logo
أخرى

مقطتف من ’’مقامات ‘‘

مقامات

(الحلقة الثامنة)

أمین أحسن

وفي زمن طلبه جری اختبار للسبع المعلقات وكان السید سلیمان الندوي ممتحنا فقد علق علی كراسة أمین أحسن. "ھذه كراسة طالب. ومن أین لي أستاذ كھذا لندوة العلماء". وكان لبعض الطلبة صراع معه. فقال بعضھم للفراھي: إن أمین أحسن له تنفر من النحو فكان یقول: حضرت في درسه فسئلنی الاستاذ الإمام: یا أمین أي صیغة لِ؟ ولما أجبت جواباً صحیحاً نظر إلی المعترضین بنظرة شذرة وقال من یقول إن أمینا لا یعرف النحو.

وكذلك سأل الأستاذ الفراھي حضور درسه علی أیة مناسبة أخری: من ھو أقل سنا في ھذا الدرس؟ فقالوا: أمین أحسن فسئل: من جاء أخیراً؟ فقالوا: أمین أحسن فقال علی ذلك، قال سیدنا المسیح علیه السلام إنه كم من عاقب سوف یستبق الأخرین.

فكان یذكر اعتماد أستاذه علیه بھذا الأسلوب، فذكر ذات مرة أن بعض الناس شكوا إلی الإمام الفراھي أن أمین أحسن یقول إن الشعر العربي لیس شعرا في الواقع فإنه لایتمیز فیه أن الشاعر یصف حبیبته أو یصف ناقته. فأجاب الفراھي: أری أنه لم یلق شارحا یقوم بتفھیم الشعر تفھیما مناسبا. یقول: "فإذا جئت سئلني الأستاذ عن ذلك، فأعدت علیه رأئي فقال الأستاذ الإمام: إقرأ شعراً ما فقرأت علیه الشعر الأول من معلقة امرئ القیس: قفا نبك من ذكری حبیب و منزل. فقال الإمام: ترجمه فترجمته علی نحو ما یترجمونه في المدارس العربیة عموماً قال الإمام. لا لا، لیس كذلك. بل قل: قفوا قفوا أصدقائي أبك بكاءً علی حبیبتي ومنزل حبیبتي فنادیت لا ریب إنه صار شعراً صار شعراً الآن." وكان یقول:

"إن الشعر العربي أصبح لي شعراً مرغوبا فیه رغبة كبیرة فیما بعد".

وإذا ما یذكر شخصیة الفراھي تلمعت نظرتاه لمعاناً عجیبا فیذكره. في عظمة ھذا الكلیم لذروة سیناء العلم لساعات ولم یكن شبعان قط. ویتحدث بعض وقائعه في أسلوب ودي جاذب كأنه یذكر ملاكا.

كان یقول: "كنت أدرس السبع المعلقات فلم أفھم "لا" في مكان. ونظرت في الشروح الكثیرة حتی وفي شرح أدیب الھند الشیخ فیض الحسن السھارنفوري فما اطمئنت إلی رأي. فحضرت مع الكتاب إلی حضرة الفراھي وعرضت علیه قضیتي. وكان واقفاً خارج دار مطالعته. وقف لساعة ثم أخرج مرسماً وكتب في كتابي: لاھي نادرة ھنا. كما تقولون: یا تری لا تاتي لحظة موتي، فھذه ’لا‘ من مثل ذلك. فكان ھذا أسلوبا خاصا للإمام للتوصل إلی غوامض اللغة."

