logo
أخرى

آداب حملة القرآن

آداب حملة القرآن[28]*

(الحلقة الأولى)

الحمد لله الذي أنزل القرآن هدى للناس وشفاء ورحمة للمؤمنين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

إن موضوع "آداب حملة القرآن" ليس بجديد على الساحة العلمية أو التربوية، فقد أولاه سلفنا الصالح والعلماء الكبار عناية كبيرة منذ القرون الأولى للإسلام، إدراكًا منهم لعظم شأن القرآن الكريم وخطورة المسؤولية الملقاة على عاتق من يحفظه ويتعلّمه ويعلّمه. إن هذا الاهتمام يظهر جليًّا في مؤلّفاتهم القيّمة، التي تناولت الجوانب الأخلاقية والروحية والتربوية لحملة كتاب الله، سواء من حيث الصفات الشخصية التي يجب أن يتحلّى بها الحافظ والمتعلّم والمعلّم، أو من حيث الأساليب التربوية لنقل العلم والرسالة بأمانة وإخلاص.

ومن أبرز من أفرد هذا الباب بالتأليف الإمام يحيى بن شرف النووي رحمه الله (٦٣١ - ٦٧٦ هـ) في كتابه الخالد "التبيان في آداب حملة القرآن"، حيث جمع فيه جملة من الآداب والوصايا النبوية مقرونة بكلام العلماء والسلف. وكذلك الإمام أبو بكر الآجرّي عليه الرحمة (٢٨٠ - ٣٦٠ هـ) في كتابه "أخلاق حملة القرآن"، حيث تناول الصفات الخلقية والروحية التي ينبغي أن يتحلّى بها حامل القرآن، من الصدق والإخلاص والتواضع والزهد وغير ذلك. كما يمكن الإشارة إلى ما أورده الإمام أبو حامد محمد الغزالي رحمه الله (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ) في كتابه "آداب تلاوة القرآن" من سلسلته الفريدة "إحياء علوم الدين"، حيث ركّز على الآداب الظاهرة في التلاوة وأعمال الباطنة التي تصاحبها.

ولهذا، اعتنى العلماء الكرام والأئمة العظام عبر القرون بوضع الآداب والأخلاق التي ينبغي أن يتحلّى بها حامل القرآن، سواء كان متعلّما أم معلمًا.

وهذا المقال الموجز لا يخرج عن ذلك المسار، وإنما هو من باب التذكير بآداب ثابتة، بصياغة معاصرة، واستلهام من التراث مع ربطه بالحاضر، لتبقى رسالة القرآن حية في القلوب والسلوك.

ولست أزعم أني أقدّم فيه جديدا، بل أنا ناقل لما تلقّيته من مشكاة العلماء والمربين، معيدا عرضه بروح تربوية معاصرة تعين على استحضار تلك المعاني في واقعنا اليوم.

دلالة مصطلحي "حملة القرآن" و"أهل القرآن":

ورد في النصوص الشرعية والسير الأولى للمسلمين مصطلحان جليلان يشيران إلى فئة مخصوصة من عباد الله تعالى، هما: "حملة القرآن" و"أهل القرآن". فـ"حملة القرآن" هم الذين جمعوا كتاب الله في صدورهم، حفظًا وتدبرًا وعملاً، واتصفوا بصفات الخشوع والخضوع، وجعلوا من القرآن منهجًا لحياتهم. وقد قال النبي ﷺ:

"إن من إجلال الله تعالى، إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه." (أبو داود، رقم: ٤٨٤٣)

وأما "أهل القرآن" فقد ورد ذكرهم في الحديث الشريف:

"إن لله أهلين من الناس، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته." (ابن ماجة، رقم: ٢١٥)

وفي السطور التالية نسلّط الضوء على أبرز آداب حملة القرآن، مستلهمينها من هدي الكتاب والسنة، ومن منهج السلف الصالح وكلام الأئمة المربّين، سائلين الله تعالى أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصّته.

١- الإخلاص لله تعالى

أوّل آداب حملة القرآن وأساسها الإخلاص لله تعالى في الحفظ والتعلّم والتعليم، فلا يراد به رياء ولا سمعة ولا طلب جاه أو مكانة، بل يبتغى به وجه الله وحده. قال رسول الله ﷺ:

"من تعلّم علمًا مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة." (أبو داود، رقم: ٣٦٦٤)

ولخطر الرياء في العمل، حذّر النبي ﷺ من سوء العاقبة في الحديث الطويل الذي يبيّن أن أوّل من تسعّر بهم النار يوم القيامة ثلاثة:

رجل استشهد، ورجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن، ورجل أنفق ماله في سبيل الله، ولكنهم فعلوا ذلك رياءً ليقال: جريء، وعالم، وجواد، فقال الله تعالى لكلّ منهم: "كذبت، فقد قيل"، ثم أمر بهم فسحبوا على وجوههم حتى ألقوا في النار. (الترمذي، رقم: ٢٣٨٢)

فالإخلاص هو روح العمل وسرّ قبوله، وبدونه تصبح الأعمال صورًا بلا روح، فلا يقبل الحفظ ولا التلاوة ولا العمل، ولا يؤتي العلم ثماره في القلب.

٢- تعظيم القرآن وتوقيره

من أعظم آداب حملة القرآن تعظيم هذا الكتاب الكريم وتوقيره ظاهرًا وباطنًا، فيعظّم في ألفاظه ومعانيه ومقامه، ويصان المصحف الشريف عن كل ما لا يليق به، فلا يوضع في مواضع الامتهان أو يمسّ بغير طهارة، كما يجب أن يتلى بتدبر وخشوع بعيدًا عن اللهو أو الغفلة، إذ التعظيم الحقيقي للقرآن إنما يكون بالاحترام في الظاهر وبالعمل بمضامينه في الباطن.

٣- العمل بالقرآن

لا يليق بحامل القرآن أن يحفظه ولا يعمل به. قال ابن مسعود رضي الله عنه:

"كان الرجل منّا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن". (تفسير الطبري، ١  /٧٤)

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: "أنزل عليهم القرآن ليعملوا به فاتخذوا درسه عملا، إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به". (تفسير ابن عطية، ١  /١١)

٤- التحلّي بأخلاق القرآن

من أسمى آداب حملة القرآن أن يتخلّقوا بأخلاقه، ويجعلوا سلوكهم تجسيدًا لما يحملونه من آياته. فقد كان النبي ﷺ، وهو القدوة العظمى لحملة القرآن، خلقه القرآن، كما وصفته أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها. فحامل القرآن يكون رقيق القلب، متواضعًا، وقورًا، عفيفًا، لا يتكبر ولا يختال، بل يظهر أثر القرآن على وجهه ولسانه وفعله.

قال الإمام النووي عليه الرحمة:

"ومن آدابه أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالًا للقرآن، وأن يكون مصونًا عن دنيء الاكتساب، شريف النفس، مترفعًا على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا، متواضعًا للصالحين وأهل الخير والمساكين، وأن يكون متخشعًا ذا سكينة ووقار، فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:

"يا معشر القراء، ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح لكم الطريق، واستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالًا على الناس...". (التبيان في آداب حملة القرآن، صـ ٥٦)

يتبع ...