logo
أخرى

إشراقة: الأوضاع الجديدة في غزة

إشراقة

الأوضاع الجديدة في غزة

عجلات الصدأ بدل "عربات جدعون"

أطلقت إسرائيل على عمليتها العسكرية في مايو اسم "عربات جدعون"، في استدعاء لصورة توراتية توحي بالبطولة والانتصار. جدعون، كما يرويه سفر القضاة، قاد جيشًا صغيرًا وهزم المديانيين، فصار رمزًا لانتصار الضعيف على القوي. الجيش الإسرائيلي حاول أن يسوّق نفسه في غزّة على نفس النغمة: "حرب مقدسة" تنتهي بنصرمبين.

غير أنّ الواقع كشف عكس ذلك تمامًا؛ إذ واجهتها المقاومة الفلسطينية بعملية سمتها "حجارة داوود"، استلهامًا من قصة نبي الله داوود عليه السلام في مواجهة جالوت الطاغية. وبينما أرادت إسرائيل تصوير عمليتها كـ"ملحمة توراتية"، انتهى الأمر بانكشاف إخفاقاتها على المستويات كافة.

تقرير داخلي يفضح الفشل

القناة العبرية 12 كشفت تقريرًا سريًا لمركز المعلومات العملياتي في الجيش الإسرائيلي، وقد خلص بوضوح إلى أنّ العملية لم تحقق أهدافها. وجاءت أبرز النقاط على النحو الآتي:

  • ارتكب الجيش أخطاء فادحة في التخطيط والتنفيذ.
  • ساعد خصمه عبر المساعدات الإنسانية، في مشهد يذكّر بقول النبي ﷺ: إن الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر.
  • افتقر إلى سرعة الحركة، ففقد الدعم الدولي سريعًا.
  • عانى جنوده من الإرهاق وضعف التجهيزات وقلة الاستعداد لحرب العصابات.
  • كرر الاقتحامات بلا نتائج، فيما شلّ الخوف من الخسائر البشرية القرار الميداني.

هكذا تحوّل شعار "عربات جدعون"، الذي رُوّج له كرمز للنصر، إلى دليل على الفشل والتراجع.

نزيف غزة يضعف نفوذ إسرائيل في واشنطن

الأكثر دلالة ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروف بصراحته الفجّة، واعترف مؤخرًا بشيء لم يكن يتخيّله أحد قبل سنوات.

اللوبي الإسرائيلي في واشنطن لم يعد يملك القبضة الحديدية التي كانت له سابقًا.

في مقابلة مع موقع ديلي كالر: "قبل عشرين عامًا كان الكونغرس خاضعًا تمامًا لإسرائيل، أما اليوم فقد تغيّر الحال واللوبي الإسرائيلي صار أضعف" .ولم يكتفِ ترامب بذلك، بل نصح إسرائيل بوقف حربها في غزة، مؤكّدًا أنها لم تعد في صالحها.

هذا الموقف يعكس تحوّلًا عميقًا في المزاج الأمريكي، حيث أصبحت صور الضحايا والدمار ـ بفضل وسائل التواصل الاجتماعي ـ حاضرة في كل بيت، ومؤثرة في كل ضمير. الإعلام الجديد كسر الرقابة التي اعتادت المؤسسات الغربية فرضها، وفضح الوجه الدموي للاحتلال.

الإعلام الغربي وترديد السردية الإسرائيلية

كشفت تقارير عديدة أنّ وسائل إعلامية غربية كبرى أصدرت تعليمات في بداية الحرب العدوانية على غزة المنكوبة لمحرريها وإعلاميها تقضي بما يلي:

  • وصف حماس والمقاومة دائمًا بأنها "منظمات إرهابية".
  • ترديد الرواية الإسرائيلية عند الحديث عن قصف المستشفيات والمدارس والمساجد بأنها يأوي إليها الإرهابيون.
  • تحميل المقاومة المسؤولية عن مشهد الدمار، بزعم أنها "من بدأت".والبادي أظلم.
  • ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل وصل إلى استشهاد متحدثين إسرائيليين بأحاديث نبوية لتبرير جرائمهم، وهو ما ينطبق عليه قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: كلمة حق أريد بها باطل.