"وفي أخیر أیام حیاته قد أفتی عالم كبیر من الھند بتكفیر الفراھي بسبب بحث من بحوثه. وكان ذلك باعثا علی الاضطراب في كل المنطقة. وكان الطلبة وأساتذة مدرسة الإصلاح كلھم قلقون لذلك. وكان ذلك حدث كبیر لي أیضاً ففي ھذا العالم، عالم الحیرة والقلق تسرعت إلی دار مطالعته بحثا عنه ورأیته قائما علی مدارج دار مطالعته فاخبرته مسرعاً وقد كنت توقعت منه أن یظھر اضطرابا وقلقا مثلما كنت أحسه غیر أنه بعد أن استمع إلیّ وتوقف لحظة في درجة، ثم قال: طیب إن ھذا الشخص الذي أنت تذكره لایعرفني، ثم ذھب إلی سبیله وبقیت اتحیر من جوابه قائما. فإنه لا یمكن تعلیق بلیغ علی فتوی التكفیر ھذا أكثر من ذلك". وكان یقول ولھان كبیراً: "فكان الفراھي ھذا ومن أین لكم شخص كھذا؟"

إنه قرأ القرآن علی الفراھي ونال مذاق لسانه الذي قلما وجده شخص ما، فإن نظم القرآن اكتشاف للفراھي لكن الشیخ أمین أعمله في تفسیره تدبر القرآن وأوصله بمكان حیث لایبقی مكان للانكار عند المانعین له. وكان أمین أحسن في علمه بمكان رفیع كان الأئمة المجتھدون لھذه الأمة فائزین به في مختلف العلوم والفنون. ففي اللغة والأدب والفلسفة والحكمة ومعارف القرآن وما إلی ذلك من العلوم كان فیھا فائزا بدرجة لاتتصور مكانة أرفع منھا بسھولة. فكان بلاریب إمام وقته في ھذه العلوم. ولما طلبه أحد في بعض تحقیقاته الجدیدة أية مرجعیة للمتقدمین كان جوابه باطمینان كامل وثقة كاملة، "كن مطمئنا نكون من المتقدمین بعد برھة قلیلة". وقد كتبت في مكان ''أني شھدت في مجالسه أن تُحل عقدات القرون في لمحات وكم اعترفت بلسان الشاعر الفارسي أنه ھذا الطریق یطویه في لمحة رعد البرق ونحن المتغافلون ننتظر إلی الشمعات والسرج.

وكانت ھذه مكانته وبالرغم منھا إذا جاء أمامه قط حق ثابت ضد تحقیقه ورأیه المحكم عنده فقد رأیته یقبل الحق ویستسلم له بصورة تحیرت منھا. وأنا كنت طالباً یجلس في الصف الأخیر لمدرسته العلمیة، فلم اطمئن لما فسر به الأشھر الحرم في سورة التوبة. وكنت أری أن الأمر ساذج بسیط وتعقد كثیراً من تفسیره. وذات مرة اجترأت علی بیان رأيي عن ذلك حذِراً خائفا في ضوء ما وجدته من فیوض تربیته العلمیة. واستمع إلي بسكون وألقی إليّ بعض التساولات في ذلك، ثم سكت لدقائق ثم قال: إنی تفكرت في ھذه الآیة لأعوام طویلة ثم توصلت إلی رأيي. ولكن رأیك أصوب ثم استشھد بشعر فارسي في عالم الانفعال الكبیر، ومفھومه:

"لا تظن أن مآثر الكبار قد انتھت فإن الآلاف من الخمور الغیر المشروبة في انتظار إلی من یشربھا ویتعاطیھا."

وبعد وفاة الإمام الفراھي قد رأ أنه كما قرأ القرآن علی مثل الشیخ حمید الدین الفراھي في عظمته وجلالة قدره یجب أن یقرأ الحدیث النبوي الشریف علی عالم جلیل الشان في ھذا الفن. وكانت قریة الشیخ عبدالرحمن المباركفوري الشارح الشھیر للجامع الترمذي لیست ببعیدة منه. فذھب والد أمین أحسن به إلی الشیخ وأظھر رغبته في القرأة علیه فقال له المحدث المباركفوري انت قد قرأت جمیع الفنون فإن أردت أعطیتك إسنادي فأبی أمین أحسن قائلاً: یا شیخ، ھذا تاج الملوك ولا یرید ھذا الفقیر تتویجه به بھذا الطریق فلست أرید السند بل أرید التفقه في الحدیث علیك. فسأله أی كتاب ترید قرأته؟ فأجاب: إنك شارح الترمذي فأقرانیه فبدأ درس الترمذي. ثم ظل یحضر في حضرة الشیخ المباركفوري بانتظام وتواصل راجلاً علی الأقدام بدون اكتراث لِفصل الشتاء وموسم الحر وقال الشاعر الفارسي مامفھومه:

"وشوقك ینیر الطریق ووجعك یتیح الزاد."

