آثار سيدنا علي رضي الله عنه
عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما
(12)
(7)
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّی اللهِ عَلَیهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ: ’’هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، لَا تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ‘‘. (مسند البزار، رقم 490)
الشرح اللغوي
كلمة "كُهُول" هي جمع "كَهْل"، ويُراد بها الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والخمسين عامًا، أي الذين بلغوا سنّ النضج والقوة بعد الشباب. والمقصود بها هنا كل من تجاوز مرحلة الشباب ودخل في مرحلة الكهولة أو قارَب الشيخوخة.
الشرح والتوضيح
توقّف الشُرّاح عند هذا الموضع متسائلين: لماذا نهى النبي ﷺ سيّدَنا عليًّا رضي الله عنه أن يُخبر أبا بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما بهذه البشارة؟
ذهب بعض الشُرّاح إلى أن المقصود من ذلك أن لا يؤدّي علمُهما بهذا الفضل إلى فتورٍ في العمل، أو إلى شعورٍ بالعُجب والغرور. وذهب آخرون إلى أن النبي ﷺ أراد أن يُخبرهما بنفسه في وقتٍ مناسب، ولذلك منع عليًّا رضي الله عنه من أن يسبقه في إخبارهما (انظر: الخطيب البغدادي، شرف أصحاب الحديث 1/90؛ ملا علي القاري، مرقاة المفاتيح (9/3913).
غير أنّ هاتين التوجيهتين لا تبدوان راجحتين من حيث ظاهر السياق. والأقرب – والله أعلم – أن المقصود كان أن يبقى هذا الشرف الموعود لهما يوم القيامة خافيًا عنهما في الدنيا، حتى ينالاه هناك على حين غفلةٍ وتلقائيّةٍ دون توقّع، فيكون فرحهما به أعظم وأكمل، إذ إنّ النعمة غير المنتظرة تكون أبلغ في السرور وأشدّ أثرًا في النفس.
تخريج الحديث واختلاف طرقه
هذا الحوار الذي دار بين النبي ﷺ وسيدنا علي رضي الله عنه قد رُوي عن النبي ﷺ من غير طريق علي أيضاً؛ فقد رواه من الصحابة غيرُه جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين. (انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر، 44 /173). كما أن جماعةً من التابعين رووه عن عليٍّ رضي الله عنه، وتفصيل طرقه كما يأتي:
1- طريق الحارث الأعور عن عليٍّ رضي الله عنه
رُويت هذه الطريق في المصادر الآتية: (الترمذي( رقم 3757، ) ابن ماجه (رقم 94، ) المعجم الأوسط للطبراني (رقم 1359)، فضائل الصحابة لابن حنبل (رقم 87، 183، 274)، الشريعة للآجري (رقم 1283)، تاريخ دمشق (44/169))
وفي طريق الآجري زيادة:
قال: فما ذكرتُ ذلك لهما حتى هلكا. (الشريعة، رقم 1283) أي قال عليٌّ رضي الله عنه: لم أُخبرهما بذلك حتى تُوفِّيا.
وقد روى الشعبي هذا الحديث عن الحارث الأعور، ولذا جاءت بعض الطرق محذوفاً منها ذكرُ الحارث، فنُسبت إلى الشعبي مباشرةً. (انظر: مسند أبي يعلى، رقم 94).
2- طريق علي بن الحسين زين العابدين
ورُويت هذه الطريق في: (الترمذي (رقم 3756، فضائل الصحابة لابن حنبل (رقم 231)، الشريعة للآجري (رقم 1752)، تاريخ دمشق (44/168).
3- طريق الحسن بن زيد بن الحسن
أخرجها:
(مسند أحمد رقم 593)، فضائل الصحابة لابن حنبل (رقم 133)، الشريعة للآجري (رقم 1751).
وفي رواية الآجري بيانٌ لسياق ورودها:
عن الحسن بن زيد بن الحسن قال: جاءه نفرٌ من أهل العراق فقالوا: يا أبا محمد، حديثٌ بلغنا أنك تُحدِّثه عن عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه في أبي بكرٍ وعمر رحمهما الله، فقال: نعم... (الشريعة، رقم 1751)
وفي طريق الإمام أحمد زيادة في آخره:
يا علي، هذان سيِّدا كهولِ أهلِ الجنة وشبابِها بعد النبيين والمرسلين.
(مسند أحمد، رقم 593)
وهذه الزيادة ظاهرةُ الشذوذ، إذ لم تَرِد في سائر الطرق، كما أنها تخالف الأحاديثَ التي نصَّت على أن سيِّدَي شباب أهل الجنة هما الحسن والحسين رضي الله عنهما. (الترمذي، رقم 3859؛ ابن ماجه، رقم 117؛ مسند أحمد، رقم 10785)
4- طريق زر بن حبيش
أخرجها: الكنى والأسماء للدولابي (رقم 1683)، حديث أبي الفضل الزهري (رقم 486)، تاريخ دمشق (30/172).
وفي آخرها:
قال: فما أخبرتهما، ولو كانا حيين ما حدثتُ بهذا. (تاريخ دمشق، 30 /177)
أي: قال عليٌّ رضي الله عنه: لم أُخبرهما بهذه البشارة، ولو كانا حيَّين ما كنتُ لأرويها.
5- طريق زيد بن يَثِيع
أخرجه الآجري والطحاوي: ( الشريعة، رقم 1578؛ مشكل الآثار، رقم 1679).
