكمية الإلهية والعدل والأمانة، كما كان حال داود عليه السلام وابنه سليمان عليه السلام في ملكهما.وهذا ماذهب إليه السلف الصالح والدكتور محمد حميد الله رحمه الله) ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن البركات والثمار التي ظهرت في عهود الخلفاء الثلاثة الأُول كانت أوفر بكثير مقارنا مما تلاها من عصور، وخصوصًا في الخلافة الأموية، إلا أن جوانب الرشد والخير بقيت واضحة وغالبة في تلك الفترة، حتى إن رسول الله ﷺ وصف ذلك العصر بأنه من خير القرون.

بدايات الدولة الأموية

يُؤرخ عادةً لبداية الدولة الأموية من عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، الذي تولّى الخلافة سنة 41هـ، وانتهت بسقوط آخر خلفائها مروان بن محمد المعروف بمروان الحمار) سنة 132هـ. وتنقسم الدولة الأموية إلى مرحلتين رئيسيتين:

المرحلة السفيانية: نسبة إلى معاوية بن أبي سفيان وذريته.

المرحلة المروانية: التي بدأت بعد أن تنازل معاوية بن يزيد عن الحكم طوعًا، فانتقلت الخلافة إلى فرع مروان بن الحكم واستمرت فيه حتى نهايتها.

دامت الخلافة الأموية قرابة إحدى وتسعين سنة، تعاقب فيها أربعة عشر خليفة، وهم:

  1. معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه 41-60هـ) – عشرون سنة.
  2. يزيد بن معاوية رحمه الله60-64هـ) – ثلاث سنوات وثمانية أشهر وأربعة عشر يومًا.
  3. معاوية بن يزيد 64هـ) – شهر واحد وأحد عشر يومًا.
  4. مروان بن الحكم رضي الله عنه 64-65هـ) – ثمانية أشهر ويومان.
  5. عبد الملك بن مروان 65-86هـ) – واحد وعشرون عامًا ونصف.
  6. الوليد بن عبد الملك 86-96هـ) – تسع سنوات وثمانية أشهر.وكان عهد من أخصب العهود بالفتوحات الإسلامية شرقاوغربا)
  7. سليمان بن عبد الملك 96-99هـ) – سنتان وستة أشهر وخمسة عشر يومًا.وعمربن عبد العزيزرحمه  الله كان من حسناته)
  8. عمر بن عبد العزيزرحمه الله 99-101هـ) – سنتان وخمسة أشهر وخمسة أيام. وعدأيضا خامس الخلفاء الراشدين)
  9. يزيد بن عبد الملك 101-105هـ) – أربع سنوات وثلاثة عشر يومًا.
  10. هشام بن عبد الملك 105-125هـ) – تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام.
  11. الوليد بن يزيد 125-126هـ) – سنة وثلاثة أشهر.
  12. يزيد بن الوليد 126هـ) – شهران وعشرة أيام.
  13. إبراهيم بن الوليد 126-127هـ) – أيام معدودة.
  14. مروان بن محمد 127-132هـ) – خمس سنوات وعشرة أيام.

الخلفاء الاثنا عشر في ضوء الحديث النبوي

ذكر العلماء أن بعض هؤلاء الخلفاء يدخلون ضمن من بشّر بهم النبي ﷺ في حديث "الخلفاء الاثني عشر"  الذين يكون في عهودهم عزّ الإسلام. وقد أطال الحافظ ابن حجر العسقلاني الحديث عن هذه الرواية في فتح الباري، وانتهى إلى أن المقصودين هم: الخلفاء الأربعة الراشدون، ومعاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، ويزيد بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، والوليد بن يزيد – رحمهم الله.
أما الملا علي القاري فاستبدل الوليد بن يزيد بعمر بن عبد العزيز ليكمل بهم عدد الاثني عشر كما في شرح الفقه الأكبر صـ82). وكذلك قال الشيخ عبد العزيز في شرح العقيدة الطحاوية:

"الاثنا عشر هم الخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان وأبناؤه الأربعة، ويتخللهم عمر بن عبد العزيز."