وكان یحدثنا ما حدث له في زمن طلبه من الشیخ المباركفوري بلطف كبیر. أنه ذات یوم اثناء قرأة عبارة الترمذي في الدرس قرأ عرٍف بكسر الراء باعتماد كامل فانكره الشیخ وقال: لا أعرف عرف (بكسر الراء) قال: فاجبته أما أنا فلا أعرف عرَف (بفتح الراء) فأرشدني الشیخ: راجع اللغة. ففتحت المعجم غالبا الصحاح للجوھري فوجدت أن الأستاذ ھو المصیب فی قوله، فأحسست بعض الندامة، فابتسم الأستاذ وقال: استأنف وللجواد زلة.

وبعد وفات الإمام الفراھي قام أمین أحسن بتأسیس "الدائرة الحمیدیة" لتقدیم عمله وإجراء مجلة "الإصلاح" الشھریة. وقام في ھذا الزمان بترجمات لكتابات الإمام. وترجماتھا بغایة من الصحة والبراعة أثنی علیھا الشیخ أبوالاعلیٰ المودودي الأدیب المصقع والكاتب لطراز خاص وقال: إذا أراد شخص معرفة سلیقة وطریقة نقل العبارات العربیة العلمیة العلیا إلی الأردیة السلیمة فعلیھا أن ینظر في ھذه الترجمات.

وفي عام ١٩٤١ للمیلاد قام الشیخ أبو الأعلی المودودی بدعوة إقامة الحكومة الإلھیة فوافق أمین أحسن ھذه الدعوة وانتقل معه إلی دار الإسلام مخلفا وراءه مدرسة الإصلاح، والدائرة الحمیدیة ومسودات الاستاذ الإمام والمبلغ الخطیر البالغ إلی خمسین الفاً في ذلك الزمان، والذي تم جمعه بإسمه ھدفا إلی صرفه علی الأعمال العلمیة.

فظل مع الشیخ المودودی موافقا مؤیدا له مرة ومخالفا له مرة أخریٰ. وفي زمان توافقه معه حینما أراد بعض العلماء استخفاف علم المودودي جاءت شھادة أمین أحسن له كبرھان قاطع في حقه. وكان یقول فیما بعد علی طریق التفنن أنا شھدت لعلمه في مواجھة العلماء التقلیدیین لا بمقابلتي أنا یا تری. فظل لستة عشر عاما علی الأقل مصاحبا معتمدا علیه للشیخ المودودي. وقام معه بترشید الجماعة الإسلامیة ترشیداً علمیا وفكریا وتحمل في سبیل ذلك صعوبات ومشاق الزنزانات أیضا باستقامة وعزیمة.

وكان یخبر عنه أنه قد أكمل عمله في تجزیة مطالب القرآن وتقسیمه إلی مقتبسات في زنزانة ملتان. وفي ١٩٥٣م للمیلاد قد أعلن علی الشیخ المودودي بالإعدام فتبحرت عواطفه علیه. وفي زمن خلافه منه حینما كان یلقب المودودي بأمیر المؤمنین بأسلوبه الخاص وینتقده نقدا لاذعاً رأیته مراراً أن تحت الفاظه المریرة المتلاطمة كان ھناك بحر للحب له متلاطم. وكان یتأسف كثیراً علی أن صدیقه الذي كان یراه مرة عالیا عظیماً كیف تنزل إلی حضیض.

وفي ١٩٧٥م كنت مقیماً في مؤاجھة مسکن الشیخ المودودي إذ زارني الاستاذ الإصلاحي. وبعد الفراغ من تناول الطعام خرج إلی صحن البیت لغسل الأیدی فسألني: ھذا ھو دار الشیخ المودودي؟ فأجبته بنعم ثم رأیته یكرر ھذا البیت الأردي ما مفھومه:

"نحن، أنا وأنت، كنا متعارفین في زمان لا أعرف تذكره أولا تذكره."

