حیاة أمين
سيرة الشيخ أمين أحسن الإصلاحي
]وفقًا لوصية صاحب "تدبر القرآن"، هذه صفحات من سيرته بقلم كاتبها نعيم أحمد بلوش [
(الحلقة التاسعة)
بعد وفاة الإمام حميد الدين الفراهي تولى شؤون المدرسة شقيقه الأصغر الحاج رشيد الدين، وقد أسند إليه هذا المنصب في الرابع عشر من ديسمبر عام ١٩٣٠م بصفة فخرية وتقديرية.
تحصيل علم الحديث
بعد رحيل أستاذه، ومع استمرار صلته بمدرسة الإصلاح (سرائي مير، أعظم كره بالهند)، قرر أن يتّجه بعد دراسته للقرآن الكريم إلى طلب علم الحديث. ويروى عادة أن الدافع الأول لذلك جاء نتيجة تنبيه من والده، غير أن الحقيقة هي أن الشيخ نفسه كان قد عقد العزم مسبقاً على دراسة الحديث على يد أحد كبار المحدّثين بعد إتمامه دراسة القرآن الكريم. وبعد مشاورة والده في الأمر، اختار أن ينهل العلم على يد الشيخ محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، شارح جامع الترمذي، فجلس إليه طالباً للعلم، كما ورد في كتاب "مبادئ تدبر الحديث".
كان الشيخ عبد الرحمن المباركفوري من كبار أسانيد الحديث في عصره، وقد تتلمّذ على يد المحدّث محمد نذير حسين الدهلوي. ويتّصل سنده العلمي بالإمام إسحاق الدهلوي ثم بـ الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي، حتى يصل إلى الإمام شاه ولي الله الدهلوي. وقد تلقّى شاه ولي الله الإجازة في رواية الحديث بمكة المكرمة من الشيخ أبي طاهر محمد بن إبراهيم بسنده المتصل.
ولما علم المحدث المباركفوري أن هذا الشاب الذي يطلب شرف التلمّذ عليه هو من خرّيجي مدرسة الإصلاح، قرأ عليه حديثاً واحداً على سبيل التبرك ومنحه الإجازة في رواية الحديث. غير أن ذلك الشاب (أمين أحسن الإصلاحي) عرض عليه أنه لم يأت لمجرد الحصول على الإجازة، بل يرغب في دراسة الحديث.
ويذكر الشيخ الإصلاحي أنه التمس من شيخه المباركفوري أن يدرّسه جامع الترمذي نظراً لاختصاصه فيه، فاستجاب الشيخ لذلك، ودرّسه كامل جامع الترمذي، كما درّسه في أصول الحديث شرح "نخبة الفكر". ومع ذلك، علّمه أيضاً فنّ التمييز بين الرجال والجرح والتعديل، فجمع له بين العلم النظري والدربة العملية في علم الحديث.
تجدر الإشارة إلى أن "نخبة الفكر" هي مؤلّف للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني عليه الرحمة في فنّ الحديث، وتعدّ من الكتب الكلاسيكية المعتمدة في هذا العلم. أمّا الرجال فالمقصود بهم الرواة الذين نقلت عنهم الأحاديث.
وقد ختم الشيخ المباركفوري دروسه في علم الحديث بأن منح تلميذه الشيخ أمين أحسن الإصلاحي نسخة من جامع الترمذي كتب عليها توقيعه إقراراً بإتمامه هذا العلم، وجعلها سنداً له في الحديث.
ويروي الشيخ الإصلاحي أنه بعد هذا التلمّذ تولّد في نفسه شوق علميّ عميق إلى أن يكتب شرحاً لأحد الصحيحين، صحيح البخاري أو صحيح مسلم، على ضوء جميع كتب الصحاح، ليتاح للباحثين التأمّل في الأحاديث ودراستها دراسة نقدية موثوقة.
وكان هذا الطموح العلمي هو الذي تجلّى لاحقاً حين ألّف التفسير "تدبر القرآن"، ثم في أواخر حياته ألقى دروساً في الموطأ للإمام مالك ودروساً أخرى في مختارات من صحيح البخاري، وسيأتي تفصيل الحديث عن ذلك في موضعه من البحث.
الأستاذ الذي غيّر مسار حيوات عديدة
يعدّ العصر الذي تولّى فيه الشيخ أمين أحسن الإصلاحي منصب رئيس المدرسين في مدرسة الإصلاح من أزهى العصور الذهبية في تاريخ المدرسة. ففي تلك الفترة تخرّج عدد من الطلبة الذين أصبحوا فيما بعد من كبار العلماء والمفكرين، ومن بينهم الشيخ وحيد الدين خان، العالم الجليل والكاتب القدير الشهير.
وقد أقرّ الشيخ وحيد الدين خان بأن التعليم الذي تلقّاه في مدرسة الإصلاح كان له دور أساسيّ في تغيير مسار حياته وصياغة فكره. وقد ذكر في مذكراته أسماء عدد من أساتذته، وسنقتصر هنا على بعض ما رواه عن الشيخ أمين أحسن الإصلاحي.
يقول وحيد الدين خان: كان الشيخ الإصلاحي أستاذنا في تفسير القرآن الكريم، وكان أيضاً رئيس المدرسين في المدرسة. وذات يوم، أثناء درسه في سورة الغاشية، وصل إلى قوله تعالى:
﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾
وفي سياق الحديث عن هذه الآية، توجّه الشيخ إلى الطلبة بسؤال علمي فقال:
"هل حافر الجمل مشقوق كحافر الثور، أم متّصل كحافر الفرس؟"
يقول الشيخ وحيد الدين خان، كان في الصف يومئذ نحو عشرين طالباً، ولكن لم يكن أحد منهم يعلم ما إذا كان حافر الجمل مشقوقاً أم غير مشقوق. وكلّ واحد كان يجيب بعبارات مترددة مثل: ربما أو على الأرجح. عندئذ ألقى أستاذنا الجليل الشيخ أمين أحسن الإصلاحي كلمة بليغة، فقال:
"من إجاباتكم يتّضح أنكم لا تعلمون حقيقة حافر الجمل."