وفي رواية الآجري زيادةٌ ظاهرة التصرف من الراوي:
يا علي، وحسنٌ وحسينٌ سيِّدا شبابِ أهلِ الجنة. (الشريعة، رقم 1578)
6- طريق أبي خطاب الواسطي
رواه ابن أبي شيبة (المصنف، رقم 31302) وابن عساكر (تاريخ دمشق، 44 /172).
7- طريق أبي مِطر
وفيها أن عليًّا رضي الله عنه دخل على عمر رضي الله عنه في مرض موته فرآه مهموماً بشأن مصيره في الآخرة، فقال له:
فقلت له: أبشر بالجنة، فإني سمعت رسول الله ﷺ ما لا أُحصيه يقول: "سيدا كهول أهل الجنة أبو بكرٍ وعمر". (تاريخ دمشق، 44 /168؛ المحتضرين لابن أبي الدنيا، رقم 223)
وهذه الرواية تُعارِض ظاهراً سائرَ الروايات التي نصَّ فيها عليٌّ رضي الله عنه أنه لم يُخبر الشيخين بذلك امتثالاً لوصية النبي ﷺ حتى تُوفِّيا؛ ولذلك فظاهرُها عدمُ الثبوت.
(8)
عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي، فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَحَسِبْتُ إِنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ صَلّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.
(صحیح بخاری، رقم 3515)
الشرح والبيان
قوله: "يَجْعَلَكَ اللّٰهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ" المقصود به أن يُهيِّئ الله لك موضعًا للدفن بجوار صاحبيك؛ النبي ﷺ وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، إذ كانت قبراهما في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها.
وتُفيد الروايات أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد طلب من السيدة عائشة إذنًا خاصًّا أن يُدفن إلى جانبهما، وكانت رضي الله عنها قد أبقت ذلك الموضع لنفسها، لكنها آثرت عمر على نفسها، وتنازلت عن موضع قبرها له. (صحيح البخاري، رقم 3530)
التخريج واختلاف الطُّرق
أثر ابن عباس رضي الله عنه، من طريق ابن أبي مليكة، رُوي في المصادر التالية أيضًا:
صحيح مسلم (رقم 4507)
سنن ابن ماجه (رقم 97)
مسند أحمد (رقم 884)
السنن الكبرى للنسائي (رقم 7850)
المستدرك على الصحيحين (رقم 4401)
مسند عبد الله بن المبارك (رقم 255)
فضائل الصحابة للإمام أحمد (رقم 307)
وقد وردت عبارة سيدنا علي رضي الله عنه:
"ما خلفتُ أحدًا أحبَّ إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك" بألفاظٍ متقاربة في روايات متعددة نقلها عدد من الرواة.
ففي رواية أبي جحيفة وهب بن عبد الله قال:
كنتُ عند عمر وقد سُجِّي بثوبه بعد وفاته، فجاء علي فكشف الثوب عن وجهه، ثم قال: "رحمة الله عليك يا أبا حفص، فوالله ما بقي بعد رسول الله ﷺ أحدٌ أحبَّ إلي أن ألقى الله تعالى بصحيفته منك." (مسند أحمد، رقم 853)
وقد رُوي هذا الأثر أيضًا في المصادر التالية:
الطبقات الكبرى لابن سعد (رقم 3905)
فضائل الصحابة للإمام أحمد (رقم 326)
تاريخ المدينة لابن شَبَّة (رقم 1493)
كما وردت هذه الجملة بمعناها عن:
جابر بن عبد الله (المستدرك على الصحيحين، رقم 4498؛ الطبقات الكبرى، رقم 3898)
الإمام محمد الباقر (مصنف ابن أبي شيبة، رقم 31378؛ الآثار لأبي يوسف، رقم 945؛ فضائل الصحابة لابن حنبل، رقم 324) ورواها أيضًا عبد الله بن أبي الهذيل عن رجل من بني أسد (مسند أحمد، رقم 848).
وذكر ابن سعد أن هذا القول مروي أيضًا عن زيد بن علي، وأيوب، وعمرو بن دينار، وأبي جَهضم (الطبقات الكبرى، أرقام 3906، 3907).
وقد نقل الإمام الآجُرِّي هذا الحدث بزيادة بعض الألفاظ من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَمي، قال:
"أخبرني أبو عبد الرحمن قال: دخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه على عمر رضي الله عنه وقد سُجِّي بثوبه فقال: ما أحد أحب إلي أن ألقى الله عز وجل بصحيفته من هذا المسجَّى بينكم، ثم قال: رحمك الله يا ابن الخطاب، لقد كنت بالله عليمًا، وكان الله في صدرك عظيمًا، وكنت تخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله عز وجل، كنت جوادًا بالحق بخيلًا بالباطل، خميصًا من الدنيا بطينًا من الآخرة، لم تكن عيّابًا ولا مدّاحًا." (الشريعة للآجري، رقم 1185)
الخلاصة
هذه الروايات كلها تُظهر بوضوح عظيم محبة عليٍّ لعمرَ رضي الله عنهما، وتقديره له، واعترافه بفضله وتقواه وعدله.كما تُبيِّن أن علاقة الصحابة رضي الله عنهم كانت قائمة على الإيمان، والإخلاص، والتوقير، رغم ما نُسب إليهم من اختلافات سياسية لاحقًا.
وقد تحققت دعوة "يَجْعَلَكَ اللّٰهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ" فعليًا، فدُفن عمر بجوار النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنهما في حجرة عائشة رضي الله عنها، ليبقى الثلاثة معًا كما كانوا في حياتهم، صحبةً في الدنيا والآخرة.
(يتبع...)