 وقد انتھت ھذه الصحبة في ١٨ ینایر عام ١٩٥٨ للمیلاد علی الجمل التالیة لأمین أحسن:

"أنا أعرف جیداً ماذا أفقد بصورة حرماني من رفاقتك، ولكن یجب أن تذكر أیضا انك إذا لم تقدر مشورات مخلص لك مثلي ناصح حق قدرھا سوف تضطر إلی قبول "المستشارین السوء" وقد كنت متمنیا قلبیا أن لیتني ظللت رفیقا لك ولكنك طلبني في كتابیك الثمن الباھظ لذلك اقصر عن أدائه."

وإذا انتقل الشیخ المودودي إلی رحمة الله تأسف أمین أحسن جدا وقال الیوم ارتحل من الدنیا شخص یلتذ الخلاف منه والتوافق معه. وكان في بیتي حین جاء نعي المودودي فتذاكرنا مزاحه، فحدثنا بعض الفكاھات التي حصلت في زمن قیامه ببتان كوت. وكان من بینھا، قال: "كنت تزوجت وصھري السید عبدالرحمن جاءني زائراً ولم احضر لسبب في صلاة العصر یومئذ فسأله شخص: لم یحضر الشیخ أمین أحسن الیوم؟ فقال الأستاذ المودودي بداھة یا أخي ھو مبتلیً منذ صباح الیوم في "إن الإنسان لفي خسر". (خسر یقال للصھر في الأردیة)

وكان أمین أحسن أیضاً نظیره في المزاح والمرح. وفي زمن أسارته انكسرت أسنان الشیخ المودودي كما یغلب ظني. والشیخ أمین لم یكن یعرف أن أسنانه صناعیة فلما أخبره أحد بذلك. ذھب إلی المولانا المودودي للعزاء "في الأسنان" وتوقف قلیلا عند باب الزنزانة متأسفا یائساً بظاھر الحال ثم قال:" یا شیخ أنا أسف جداً لم أكن أعرف أن عندك قسمان للأسنان، أحدھما للأكل والثاني للتظاھر بھا."

وأخذ شخص یعقد مؤتمرات وندوات باھتمام كبیر وكان مرجوا كبیراً عند الإصلاحي في سبیل خدمات دینیة، فكان یدعو علماء وباحثین من مدارس الفكر المختلفة ویكلفھم بإلقاء الخطابات فیھا. الأمر الذي لا مكان له في تصور خدمة الدین یتبناه أمین أحسن. وذلك الشخص جاءه یوماً یدعوه لإلقاء الخطاب، فسئاله أمین أحسن ما ھو ھدفك بعقد ھذه المؤتمرات؟ فأجاب: أرید أن یجتمع أناس منتسبون إلی مدارس نظریة مختلفة في رصیف واحد، فقال أمین أحسن بدیھیاً: "إن قطاع القطار یقوم بخدمة جمع أناس متباینین في رصیف واحد منذ مئة سنة ولذا أعتقد أن ذلك لایحتاج إلیك".

وكان صاحب طراز خاص في الكلام علی الناس فلما غضب علی عالم كبیر ومصنف شھیر قال إنه قلیل القرأة كثیر الكتابة، وحینما وصف أسلوب البحث والتحقیق عند المستشرقین. قال ''أسلوبھم ینمي عن تخدیش نحلة وجعلھا جاموسا وتصدیف فیل علی ساق جرادة، ولما تشكلت (في الباكستان) جبھة متحدة بإزاء الجنرال أیوب خان وتائید فاطمة جناح فعبر بھا بحزب له وزن الخمسة كلومتر من الضفادع. وفي ذلك الزمان اشتھرت جملة المولانا المودودي "إنه في طرف رجل لا یحمل صلاحیة إلا أنه إمرؤ وبإزاءها إمرأة لاتحمل سوءاً إلا انھا إمرأة. فعجب منه أمین أحسن وقال: یا للعجب! لیس فیھم رجل یقابل رجلاً لایحمل صلاحیة غیر أنه رجل".

(للحديث صلة ...)