ثم استشهد بمقولة عربية مشهورة: "لا أدري نصف العلم"، أي إنّ إدراك الجهل نصف المعرفة.
ثم شرح ذلك قائلاً:
"لو كنتم تدركون أنكم تجهلون طبيعة حافر الجمل، لكان عندكم نصف العلم في هذا الباب؛ لأنّ وعيكم بجهلكم كان سيدفعكم إلى إكمال النصف الآخر بالبحث والسؤال حتى تعرفوا الحقيقة."
ويقول الشيخ وحيد الدين خان إنّ هذا الموقف أثّر فيه تأثيراً بالغاً حتى أصبح جزءاً من طبيعته الفكرية، فصار يسعى في كل شأن من شؤون الحياة إلى أن يدرك ما يجهله ليحوّل الجهل إلى معرفة. ويضيف، "لقد غرس فيّ هذا الدرس من أيّام المدرسة روح البحث العلمي، ثم قرأت بعد ذلك كتباً لعدد من المفكرين الغربيين في هذا الموضوع، مثل كتاب (The Spirit of Inquiry)، فوجدت أن هذا الشعور بالتساؤل هو الأساس الحقيقي لكل تقدّم علمي."
ويضرب مثالاً على ذلك بقوله:
"لقد شاهد آلاف الناس سقوط التفّاح من الأشجار، لكنّهم لم يدركوا جهلهم بحقيقة هذه الظاهرة، ولذلك ظلوا غافلين عنها. أما نيوتن فكان أوّل من وعى جهله بهذا الأمر، ومن هذا الوعي انطلقت رحلة المعرفة التي قادته إلى اكتشاف قانون الجاذبية."
ويختم الشيخ وحيد الدين خان في سيرته الذاتية "أيام حياتي" قائلاً:
"لقد كان هذا الموقف واحداً من أهم الدروس التي تعلّمتها في حياتي الدراسية بمدرسة الإصلاح."
وفي الكتاب نفسه يواصل الشيخ وحيد الدين خان قائلاً:
"أنا في الحقيقة ثمرة خالصة من ثمار مدرسة الإصلاح. فإن كان أحد يراني إنساناً ناجحاً، فليعلم أن نجاحي هذا كلّه من فضل تلك المدرسة. فيها نلت الوعي والقيم التي أصبحت دليلي ورفيقي في كل خطوة من مسيرة حياتي."
(مجلة "الرسالة"، سبتمبر ٢٠٠٠م، صـ ٦٠–٦١)
وفي موضع آخر من كتابه كتب يقول:
"في الفترة التي كنت أدرس فيها في المدرسة، كان الإشراف على صلاة الجماعة يتولّاه أحد الأساتذة الكبار، وهو الشيخ أختر أحسن الإصلاحي رحمه الله. كان يأتي إلى السكن الداخلي بعد أذان الفجر مباشرة ليوقظ الطلبة للصلاة. وكنت آنذاك في ريعان الشباب، فكان من الصعب عليّ الاستيقاظ مبكّراً. وكان الشيخ عليه الرحمة يقول عني: إنه ينام نوماً ثقيلاً جداً!
وأتذكّر يوماً كانت صفوف الصلاة قائمة في ساحة المسجد الواسعة، ولعلّها كانت صلاة العشاء، فإذا بثعبان يدخل المسجد، ويسير بين الصفوف متّجهاً نحو الخلف حيث تخلع النعال. لم يكن الثعبان كبيراً، لكنه في النهاية ثعبان، ومع ذلك لم تقع فوضى في الجماعة، ولم يتحرّك أحد من مكانه، بل ظل الناس على هيئتهم حتّى خرج الثعبان من بينهم إلى الخارج.
لقد كان هذا الموقف عندي بمثابة تجربة مشاهدة حيّة أدركت من خلالها إلى أي مدى تنشئ الصلاة في الإنسان روح الانضباط والنظام."
(أوراق الحياة، صـ ١٩٤)
ويذكر الشيخ وحيد الدين خان سبب تكوّن هذه الخصلة في نفسه، فيقول:
"ذات مرة وقف رئيس المدرسين الشيخ أمين أحسن الإصلاحي رحمه الله بعد الصلاة في المسجد ليلقي كلمة توجيهية. فقال: "إن الصلاة تعلّم الإنسان التعاون والعمل الجماعي، وليس هذا مقتصراً على داخل المسجد فحسب، بل ينبغي أن تمتدّ روح النظام والوحدة إلى حياتكم خارج المسجد أيضاً."
كان الشيخ رحمه الله خطيباً بليغاً، وأثناء حديثه استخدم بعض الألفاظ المشتقة من باب تفاعل في اللغة العربية، وهو الباب الذي يحمل في معناه فكرة المشاركة والتعاون، مثل: توافق، تشارك، تعامل، وغيرها. ثم قال بصوته الخطابي المهيب:
"أصرفوا جميع صيغ باب تفاعل!"
ويضيف الشيخ وحيد الدين خان قائلاً:
"الذين يعرفون طبعي يدركون أن في شخصيتي درجة عالية من النظام والانضباط، حتى أصبح الانضباط طبعي الثاني. وأغلب الظنّ أنّ هذا الخلق إنما هو ثمرة لتلك التربية المستمرة التي تلقيتها في أيام دراستي بمدرسة الإصلاح."
(أوراق الحياة، صـ ١٩٩)
(يتبع ...)
