logo
أخرى

فهم القرآن والحاجة إلى تحقيق الروايات التفسيرية

تاريخ جمع وتدوين القرآن الكريم: دراسة نقدية

(الحلقة الرابعة)

٣ -منهج البحث

في هذه الدراسة، جرى تحليل نقدي لتفاسير عددٍ من النصوص الإسلامية الأَولية المتعلقة بجمع القرآن الكريم ونقله. وتشمل هذه النصوص: القرآن الكريم نفسه والروايات التاريخية، وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الأخيرة تشكّل الغالبية العظمى من النصوص التي تم تحليلها.

إنّ منهجية البحث في تقييم تفسير النص القرآني تقوم أساساً على قاعدتين رئيسيتين:

أولاً: يُقدَّم التفسير الذي يكون أقرب في معناه إلى الألفاظ المستخدمة، ويُراعى فيه الاتساق والارتباط بالسياق. وقد أشار الإمام الفخر الرازي ت ٦٠٦هـ) إلى هذه القاعدة الجوهرية في التفسير، إذ قال في شرحه للآية الثالثة من سورة آل عمران:

فَهَذَا هُوَ مَا عِنْدِي فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَهَبْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَا ذَكَرَهُ، إِلَّا أَنَّ حَمْلَ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ يُفِيدُ قُوَّةَ الْمَعْنَى وَجَزَالَةَ اللَّفْظِ وَاسْتِقَامَةَ التَّرْتِيبِ وَالنَّظْمِ، وَالْوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرُوهَا تُنَافِي كُلَّ ذَلِكَ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى.71

أي: هذا هو رأيي في تفسير هذه الآية، ولو لم يذكره أحد من المفسرين، فإنّ تفسير كلام الله تعالى بهذا الوجه يمنح المعنى قوةً، واللفظ جزالةً، ويكشف عن انتظام الترتيب والنظم، وإن خالفت آراء المفسرين ذلك؛ ولهذا فإنّ ما ذكرناه أَولى وأَرجح.

ثانياً: يقدّم التفسير الذي يتّسق مع سائر القرآن الكريم، بل يفسّر فيه بعض القرآن ببعضه. وقد أشار الإمام ابن تيمية ت ٧٧٢هـ) إلى هذه الأداة الأساسية في التفسير بقوله:

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَحْسَنُ طُرُقِ التَّفْسِيرِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَصَحَّ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ، فَمَا أُجْمِلَ فِي مَوْضِعٍ فَقَدْ فُسِّرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمَا اخْتُصِرَ فِي مَكَانٍ فَقَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.72

أما التحليل النقدي للروايات التاريخية، فقد تناول المتن النص) والإسناد سلسلة الرواة). ففي أغلب الروايات التي خضعت للتحليل، قمت أولاً بتلخيص أبرز النقاط النقدية التي عرضها العلماء السابقون، ثم قمتُ بتحليلها ومناقشتها، وأضفتُ إليها ما تبيّن لي من ملاحظات نقدية إضافية.

ويمكن تلخيص منهجي في التقييم النقدي للروايات التاريخية على النحو الآتي:

أولاً: إنّ الحكم الحاسم على صحة الرواية يعتمد أساساً على نقد المتن لا على نقد الإسناد. فإذا كان المتن محل إشكال، يُستأنس بضعف الإسناد كسببٍ داعمٍ للرفض، إذ يراد بذلك بيان أنّ الروايات ذات المتون المريبة تعاني غالباً من خللٍ في أسانيدها أيضاً. وكذلك الحال في الرواة الذين وُصِفوا بالثقة عند بعض الأئمة وبالضعف عند آخرين؛ ففي مثل هذه الحالات يُقدَّم الجانب السلبي لإظهار ضعف الأساس الذي يقوم عليه النقل حين يكون المتن مشبوهاً.73)

وينتج عن هذا المبدأ – أي أَولويّة نقد المتن – أنه إذا وُجدت روايات ضعيفة الإسناد لكنها متونها متسقة مع المعايير النقدية التي سيأتي بيانها، فإنّ هذه المتون يُعتدّ بها مع التغاضي عن ضعف أسانيدها.

ويستند هذا المبدأ الجوهري في أَولويّة نقد المتن إلى رأي المؤرخ العظيم ومؤسس فلسفة التاريخ ابن خلدون ت ٨٠٨هـ). ففي الفصل الأول من المقدمة، بيّن كيف يمكن أن يختلط الكذب بالأخبار بسبب عيوبٍ كامنةٍ في طبيعتها لمّا كان الكذبُ يُطرّقُ إلى الخبرِ بطبيعتِه74). ومن تلك العيوب: الميل إلى الآراء، والاعتماد المفرط على الرواة، وجهل الراوي بمقصد الواقعة. ثم أضاف مؤكداً أَولويّة نقد المتن على نقد الإسناد:

أَمَّا الأَخْبَارُ عَنِ الْوَاقِعَاتِ فَلَابُدَّ فِي صِدْقِهَا وَصِحَّتِهَا مِنِ اعْتِبَارِ الْمُطَابَقَةِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُنْظَرَ فِي إِمْكَانِ وُقُوعِهِ، وَصَارَ فِيهَا ذَلِكَ أَهَمَّ مِنَ التَّعْدِيلِ وَمُقَدَّمًا عَلَيْهِ؛ إِذْ فَائِدَةُ الإِنْشَاءِ75 مُقْتَبَسَةٌ مِنْهُ فَقَطْ، وَفَائِدَةُ الْخَبَرِ مِنْهُ وَمِنَ الْخَارِجِ بِالْمُطَابَقَةِ.76

أي: إنّ الأخبار عن الحوادث يجب أن تُعرض على معيار المطابقة للواقع، ومن الضروري النظر في إمكان وقوع الحدث من عدمه، لأنّ هذا الاعتبار أَهمّ من التعديل وأَولى منه؛ إذ إنّ فائدة الكلام الإنشائي تُستمدّ من قائله فقط، بينما فائدة الخبر تُستمدّ من قائله ومن مطابقته للواقع الخارجي معاً.