مكانة الخلافة الأموية ودورها

يمكن القول إن الخلافة الأموية كانت امتدادًا طبيعيًا وتكميلاً للخلافة الراشدة، يشهد لذلك القرآن والسنة، وأعظم من ذلك شهادة الصحابة الكرام أنفسهم الذين عاشوا في ذلك العهد وتعاملوا مع خلفاء بني أمية.

لقد استمرت أنوار الصحابة تضيء الدنيا حتى نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني، وكانوا – في زمن الخلفاء الأمويين – يشاركون فعليًا في شؤون الدولة:

منهم من تولّى إمارة أو ولاية، ومنهم من كان قائدًا عسكريًا أو قاضيًا أو مسؤولًا عن الصدقات. وبينهم من العشرة المبشرين بالجنة، ومن شهد بدرًا والحديبية وفتح مكة.

في عهدي معاوية ويزيد بن معاوية، كان وجود الصحابة في المناصب العليا واضحًا وملموسًا، ومع مرور الوقت، وحين توفي الصحابة واحدًا بعد آخر، انتقلت هذه المناصب إلى التابعين، لكن روح التعاون بقيت ثابتة؛ إذ كان الصحابة يرون أن الخلفاء الأمويين خلفاء شرعيون تجب طاعتهم في المعروف، تمامًا كما كانت طاعة الخلفاء الراشدين.

هذا يدل على أن مفهوم الخلافة عندهم لم يكن مرتبطًا بالأشخاص أو الأنساب، بل بالمبادئ الإسلامية العليا من عدل وقسط وأمانة.

الإنجازات الحضارية والروحية

في ظل الخلافة الأموية، بلغ نور الإسلام نصف العالم المأهول آنذاك، وانتشرت الدعوة بسرعة مذهلة حتى أصبح عدد المسلمين بالملايين. فقد وصل الإسلام إلى تركستان والصين شرقًا، وإلى شمال إفريقيا والأندلس غربًا، وإلى الهند جنوبًا.

وفي عهد يزيد بن معاوية، أسلمت معظم قبائل البربر في إفريقيا. أما في الهند، فقد دخل الإسلام بفضل جهود محمد بن القاسم الثقفي، وفي المشرق وصل الإسلام إلى حدود الصين بقيادة قتيبة بن مسلم، وفي الغرب فتح طارق بن زياد بلاد الأندلس، فدخل الإسلام إلى قلب أوروبا.

لقد تحقق في ذلك العصر ما يشبه المعجزة التاريخية: انتشار الإسلام السريع في ربوع الأرض، وإقبال الناس على الدخول فيه أفواجًا. ولو كان حكام ذلك العصر ظالمين أو فاسقين – كما يصورهم بعض المؤرخين – فكيف كان الناس ليقبلوا على الإسلام بتلك السرعة؟ إن هذا الانتشار الواسع هو أبلغ شاهد على أن حكام بني أمية وعمّالهم كانوا – في الجملة – أتقياء، عادلين، ذوي أخلاق عالية، وأن سلوكهم العملي وعدلهم الإداري كانا سببًا في انجذاب الشعوب إلى الإسلام.

خلاصة

لقد كانت الخلافة الأموية مرحلةً مفصلية في التاريخ الإسلامي، جمعت بين قوة الدولة واتساع رقعتها واستمرار روح الخلافة الراشدة من حيث الحفاظ على الدين ونشر العدل والعلم، رغم ما شابها من أخطاء بشرية طبيعية في كل تجربة حكم.

ومن ثمّ، فهي تمثل صلة الوصل بين العهد الراشدي والدولة العباسية، وتبقى واحدة من أكثر مراحل التاريخ الإسلامي تأثيرًا وثراءً