والأخطر أن هذا الخطاب لم يقتصر على الإعلام وحده، بل أصبح لغة رسمية في تصريحات الساسة الغربيين والدبلوماسيين، وعلى رأسهم الإدارة الأمريكية، التي ما زالت تكرر الأكذوبة الصهيونية حتى اليوم بلا خجل.

والمؤلم أكثر أن بعض المنابر العربية، خصوصًا تلك المموّلة من أنظمة خليجية، تبنّت نفس الرواية الاستعمارية، لتتحول إلى صدى للأكاذيب بدل أن تكون صوتًا للحق.

    ومع ذلك، لم تنجح هذه البروباغندا في حجب الحقيقة، فقد باتت صور الأطفال والنساء تحت الركام أقوى من أي خطاب إعلامي مصطنع.

قافلة الصمود العالمية

من ميناء برشلونة انطلقت في 31 أغسطس/أيلول "قافلة الصمود العالمية" نحو غزة، وعلى متنها أكثر من 300 متطوع من 44 دولة، محمّلين بآلاف الأطنان من المساعدات الإنسانية على ما يزيد عن خمسين سفينة. وقد حظيت القافلة بوداع جماهيري واسع، لتجسد تعبيرًا حيًّا عن بقاء الضمير الإنساني حاضرًا رغم الصمت الرسمي العربي والإسلامي المخزي.

لكن إسرائيل، بما عُرفت به من همجية ووحشية حاولت عرقلة القافلة بالهجمات عليها بالمسيرات فيما هدّد عمال موانئ في أوروبا ـ خصوصًا من إيطاليا ـ بتحويل البحر إلى "جدار صدّ" أمام السفن الإسرائيلية إذا اقتربت من الأسطول. غير أنّ إسرائيل دولة همجية وحشية لا تكاد تكترث بالأعراف الدولية ولا بالقوانين الأخلاقية. ومن هنا نتمنى لو أنّ قافلة الصمود الإنسانية هذه تُرافقها بعض الوحدات العسكرية من الدول التي أعلنت اعترافها العلني بدولة فلسطين.

إن فصائل المقاومة، وفي مقدمتها حركة حماس، أعلنت استعدادها لإطلاق جميع الرهائن الإسرائيليين دفعةً واحدة، كما أبدت استعدادها لتسليم إدارة قطاع غزة إلى حكومة وطنية تكنوقراطية تحظى بإجماع كافة القوى الفلسطينية.
في المقابل، ما تزال إسرائيل متمسكة بموقفها المعلن، وهو القضاء على حماس عبر مسارين: أولاً، نزع سلاح الحركة، وثانياً، نزع السلاح من كامل قطاع غزة. وهذا جوهر الخلاف بين رؤية الاحتلال ورؤية المقاومة، إذ ترى المقاومة أن سلاحها خط أحمر لا يمكن التنازل عنه ما دام الاحتلال قائماً.

وبرأيي، فإن الخطوة الأولى والضرورية قبل أي شيء آخر هي توحيد الصف الفلسطيني وتبنّي رؤية موحدة. وتتمثل هذه الرؤية في أن مسألة السلاح يجب أن تُحال – في الوقت المناسب – إلى السلطة الفلسطينية. لكن ذلك مشروط أولاً بوقف الحرب على غزة، وانسحاب كامل لقوات الاحتلال من القطاع، يترافق مع الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من السجون، يلي ذلك الشروع في إعادة إعمار غزة، والتوجه بخطوات عملية نحو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