ثانياً: إنّ التقييم النقدي لكلٍّ من المتن والإسناد يستند إلى معايير وضعها العلماء المسلمون القدامى. وقد اعتمدتُ في تحليل المتون على العوامل التي ذكرها الإمام الخطيب البغدادي ت ٤٦٣هـ)، وهي ما يأتي:

إذا روى الثقة المأمون خبرا متصل الإسناد رد بأمور أحدها أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول وأما بخلاف العقول فلا والثاني أن يخالف نص الكتاب أو السنّة المتواترة فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ والثالث أن يخالف الاجماع فيستدل علی انه منسوخ أو لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ وتجمع الأمة علی خلافه  … والرابع أن ينفرد الواحد برواية ما يجب علی كافة الخلق علمه فيدل ذلك علی أنه لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم والخامس أن ينفرد برواية ما جرت العادة بأن ينقله أهل التواتر فلا يقبل لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية. 77)ويضيف قائلاً في موضع آخر:

ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل وحكم القرآن الثابت المحكم والسنة المعلومة والفعل الجاري مجرى السنة و كل دليل مقطوع به .78

وقد نقل السيوطي ت 911 هـ) الكلمات الآتية لابن الجوزي ت 597 هـ):

ما أحسن قول القائل إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع.79

أثناء دراسة الإسناد للروايات،80 التزمتُ بالمعايير التي وضعها أئمةُ علم الرجال في تصنيف الروايات الصحيحة. وهذه المعايير الخمسة هي:

أولًا: أن يكون الإسناد متصلًا متصل السند)، ثانيًا: أن يكون الرواة عدولًا موثوقين، ثالثًا: أن يكونوا ضابطين أي ذوي حفظٍ وإتقان، رابعًا: أن تكون الرواية خالـية من العِلّة الخفية، وخامسًا: أن تكون سليمة من الشذوذ، أي لا يخالف فيها الراوي الثقة رواية من هو أوثق منه.81

وحيث إنّ أكثر الروايات التي جرى تحليلها قد خضعت أصلًا لتطبيق هذه المعايير من قِبل المحدّثين الذين دوّنوها في مصنّفاتهم، فإنّ الذين أعادوا النظر في هذه الروايات، ومنهم أنا، قد أعادوا تطبيق تلك المعايير مرة أخرى. والسبب في ذلك أنّ هذا التطبيق جهدٌ بشريّ، ومن ثمَّ لا يمكن اعتباره نهائيًّا أو معصومًا من الخطأ بسبب الحدود البشرية في الفهم والتحليل.

ثالثًا: عند تحليل أيّ خبر، تمّت دراسة كافة طرقه وشواهده ومتابعاته بغرض جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن خلفية الحادثة أو الواقعة المروية.

رابعًا: إذا وُجدت روايات متعارضة في مستوىٍ واحدٍ من الصحّة، فقد بُذل الجهد أولًا في الجمع بينها والتوفيق إن أمكن. فإذا تعذّر ذلك، لم يُعتمد على أيٍّ منها فيما يخص مضمون الخبر.

خامسًا: في معظم الأبواب، تمّت مناقشة آراء العلماء المتقدّمين في الموضوع وتقييمها أوّلًا، ثم أعقب ذلك نقدٌ وتحليلٌ إضافي بحسب ما يقتضيه البحث.

(للحديث صلة ...)

الهوامش:

71. فخر الدين محمد بن عمر الرازي، التفسير الكبير، الطبعة الأولى، ج‍ ٧ بيروت: دار الكتب العلمية، ٢٠٠٠م)، ص‍ ١٤٠.

72. تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير، الطبعة الأولى لاهور: المكتبة العلمية، ١٣٨٨هـ)، ص‍ ٢٩.

73. ولهذا، ففي مثل هذه المواضع يعدّ الجرح المجمل كافيًا، ولا يضرّ إن لم يكن مُفسَّرًا، لأن المعيارَ الحاسمَ في تقويم الروايات هو نقد المتن لا نقد الإسناد.

74. عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة، الطبعة الخامسة بيروت: دار القلم، ١٩٨٤م)، ص‍ ٣٥–٣٦.

75. والمقصود بهذا المصطلح: الأقوال التي تعبِّر عن رغبةٍ أو توجيهٍ أو شرطٍ.

76. ابن خلدون، المقدمة، ص‍ ٣٧.

77. أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، الطبعة الثانية، ج‍ ١ السعودية: دار ابن الجوزي، ١٤٢١هـ)، ص‍ ٣٥٤. ومن الواضح أن هذه المعايير ذكرت في سياق الحديث الصحيح، فهي أولى بالتطبيق على غيره من الروايات.

78. أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية المدينة: المكتبة العلمية، د.ت.)، ص‍ ٤٣٢.

79. جلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر بن محمد بن سابق الدين السيوطي، تدريب الراوي، ج‍ ١ الرياض: مكتبة الرياض الحديثة، د.ت.)، ص‍ ٢٧٧.

80. يلاحظ أن مصطلحات الجرح المستخدمة في تقويم الأسانيد مبيّنة في الملحق ج) في آخر هذا الكتاب.

81. انظر على سبيل المثال: أبو عمرو ابن الصلاح الشهرزوري، المقدمة بيروت: دار الفكر، ١٩٧٧م)، ص‍ ١١–١٢.