logo
أخرى

دراسة نقدية للقصّة المروية في الصحيحين

دراسة نقدية للقصّة المروية في الصحيحين

عن العسل

(الحلقة الثانية )

وأقول: حتى لو افترضنا أن قصة العسل قد وقعت فعلًا، سواء كما وردت في رواية عروة أو كما جاءت في رواية عبيد بن عمير، فإنّ آية الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهَ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾

(التحريم: 1)

ليس لها أي علاقة بهذه القصة مطلقًا،ذلك لأنّه لو كان القرآن الكريم بصدد الحديث عن هذه القصة، لما قال الله تعالى لنبيه ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾، إذ إنّ تركه ﷺ لشرب العسل ـ أو كما في رواية عبيد بن عمير، حلفه على ألّا يشربه مستقبلًا ـ لم يكن طلبًا لرضا زوجاته، بل بسبب كراهيته للرائحة الكريهة التي كانت تنبعث منه. فلو كان الأمر كذلك، لكان هذا الخطاب في غير موضعه، وحاشا لشيء من كلام الله أن يكون في غير موضعه أو بلا حكمة.

ومن ثمّ، فالقول الذي يستلزم هذا الفهم الباطل هو نفسه باطل، ومن الواجب التسليم بأن هذه الآيات لا علاقة لها البتّة بتلك القصة، وأنّ الله تعالى لم يخاطب نبيه ﷺ بشأن العسل بقوله : ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾

ثم إنّه لو كان الله تعالى قد أنكر على نبيه ﷺ أنّه حرّم على نفسه شرب عسل عند زينب أو حفصة رضي الله عنهما، أو أقسم على ألّا يشربه بعد ذلك، لقال سبحانه: ﴿لِمَ حَرَّمْتَ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ بصيغة الماضي، لا بصيغة المضارع. تُحَرِّمُ )كما وردت في الآية)

وكلّ من رزقه الله شيئًا من فهم القرآن يعلم أن ما يُفتتح في القرآن بلفظة "وَإِذْ"  يكون حديثًا عن واقعة جديدة مستقلة عما قبلها. ومن يقرأ مثلًا الركوع السادس والسابع والثامن من سورة البقرة يتّضح له هذا الأمر جليًا واقرأمن هذه الآيات مثلاً: وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ60) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ63) وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً 67)

وعليه، فإنّ قوله تعالى في سورة التحريم: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ التحريم: 3) يشير إلى واقعة مغايرة للواقعة التي أشير إليها في قوله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾. لكن عبيد بن عمير، لضعف فهمه للقرآن، ظنّ خطأً أن الآية ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ﴾ تتحدث عن نفس قصة العسل الزائفة التي لا أصل لها،.

وقد فصّلتُ تفسير هذه الآيات وسورة التحريم كاملة في كتابي مفتاح القرآن  الكريم» الجزء الخامس الأردية)، وهنا أكتفي بالقول بأن هذه الآيات تتحدث عن واقعتين متعلقتين بأمهات المؤمنين.

الحدث الأول

هي أن النبي ﷺ أراد، طلبًا لرضا زوجاته، أن يمتنع عن شيء قد أحلّه الله له، والمقصود هنا هو العلاقة الجسدية مع مارية القبطية رضي الله عنها،. وكانت مارية جارية النبي ﷺ، وقد أنجبت له ابنه إبراهيم، فأثارت الغيرة في نفوس أمهات المؤمنين، فطلبن منه ﷺ أن يمتنع عن معاشرتها.

وهذا الطلب من حيث الشرع ليس محرّمًا، لأنّ الرجل إن كانت له زوجة وأَمَة، فلزوجته أن تطلب منه ترك معاشرة أمته، إذ لا يُعدّ ذلك اعتداءً على حقّها، بخلاف ما لو كانت له زوجتان، فطلبت إحداهما منه أن يهجر الأخرى، فذلك غير جائز لأنه ظلم وتعدٍّ على الحقّ الزوجي.

لكن قبول هذا الطلب أو رفضه متروك لاختيار الزوج وقد رأى النبي ﷺ أنه لا حرج في إجابة مطلب زوجاته هذا، غير أن الله تعالى لم يرضَ له ذلك، لأنّ زوجاته كان عليهنّ أن يسعين لرضاه هو، لا أن يكون هو الساعي لرضاهنّ، فقال سبحانه معاتبًا له برفق:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التحريم1)

أي: يا نبي، لِمَ تمتنع عما أباح الله لك طلبًا لرضا زوجاتك؟ إنّ عليهنّ أن يحرصن على رضاك لا أن تكون أنت الساعي لرضاهنّ. ثم قال: ﴿وَ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي أنّ الله غفور رحيم، فكما يغفر لعباده، كذلك ينبغي أن تغفر لهنّ زلّتهنّ وسوء تصرّفهنّ.

ومن المعلوم أن النبي ﷺ لم يترك العلاقة مع مارية بالفعل، وإنما كان يفكر في تركها فقط، لأنّ الله تعالى قال بصيغة المضارع "تُحَرِّمُ" لا بصيغة الماضي "حَرَّمْتَ"، فدلّ ذلك على أنّ الفعل لم يقع بعد.

وربما يتوهم المسلمون بعد سماع هذه الآية أن من حلف على ترك أمر مباح يكون آثمًا، فبيّن الله تعالى في الآية التالية أن الحلف على ترك المباح جائز، لكن إن أراد الحالف أن يرجع ويكفّر عن يمينه فله ذلك، فقال تعالى:

﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (التحريم: 2)

أي: قد شرع الله لكم طريقة فكّ أيمانكم، كما ورد في سورة المائدة، وهي:
إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

فبذلك إذا حنث الحالف في يمينه وأدّى الكفارة، لا يكون عليه إثم. وختم الله تعالى هذه الآيات بقوله:

﴿وَ اللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (التحريم: 2)

أي: الله هو مولاكم ووليّ أمركم، وهو العليم الحكيم في تشريعاته.

(يتبع...)