هجوم على الدوحة وتداعياته

في التاسع من سبتمبر 2025، ارتكب الاحتلال جريمة جديدة بقصفه العاصمة القطرية الدوحة أثناء اجتماع قيادات فلسطينية لبحث مقترح تبادل الأسرى. وبوقاحةٍ غير مسبوقة، تجرأ الاحتلال على ارتكاب هذه الجريمة بعد أن نال الضوء الأخضر من ساكن البيت الأبيض، الذي يكذب جهارًا نهارًا ويتبجح بأنه يسعى لإحلال السلام في العالم. وقد أدان العالم أجمع هذا الانتهاك الخطير، وحتى البيت الأبيض قد وصف هذا الهجوم بأنه أحادي الجانب لا يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية.

وبرأيي المتواضع، فإن هذه الإدانات الخليجية والعالمية لا تجدي نفعًا، إذ إن دول الخليج تحتاج إلى رؤية جديدة وجدية في مواجهة الخطر الصهيوني الداهم، الذي يعلن قادته كل يوم، بكل صلفٍ ووقاحة، أن هدفهم النهائي هو إقامة "إسرائيل العظمى". ومن الواجب أن تقف دول الخليج والعالم العربي صامدة أمام خطوات الزعيم الصهيوني المتغطرس نتنياهو.وإلا فلارادع لإسرائيل في العالم المعاصر إلاالمقاومة كما يشهد بذلك تاريخ الشرق الأوسط منذ أكثرمن مأة عام.

على دولة قطر، وعلى دول خليجية أخرى معها، أن تعيد التفكير بجدية: ما الفائدة التي تجنيها من استضافة القواعد والمعسكرات الأميركية على أراضيها إذا كانت لا توفر لها الحماية ولا تصونها من الهجمات الخارجية، وعلى رأسها الهجمات الإسرائيلية؟ من حيث المبدأ، حين تفشل الولايات المتحدة في حماية قطر، يصبح من الواجب على الدوحة أن توجّه إنذاراً صريحاً لواشنطن: إذا كان وجود القاعدة العسكرية الأميركية على أرضها لم يمنع الكيان الصهيوني من انتهاك سيادتها ووحدة أراضيها، فلا حاجة لها بهذا الوجود أصلاً. غير أنّ هذا الموقف الجريء، الذي يتطلّب شجاعة سياسية وعوامل قوة حقيقية، لا يبدو أنّه متوفّر حالياً.

إن الخطر الحقيقي لا يتمثل في إسرائيل وحدها، بل في الذهنية العربية المستسلمة، التي جعلت ثروات الأمة وطاقاتها أسيرة سياسات عاجزة.

أما هذا العدد من مجلة الإشراق العربي، فقد جاء مميزًا بما يضمّه من أعمدة وموضوعات مستقلة، مع تخصيص زاوية خاصة للأستاذ الفاضل الدكتور شهزاد سليم، إلى جانب دراسات وتحليلات أصيلة تسعى إلى تعميق الرؤية وتوسيع الأفق. كما أضفنا إلى ذلك باقة من الأبيات المختارة من معين الشعر العربي الرصين.

لقد حرصنا منذ انطلاقة المجلة على أن تكون منبرًا حرًّا للفكر المسؤول، وفضاءً رحبًا للتأمل الرصين، يجمع بين صدق المقصد ودقة الطرح، وبين رصانة المحتوى وجديّة المعالجة.وإذ نقدّم هذا العدد، فإننا نفتح قلوبنا وصدورنا لملاحظات قرّائنا الأعزّاء وآرائهم السديدة، فهي زادنا في مسيرة التطوير، وعوننا على بلوغ مدارج التميّز.

نسأل الله أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع بها القرّاء والباحثين، وأن يكتب لها القبول في الأوساط العلمية والأدبية.

                                  أخوكم في الدين،

أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي

           (12 سبتمبر ٢٠٢٥م، علي كره)

ـــــــــــــــــــــــــ